في أواخر عام 2025، أعادت واشنطن فتح الملف الليبي بعد سنوات من التجاهل، لكن دوافع هذا الانخراط لم تكن نابعة من شعور بالمسؤولية تجاه دولة مأزومة أو رغبة في إنقاذ مسار سياسي متعثر، بل من تبدل في أولوياتها الجيوسياسية.
عادت ليبيا فجأة إلى الوعي الأمريكي لا بوصفها أزمة يجب حلها، بل كـ”عقدة استراتيجية” في شبكة التوازنات الجديدة التي ترسمها واشنطن حول البحر المتوسط والساحل الإفريقي.
ففي البحر الأسود، تتقلص خيارات الطاقة الأوروبية تحت وطأة الحرب في أوكرانيا؛ وفي عمق الساحل، يتزايد التنافس بين الدولي على الموارد والممرات؛ أما في المتوسط، فالهجرة غير النظامية باتت تهدد استقرار العواصم الأوروبية سياسيا، ووسط هذا المشهد المتشابك، تبدو ليبيا أشبه بقطعة في لوحة أكبر، موقعها يهم الولايات المتحدة أكثر من مصيرها ذاته.
وفق هذا التصور يعيد تقرير المجلس الأطلسي الأخير رسم معالم “العودة الأمريكية” إلى ليبيا، لكنه لا يفعل ذلك من منظور إنساني أو سياسي بقدر ما يعيد تعريف ليبيا كـ”عقدة وظيفية” داخل منظومة أمن الطاقة والأمن الإقليمي الغربي، فالرسالة الضمنية للتقرير واضحة؛ “لا شيء شخصي. ليبيا ليست هدفا بحد ذاتها، بل أداة في معادلة أكبر”.
منطق التوقيت – متى تصبح ليبيا مهمة؟
يصف التقرير عودة الاهتمام الأمريكي بأنها “قرار صائب في توقيت حرج”، وهو توصيف يتسق مع أسلوب واشنطن في التعاطي مع الأزمات، من خلال التدخل حين تمس المصالح الحيوية، والانسحاب حين تتحمل الأطراف المحلية عبء الانهيار.

توقيت التقرير ليس اعتباطيا، فأزمة الطاقة الأوروبية بعد أوكرانيا، وتصاعد التمدد الروسي في الساحل، وتنامي القلق من موجات الهجرة، كلها عوامل جعلت من ليبيا فجأة ملفا أمنيا لا يمكن تجاهله، فلم يعد ينظر إليها كدولة ذات سيادة تحتاج إلى بناء مؤسساتها، بل كـ”فضاء جيوسياسي” يجب تأمينه لسلامة الضفة الشمالية من المتوسط.
النفط أولا، والسيادة لاحقا
يبرز التقرير أن عودة كبرى الشركات النفطية من “شل” و”شيفرون” إلى “إيني” و”توتال إنيرجيز” إلى السوق الليبية؛ تمثل أحد “التطورين المفصليين” في المشهد، لكن قراءة ما بين السطور تظهر أن واشنطن لا تعيد فتح الملف الليبي إلا بقدر ما تسمح لها مصالح الطاقة بذلك.
فالحديث عن “استثمار استراتيجي طويل الأمد” ليس أكثر من تسمية أنيقة لاستعادة النفوذ في قطاع النفط، الذي ظلت أنقرة وروما تتقاسمه عمليا طوال السنوات الماضية.
الولايات المتحدة لا تسعى إلى “استقرار ليبيا” بقدر ما تسعى إلى استقرار إمداداتها النفطية، وتحصين خطوط الطاقة الأوروبية ضد تقلبات الشرق الأوسط وروسيا، أما الشعب الليبي، فغائب بالكامل عن النص لا بصفته صاحب الموارد وشريك في القرار.
الأمن كمدخل للاستثمار
يتحدث التقرير عن “نافذة ضيقة لكنها حقيقية” أمام الولايات المتحدة لإعادة ضبط المسار الليبي، من خلال الجمع بين “انخراط أمني محسوب واستثمار استراتيجي طويل الأمد”، وهذه الصيغة التي تبدو متوازنة في ظاهرها؛ تخفي في جوهرها منطقا مألوفا في العقيدة الأمريكية، فالاستثمار يأتي فقط بعد تأمين الأرض أمنيا، والأمن لا يتحقق إلا عبر الشركاء الموثوقين، وأولئك القادرين على حماية المصالح الأمريكية، وليس بالضرورة تمثيل الإرادة الليبية.
بهذه الصورة يمكن أن نفهم معنى “إعادة إدماج ليبيا ضمن الترتيبات الأمنية الغربية”؛ عبر تمرين فلينتلوك وتوسيع التعاون مع أفريكوم، فالأمر لا يعني دمج ليبيا في نظام أمني وطني، بل ضمها إلى شبكة السيطرة الإقليمية التي تقودها واشنطن ضد روسيا والصين، وتحت غطاء مكافحة الإرهاب.
ليبيا كساحة صراع بالوكالة
يرى المجلس الأطلسي أن ليبيا تحولت إلى إحدى أكثر ساحات التنافس بالوكالة نشاطا في المتوسط، فتركيا في الغرب عبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لعام 2019، وروسيا في الشرق والجنوب عبر اتفاقات اقتصادية وأمنية.

واللافت أن التقرير يتعامل مع هذا الواقع كـ”معطى ثابت” لا كنتاج لتقاعس أمريكي سابق، فواشنطن التي انسحبت عمليا من المشهد الليبي منذ 2012، سمحت بتعدد مراكز القرار، ثم عادت اليوم لتتحدث عن “فراغ سياسي يجب ملؤه”.
لكن ملء الفراغ لا يعني دعما للسيادة الليبية، بل استبدال نفوذ بنفوذ، فالتقرير يحذر من “خطر ترك ليبيا لقوى منافسة”، وليس من استمرار الانقسام الداخلي أو انهيار المؤسسات، وعند هذه النقطة يتضح الفارق بين “المصالح الأمريكية” و”مصالح ليبيا”.
تحالف الضرورة – واشنطن وأنقرة وروما
يشير التقرير إلى ما يسميه “نموذج واشنطن المتوازن” الذي دفع تركيا وإيطاليا لتعديل سياساتهما تجاه ليبيا،
لكن هذا “التوازن” في جوهره توزيع أدوار:
- روما تضبط ملف الهجرة وتأمين الغاز نحو أوروبا.
- أنقرة تبقي نفوذها العسكري والاقتصادي في الغرب.
- واشنطن تشرف وتنسق وتؤطر النفوذين في بنية تخدم الاستراتيجية الأطلسية الأشمل.
حسب هذا النموذج تتحول ليبيا من ساحة فوضى إلى “غرفة عمليات مشتركة” لمصالح متقاطعة، دون أن يتاح لليبيين أنفسهم إعادة تعريف أولوياتهم الوطنية.
غياب البعد الليبي وحضور المصالح الغربية
لا يذكر التقرير شيئا عن العدالة الانتقالية، أو إعادة بناء الدولة، أو مصير الأموال المجمدة، أو معالجة الانقسامات المجتمعية العميقة.

ما يتم ذكره فقط هو ضرورة “توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية”، وهي صيغة تقنية محايدة، لكنها تخفي رؤية اقتصادية ليبرالية تهدف إلى تهيئة بيئة استثمار مستقرة للشركات الغربية، لا إلى إعادة توزيع الثروة داخليا.
إن اختزال ليبيا في معادلات النفط والأمن، دون النظر إلى طبيعة النظام السياسي أو العدالة الاجتماعية، يفرغ مفهوم “الاستقرار” من مضمونه الإنساني والسيادي، فهو في قاموس واشنطن يعني قابلية البلد للتعامل والاستثمار، دون أن يعني ذلك قدرة مؤسساته على خدمة مواطنيه.
من إدارة المخاطر إلى اغتنام الفرص
يلاحظ التقرير أن زيارة مستشار ترامب للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، إلى طرابلس وبنغازي مثلت نقلة في التفكير الأمريكي من “إدارة المخاطر” إلى “اغتنام الفرص”، وهذه اللغة بلاغية في ظاهرها واقتصادية في جوهرها، وتعكس انقلابا في مقاربة واشنطن للأزمات فلم تعد تسعى إلى “منع الانهيار”، بل إلى الاستثمار في هشاشة الدول إذا أمكن أن توفر عائدا سياسيا أو اقتصاديا.

عندما يتحدث التقرير عن مشاريع بقيمة 70 مليار دولار، وإعادة فتح السفارة الأمريكية في طرابلس، فإن ذلك يقرأ ضمن منطق النفوذ، ولا علاقة له بالدعم التنموي.
النموذج الأمريكي الجديد والأمن بوابة الاقتصاد
يقدم المجلس الأطلسي في ختام التقرير ما يسميه “نموذجا جديدا للتدخل الأمريكي”؛ يقوم على تمكين الاستثمارات الغربية عبر توفير الأمن، فواشنطن لا تعود إلى ليبيا لتعيد بناء الدولة، بل لتبني بيئة آمنة للقطاع الخاص الأمريكي.

إنها عودة إلى الواقعية الصرفة التي ميزت سياسات ما بعد العراق وأفغانستان، حيث التدخل منخفض الكلفة قائم على التحالفات المحلية والغطاء الدبلوماسي، ويحفظ المصالح دون أن يورط القوات الأمريكية ميدانيا، وليبيا مختبر لمعادلة جديدة في السياسة الأمريكية من خلال قوة ناعمة مدعومة بقوة صلبة غير مرئية، واستثمار اقتصادي مشروط بتعاون أمني متزايد.

بين السطور التقرير لا تظهر ليبيا كبلد له شعب وطموح وذاكرة، بل “نقطة وصل” بين المتوسط والساحل، والغاز الأوروبي والذهب الإفريقي، والولايات المتحدة، كما يقول التقرير، تمتلك “نافذة ضيقة لكنها حقيقية” لإعادة ضبط المسار الليبي، لكن ما يغيب هو سؤال أي مسار؟ ولصالح من؟

ما يراد ضبطه ليس مصير الدولة الليبية، بل إيقاع مصالح الآخرين فيها، وما يراد تحقيقه ليس استقرارا ليبيا بقدر ما هو استقرار للبحر المتوسط والاقتصاد الغربي.
يبدو أن “عودة أمريكا إلى ليبيا” ليست عودة إلى الليبيين، بل إلى ما يخدم مصالحها، فما تريده دولة بلا صوت، ترسم ملامحها في تقارير مراكز الأبحاث، لا في صناديق الاقتراع، وتقاس قيمتها بكم النفط الذي تضخه، لا بمدى قدرة أبنائها على تقرير مصيرهم.
تقرير المجلس الأطلسي ليس عن ليبيا، بل عن أمن الغرب في ليبيا، وحين تختزل الدولة في موقعها، وتنسى هويتها، يصبح السؤال الحقيقي هل لدى الليبيين ما يكفي من الإرادة لاستعادة “ملفهم” من أيدي من يرونه مجرد “فرصة جيوسياسية”؟
بقلم: مازن بلال
ليبيا.. تعيين لجنة استشارية لتيسير الحوار والإصلاحات قبيل الانتخابات
