13 فبراير 2026

عزيز أخنوش أطلق مبادرة أنهت الإضراب العام الذي خاضته جمعية هيئات المحامين لأسابيع، مع إعلان استئناف العمل الإثنين المقبل، بما أعاد مسار الحوار حول مشروع قانون المهنة المثير للجدل.

وأوضحت الجمعية، في بيان لها، أن لقاءً جمع، يوم الأربعاء، رئيسها برئيس الحكومة بدعوة من هذا الأخير، حيث دار بين الطرفين “نقاش مسؤول وصريح” أفضى إلى الاتفاق على تشكيل لجنة على مستوى رئاسة الحكومة، تحت إشراف أخنوش وبمشاركة مكتب الجمعية، لفتح حوار تشاركي حول مشروع القانون الذي كان قد أحاله وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى البرلمان، وهو المشروع الذي اعتبره المحامون مساساً باستقلالية المهنة ومكتسباتها التاريخية.

وسجل البيان بارتياح قرار رئيس الحكومة عدم إحالة المشروع محل الخلاف على البرلمان في صيغته الحالية، في انتظار انتهاء اللجنة المشتركة من أعمالها، والتي تقرر أن تبدأ اجتماعاتها يوم الجمعة.

وأثنت الجمعية على ما وصفته بـ”إرادة رئيس الحكومة في إعادة بناء الثقة”، مؤكدة أن هذه الخطوة من شأنها ضمان استمرار المهنة في أداء أدوارها المجتمعية والحفاظ على ثوابتها، معتبرة ذلك تجسيداً لحس مؤسساتي وروح مسؤولة في تدبير الملف.

كما وجّهت التحية إلى مكونات الجسم المهني كافة، مشيدةً بما أبدوه من تضامن دفاعاً عن أسس مهنة المحاماة القائمة على الاستقلال والحصانة وبقية المكتسبات، ومؤكدة تمسكها الراسخ بحماية هذه القيم، قبل أن تدعو المحامين إلى استئناف تقديم خدماتهم المهنية ابتداءً من الإثنين 16 فبراير.

ويتمسك المحامون المغاربة بمطلب الحفاظ على استقلالية المهنة ورفض إخضاعها لآليات تأديبية تابعة مباشرة للسلطات القضائية أو الإدارية، معتبرين أن بعض التعديلات المقترحة قد تُضعف ضمانات الدفاع عن المتقاضين وتمس مناعة المحامي أثناء أداء مهامه، مع التشديد على ضرورة إشراكهم في جميع مراحل إعداد المشروع ورفض أي مقاربة أحادية في اتخاذ القرار.

وقد أثار بيان الجمعية تفاعلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر إسحاق شارية، المحامي والأمين العام للحزب المغربي الحر، أن ما جرى يمثل “انتصاراً للمحامين في أولى معارك الكرامة”، منتقداً أداء وزير العدل ومحمّلاً إياه مسؤولية تعطيل قطاع العدالة لنحو شهر.

كما أبدى ملاحظات حادة بشأن مشاريع قوانين أخرى، من بينها قانون المسطرة المدنية الذي وصفه بـ”الركيك” و”غير الدستوري”، وقانون المسطرة الجنائية الذي قال إن عيوبه ظهرت عند أول تطبيق.

ومن جهته، رأى المحامي زهير أصدور أن التطور الجديد يشكل “إشارة قوية على انتصار منطق المهنة وصمودها”، معتبراً أن المحاماة فرضت احترام مكانتها كشريك فعلي في صياغة الإصلاح، لا مجرد طرف مستمع.

وأشار إلى التزام رئيس الحكومة بإعادة بناء الثقة وعدم إحالة المشروع بصيغته الحالية، مع إحداث آلية مشتركة لضبط مسار التوافق بما يصون ثوابت المهنة وضمانات الدفاع.

وبدورها، أكدت فاطمة الزهراء الإبراهيمي، المحامية بهيئة الدار البيضاء، أن بيان الجمعية “لم يقدم تنازلاً ولم يغلق باب التفاوض”، بل أبقى عناصر الضغط قائمة، معتبرة أن العودة إلى العمل تمثل بادرة حسن نية ورسالة مفادها أن التفاوض يتم من موقع قوة لا من موقع قطيعة.

وشددت على أن اجتماع الجمعة يعد مفصلياً، خصوصاً مع ترؤس رئيس الحكومة شخصياً للقاء، بما ينقل الملف إلى مستوى سياسي ومؤسساتي أعلى، ويعكس أن القضية تتجاوز خلافاً تقنياً إلى مسألة تمس توازن السلطة واستقلال المهنة.

وأضافت أن الثقة “لا تُبنى بالنوايا بل بالضمانات المكتوبة”، معتبرة أن المرحلة الحالية هي “معركة نصوص دقيقة” تتعلق بتحديد حدود تدخل السلطة التنفيذية وكيفية صون الاستقلالية داخل البنية التنظيمية المقترحة.

وفي المقابل، رأى الصحافي حسن المولوع أن رئيس الحكومة يسعى إلى تحسين صورته عبر هذا الملف، مؤكداً أن المطلب الجوهري لدى الرافضين للمشروع يتمثل في سحبه كاملاً دون التفاف أو محاولة لكسب الوقت، لأن جوهر الإشكال، حسب تعبيره، يتطلب قراراً واضحاً يعكس إرادة حقيقية للاستجابة للمطالب.

كما عبّرت “منظمة المحامين التجمعيين”، وهي هيئة مهنية تابعة لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة، عن انخراطها في توجهات جمعية هيئات المحامين، مثمّنة الإرادة المعلنة لتحديث منظومة العدالة، لكنها سجلت محدودية إشراك الجسم المهني، وعلى رأسه الجمعية، بشكل مؤسساتي ومنهجي في إعداد مشروع القانون، وهو ما اعتبرته مؤثراً سلباً على منسوب التوافق الضروري لإنجاح هذا الورش التشريعي.

واعتبرت المنظمة أن اعتماد مقاربة أحادية في إعداد نص يؤطر مهنة ذات طبيعة دستورية وحساسية خاصة يثير تخوفات مشروعة بشأن استقلالية الدفاع كما كرسها الدستور والاجتهاد القضائي والمعايير الدولية، محذرة من أن ذلك قد يفضي إلى توترات داخل منظومة العدالة ويمس بحصانة الدفاع والمكانة الاعتبارية للمحامي.

وأكدت ضرورة ملاءمة مشروع القانون مع المقتضيات الدستورية، ولا سيما ما يتعلق باستقلالية الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة والدور المحوري للمحامي في حماية الحقوق والحريات، مع استحضار المعايير الدولية ذات الصلة، خاصة المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين.

وشددت في ختام موقفها على أن إصلاح مهنة المحاماة لا يمكن أن يتم بمنطق الاستعجال أو الإملاء، بل عبر نقاش هادئ وتشاركي قائم على التشاور الصادق والاحترام المتبادل، إيماناً بأن قوة العدالة من قوة مكوناتها، وأن صون مهنة المحاماة وتعزيز أدوارها يشكل ركيزة أساسية لترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

المغرب يتجه بقوة نحو القمح الروسي لتعزيز أمنه الغذائي

اقرأ المزيد