18 يناير 2026

في تطور لافت داخل المجلس الرئاسي الليبي، وجه نائبا رئيس المجلس موسى الكوني وعبد الله اللافي رسالة إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، طالبا فيها بمنع رئيس المجلس محمد المنفي من الصرف من حسابات ديوان المجلس الرئاسي وسحب التفويضات الممنوحة له.

لم يكن هذا مجرد إجراء إداري؛ بل تذكير صريح ومفاجئ بأن المنفي “ليس رئيساً للدولة”، بل رئيس لهيئة جماعية يفترض أن تعمل بالتوافق لا بالانفراد، فالرسالة في ظاهرها نزاع مالي حول حق التوقيع والصرف، لكن في عمقها تعبير عن أزمة عميقة في طبيعة السلطة الانتقالية الليبية، وعن ميل متنام لدى رئيس المجلس الرئاسي للتصرف كرئيس دولة فعلي في نظام لم يمنحه هذا الدور.

المجلس الرئاسي… رأس دولة جماعي لا رئيس جمهورية فردي

تأسس المجلس الرئاسي الليبي بموجب الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات عام 2015، ليكون رأس الدولة المؤقت خلال المرحلة الانتقالية، ونص الاتفاق بوضوح على أن قرارات المجلس تتخذ بالإجماع، وأن رئيس المجلس يرأس الجلسات ويمثل الدولة بروتوكولياً، لكنه ليس مخولاً بإصدار قرارات سيادية أو مالية منفردة.

عملياً فإن بعد الصخيرات لم تعرف “رئيس جمهورية”، بل “رأس دولة جماعي”، والمنفي، وفق هذا الترتيب، هو ميسر للتوافق وليس في موقع مركز قرار سيادي، غير أن ممارساته خلال العامين الأخيرين بدت وكأنها تتجاهل هذا التحديد الدستوري، متوسعة في صلاحيات التمثيل الخارجي والتصرف المالي وتعيين المستشارين، حتى بدت وكأنها تتجه إلى تحويل الرئاسي من هيئة جماعية إلى رئاسة فردية بحكم الأمر الواقع.

مراسلة الكوني واللافي… تمرد قانوني أم تصحيح للمسار؟

الوثيقة التي وجهها نائبا الرئيس إلى المصرف المركزي تكشف تصعيداً مؤسساتياً غير مسبوق، فلم يكتفيا بسحب التفويضات، بل أكدا على أن “أي إجراء يجب أن يتم بالعودة الكاملة إلى المجلس الرئاسي مجتمعاً”، وشددا على أن تخويل المنفي بالتوقيع والصرف أوقف باستثناء الباب الأول (المرتبات)، إلى حين معالجة ما وصفاه بـ”الخلل التنظيمي والإجرائي القائم”.

هذا الإجراء لم يأت من فراغ، فبحسب مصادر مقربة من المجلس، حاول المنفي إدارة الإنفاق المالي الخاص بالمهام الخارجية وتسيير شؤون ديوان الرئاسة بشكل منفرد، وفوض بعض مسؤولي جهازه الإداري بالصرف دون العودة إلى زميليه، وهو ما رآه الكوني واللافي تجاوزاً جوهرياً لروح الاتفاق السياسي ولآلية الإجماع التي تمثل جوهر شرعية المجلس.

لكن الرسالة لم تقف عند الشأن المالي، فحملت المنفي مسؤولية تعطيل أعمال المجلس و”الانفراد بوجهات النظر في الشأن السياسي”، معتبرة أن ذلك أدى إلى “تصدعات داخلية” عطلت الاجتماعات وأفرغت المؤسسة من مضمونها الجماعي.

تعيين الصلابي… القشة التي قصمت ظهر التوافق

أحد أبرز مظاهر هذا الانفراد تمثل في تعيين علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، وهو قرار اتخذه المنفي دون مشاورة زميليه، ما أثار رفضاً علنياً من موسى الكوني الذي اعتبر أن ملف المصالحة شأن وطني جامع لا يجوز تسييسه أو ربطه بجهة أيديولوجية بعينها.

الصلابي، المعروف بقربه من التيار الإسلامي وارتباطه الفكري بجماعة الإخوان المسلمين، يمثل بالنسبة للعديد من الفاعلين الليبيين شخصية خلافية، ومع أن العضو الآخر في المجلس، عبد الله اللافي، يوصف بدوره بأنه قريب من “الإخوان”، فإن اعتراض الكوني هنا بدا مبدئياً ليس على الشخص، بل على طريقة اتخاذ القرار.

في السياق ذاته، أصدر الكوني بياناً منفصلاً دعا فيه إلى تفعيل نص الاتفاق السياسي بشأن إنشاء “المفوضية العليا للمصالحة الوطنية” على أساس تمثيل متوازن للأقاليم الثلاثة (طرابلس، برقة، فزان)، معتبراً أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تكون ملفاً شخصياً أو فئوياً، بل إطاراً مؤسسياً يدار جماعياً من المجلس الرئاسي بأسره.

داء العظمة… حين يطول الظرف الانتقالي ويتحول إلى إقامة دائمة

الانتقاد الموجه للمنفي لا يقتصر على قراراته الأخيرة، بل يمتد إلى طبيعة ممارسته للسلطة منذ انتهاء المدة الانتقالية التي حددتها خارطة طريق ملتقى الحوار السياسي (LPDF) في جنيف عام 2021، حيث نصت الخارطة على فترة انتقالية لا تتجاوز 18 شهراً تنتهي بانتخابات عامة، لكن المنفي بقي في موقعه لما يقارب ثلاثة أضعاف المدة الأصلية، دون تفويض جديد من الشعب أو توافق سياسي وطني حول التمديد.

يرى خصوم المنفي أنه أصيب بما وصفه بعضهم داخل المجلس بـ”داء العظمة”، والشعور المفرط بالشرعية الذاتية الذي يجعله يتصرف كرئيس دولة دائم، لا كرئيس هيئة مؤقتة محكومة بآليات توافقية.

هذا التمدد في السلطة الزمنية ترافق مع توسع في الصلاحيات وتجاهل متزايد للشركاء المؤسسيين، ما فاقم الشكوك في نواياه السياسية وأثار أسئلة حول نية ترسيخ الأمر الواقع إلى أجل غير مسمى.

أزمة نظام لا أشخاص

الذين يرون في الخلاف مجرد صراع نفوذ بين المنفي والكوني واللافي، يغفلون عن جذره الأعمق، فهو خلل بنيوي في تصميم السلطة التنفيذية الليبية، فالاتفاق السياسي في الصخيرات، ثم ترتيبات جنيف لاحقاً، أوجدا كيانات مزدوجة الصلاحيات ومتداخلة المهام؛ مجلس رئاسي يملك رمزية “رأس الدولة”، وحكومة وحدة وطنية تملك الصلاحيات التنفيذية الفعلية، ومجلس نواب يحتفظ بالسلطة التشريعية، ومجلس أعلى للدولة يمارس دوراً استشارياً – رقابياً غامض الحدود.

في ظل هذا التداخل، بات من السهل لكل طرف أن يفسر النصوص بما يخدم موقعه، فيرى المنفي أنه بحكم موقعه يحق له التصرف في الشؤون السيادية وتمثيل الدولة واتخاذ قرارات المصالحة والعلاقات الخارجية، بينما يراه زميلاه متجاوزاً صلاحياته في غياب إجماع المجلس.

البعد السياسي الأعمق: صراع الشرعيات المتعددة

الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن المشهد الليبي الأوسع، حيث تتنازع ثلاث شرعيات:

  1. شرعية انتخابية غائبة منذ تأجيل الانتخابات العامة في ديسمبر 2021.
  2. شرعية سياسية توافقية منبثقة عن اتفاقات جنيف، فقدت بريقها بمرور الزمن.
  3. شرعية أمر واقع تمارسها سلطات متوازية في الشرق والغرب والجنوب، مدعومة أحياناً بقوة السلاح أو بالاعتراف الدولي الجزئي كما هو واقع الحال في الغرب الليبي.

في مثل هذا المناخ، يصبح الانفراد بالقرار داخل المجلس الرئاسي وسيلة لتعزيز النفوذ لا مجرد خطأ إداري، فـ”التمثيل الخارجي” و”التحكم في الصرف” و”ملف المصالحة” ليست تفاصيل تنظيمية، بل أدوات سلطة تمنح صاحبها موقعاً تفاوضياً متقدماً في هندسة ما بعد الانتقال.

المنفي، الذي يسعى لتقديم نفسه كـ”رجل وفاق وطني”، يبدو في نظر منتقديه وكأنه يستخدم خطاب الوحدة الوطنية لتكريس مركزية القرار بيده، فيما يتحول زميلاه إلى شركاء صوريين في مؤسسة مشلولة.

هل يتحول المجلس الرئاسي إلى نموذج للفشل المؤسسي؟

تجربة المجلس الرئاسي التي بدأت كرهان على التوافق، تكاد تنتهي إلى دروس في كيفية فشل التوافق، فغياب الآليات التنفيذية الملزمة، وتراكم الغموض القانوني، وطول المرحلة الانتقالية، جعلت من المجلس كياناً يراوح بين كونه رمزاً للوحدة الوطنية وواجهة لصراع نفوذ داخلي.

الكوني واللافي، في مراسلتهم الأخيرة، استخدما لغة قانونية صارمة، مستندين إلى نصوص الاتفاق السياسي التي تنص على بطلان أي قرار يتخذ دون إجماع، لكن السؤال الأعمق هل ما زال هذا الاتفاق نفسه فاعلاً بعد أن تجاوزه الواقع السياسي والزماني؟

إن كان المجلس الرئاسي قد خُلق ليدير مرحلة انتقالية محددة، فاستمراره إلى أجل غير معلوم دون قاعدة دستورية جديدة أو انتخابات، يجعل كل خلاف داخله انعكاساً لأزمة الشرعية الوطنية برمتها.

ليبيا بين أزمة الشرعية وأوهام السلطة

ما يجري داخل المجلس الرئاسي ليس مجرد جدل حول صلاحيات أو توقيعات، بل صراع على تعريف الدولة الليبية نفسها، فهل هي دولة المؤسسات والتوافقات المؤقتة كما أرادها اتفاق الصخيرات؟ أم دولة الرئاسة الفردية التي يكرسها منطق الأمر الواقع؟

المنفي اليوم يقف عند مفترق دقيق، فإما أن يعود إلى روح الاتفاق السياسي، ويعيد إحياء فكرة  المجلس الرئاسي كجسم جماعي يمثل الدولة بقرارات توافقية، أو أن يواصل طريق الانفراد، بما يحمله ذلك من خطر تحويل الرئاسي إلى سلطة متآكلة شرعياً ومعزولة سياسياً.

إن تذكير زميليه له بأنه “ليس رئيسا للدولة” ليس إهانة شخصية، بل دعوة لإعادة الانضباط إلى منطق الدولة نفسه، فليبيا التي لم تتعاف من انقساماتها لا تحتمل مغامرة جديدة باسم الرئاسة، ولا رئيساً يعتقد أن الصلاحيات المؤقتة يمكن أن تصبح دائمة بحكم الغياب الطويل للانتخابات.

يبدو أن المنفي لم يخطئ وحده، بل أخطأت معه كل منظومة الحكم الانتقالي التي جعلت من المؤقت دائماً، ومن الجماعي فردياً، ومن التوافق شعاراً دون مضمون.

بقلم نضال الخضري

ليبيا تتصدر إفريقيا في احتياطيات النفط المؤكدة عام 2025

اقرأ المزيد