10 يناير 2026

في خطوة تعيد ليبيا إلى مربع التأزيم السياسي، صوت المجلس الأعلى للدولة في طرابلس على اختيار صلاح الكميشي رئيساً جديداً للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، خلفاً لعماد السائح، في جلسة عقدت في الخامس من يناير 2026.

الإجراء من الناحية الشكلية ممارسة ديمقراطية داخل مؤسسة رسمية، فإن خلفياته وسياقه السياسي يكشفان عن محاولة ممنهجة لنسف المسار الانتخابي برمته، وتعميق الانقسام بين سلطات الشرق والغرب.

المجلس الأعلى للدولة، الذي أنشئ بموجب اتفاق الصخيرات (2015) كجسم استشاري لا تشريعي، تجاوز صلاحياته بوضوح حين أقدم على انتخاب قيادة جديدة للمفوضية، متجاهلاً نصوص الاتفاقات السياسية التي تمنح هذا الحق حصرياً لمجلس النواب، بعد التشاور غير الملزم مع المجلس الأعلى للدولة.
تحول المجلس الذي يفترض أن يكون شريكاً في التوافق إلى طرف منتج للأزمة، في ما يشبه “انقلاباً ناعماً” على المسار الدستوري.

عبث مؤسساتي بغطاء انتخابي

المفارقة أن رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة لم يخف الارتباك في إدارة هذه العملية، حيث اعترف بوجود “إشكاليات فنية” في اختيار أعضاء المفوضية، مشيراً إلى أن عدد المترشحين بلغ 120 عضواً، وأن هناك “خلطا ًوتداخلاً في الأوراق الانتخابية”، الأمر الذي يستدعي حسب تصريحاته إعادة الفرز في جلسة لاحقة.

لكن هذه “التبريرات الفنية” لا تخفي جوهر المشكلة، فالمجلس تجاوز صلاحياته، في خطوة وصفتها شخصيات قانونية وسياسية بأنها باطلة دستورياً”.

هذا الإجراء أثار جدلاً حيث ووصف الحقوقي أحمد حمزة ما حدث بأنه “عبث سياسي غير مقبول”، مؤكداً أن المجلس الأعلى “ليس جهة تشريعية ولا يملك أي اختصاص قانوني لانتخاب مؤسسات سيادية”، أما رئيس لجنة الحريات وحقوق الإنسان بنقابة المحامين، محمد العلاقي، فاعتبر أن انتخاب رئيس المفوضية من قبل المجلس “باطل لمخالفته الاتفاق السياسي الحاكم لأي اختيار للمناصب السيادية”.

خلفيات الصراع: المفوضية بين الشرعية والخوف

تأسست المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عام 2012، وتولى عماد السايح رئاستها في 2014، حيث لعب لاحقاً دوراً فنياً محورياً في إدارة العمليات الانتخابية والاستفتاءات، قبل أن يتحول إلى هدف مباشر للهجوم السياسي من قبل قوى داخل الغرب الليبي، خاصة بعد اتهامه لمجلس الدولة وحكومة الوفاق السابقة بعرقلة الاستفتاء على الدستور عام 2018.

الواقع أن محاولة الإطاحة بالسائح لا تتعلق بالكفاءة أو الأداء، بل بالتحكم في مفاصل العملية الانتخابية المقبلة، وذلك مع الحديث عن انتخابات ربما تجري في أبريل 2026، وذلك في حال تهيئة الظروف المناسبة لهذا الأمر، حيث تسعى أطراف سياسية في مقدمتها حكومة عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى محمد تكالة إلى إعادة ضبط قواعد اللعبة بما يضمن بقاءها في المشهد، حتى لو كلف ذلك تقويض المؤسسة الوحيدة التي تحظى بقدر من الثقة الداخلية والدولية.

ازدواجية قانونية وخطر الانقسام المؤسسي

المشهد اليوم مرشح لأسوأ السيناريوهات؛ فهناك هيئتان متنافستان للانتخابات في بلد منقسم أصلاً بين حكومتين وبرلمانين.

فمجلس النواب في طبرق أعلن نيته نهاية ديسمبر الماضي، بتعيين الشواغر الثلاثة في مجلس المفوضية، معتبراً أن ذلك إجراء “قانوني واستحقاقي”، في حين اعتبر مجلس الدولة الخطوة “أحادية ومخالفة لاتفاق بوزنيقة”.

ورد تكالة بخطوة مضادة عبر انتخاب رئيس جديد للمفوضية بالكامل، وبهذا التصعيد المتبادل، دخلت ليبيا عملياً مرحلة “الانفصال الانتخابي”، حيث لم تعد هناك جهة موحدة يمكنها تنظيم الانتخابات على المستوى الوطني.

فالشرق يعترف بمجلس المفوضية القائم بقيادة السائح، بينما الغرب يعترف بـ”المجلس الجديد” بقيادة الكميشي، والنتيجة انتخابات مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

الموقف البرلماني: لا شرعية لخطوات طرابلس

رئيس مجلس النواب عقيلة صالح كان صريحاً حين وصف تصرفات مجلس الدولة بأنها “محاولة مكشوفة لعرقلة الانتخابات”، مؤكداً أن “لا حاجة لتغيير رئيس المفوضية”، وأن “الهيئة القائمة أثبتت كفاءتها في إدارة الانتخابات البلدية”، فهذه الانتخابات التي تولتها المفوضية خلال السنوات القليلة الماضية، سارت بشكل طبيعي رغم بعض الانتقادات.

وأشار صالح إلى أن هذه المناورات تعيد إنتاج الأزمة وتنسف الاتفاقات السابقة، وعلى رأسها اتفاق بوزنيقة الذي وزع فيه منصب رئاسة المفوضية على إقليم الغرب مقابل مناصب أخرى للشرق والجنوب.

ويرى مجلس النواب أن دور مجلس الدولة يقتصر على “التشاور”، لا على اتخاذ قرار نهائي، وهو ما تؤكده المادة (15) من الاتفاق السياسي التي تنص على أن اختيار المناصب السيادية يتم بالتوافق بين المجلسين، لكن عبر تصويت البرلمان حصريا.

بين التسريع والعرقلة

تتضح ملامح الانقسام المؤسسي في ليبيا بجلاء من خلال التباين الحاد في نهج كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إزاء العملية الانتخابية، ففي الوقت الذي اتخذ فيه مجلس النواب خلال جلسته في ديسمبر سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تسريع الاستحقاق الانتخابي، من إقرار خطوات فنية وتشريعية داعمة لخريطة الطريق، بدا أن المجلس الأعلى للدولة يسير في الاتجاه المعاكس، عبر محاولات متكررة لإبطاء أو تعطيل المسار الانتخابي، سواء عبر مبادرات أحادية لتغيير قيادة المفوضية أو من خلال إثارة إشكالات شكلية تتعلق بالقوانين والاختصاصات.

ويعكس هذا السلوك، وفق مراقبين، رغبة واضحة لدى بعض أطراف المجلس الأعلى وحكومة الدبيبة في الحفاظ على الوضع القائم وتأجيل تجديد الشرعية السياسية، ما يجعل من الصراع بين المؤسستين أكثر من خلاف إجرائي، بل معركة حول من يملك حق إدارة الزمن السياسي الليبي المقبل.

القراءة الأممية: صبر يتآكل

بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا  (UNSMIL)التي اكتفت طيلة الأشهر الماضية بالتصريحات الدبلوماسية، بدأت تلمح إلى نفاد صبرهها، ففي إحاطتها أمام مجلس الأمن يوم 19 ديسمبر الماضي، قالت المبعوثة الأممية إنها ستطرح “آلية بديلة” إذا فشل المجلسان في التوصل إلى اتفاق بشأن خريطة الطريق السياسية.

مع استمرار هذا الصراع المؤسسي، يبدو أن “الآلية البديلة” باتت أقرب من أي وقت مضى، خاصة مع فقدان الثقة في قدرة المؤسسات الحالية على إدارة العملية الانتخابية، لكن السؤال المطروح هل تملك البعثة فعلاً أدوات ضغط حقيقية في ظل الانقسام الداخلي العميق والتباين في المواقف الدولية بين داعمي الشرق والغرب؟

تساؤلات حول صلاح الكميشي: رئيس في معركة النفوذ

صلاح الكميشي، الفائز برئاسة المفوضية الجديدة بـ63 صوتاً، شخصية إدارية معروفة داخل المفوضية، شغل سابقاً منصب مدير إدارة العمليات، لكنه يدخل اليوم معتركاً سياسياً لا إدارياً، فهو يرث مؤسسة منقسمة بين شرعيتين، وسط رفض البرلمان الاعتراف به، وتحذير خبراء من أن خطوته لن تعترف بها دولياً.

المتحدث السابق باسم مجلس الدولة، السنوسي إسماعيل، وصف انتخاب الكميشي بأنه “هدم ممنهج للمسار الانتخابي”، مؤكداً أن المفوضية لا تحتاج إلى “إعادة تشكيل شاملة بل إلى ملء الشواغر فقط”، وأن “أي تغيير جذري الآن يعني العودة إلى نقطة الصفر”.

بين تكالة والدبيبة: تحالف التعطيل

الواضح أن محمد تكالة لا يتحرك بمعزل عن رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، فكلاهما يدرك أن الانتخابات الحرة ستنهي وجودهما السياسي، لذلك يشكلان معا جبهة لتعطيل أي مسار يقود إلى تجديد الشرعية.

تكالة يشرعن التعطيل بقرارات شكلية داخل مجلس الدولة، والدبيبة يغذيه عبر التحكم في التمويل والبيروقراطية الحكومية، فيما تظل المفوضية ضحية الصراع، وهذا التحالف غير المعلن يبقي الغرب الليبي في حالة شلل سياسي.

في خلفية المشهد، يزداد الغضب الشعبي، فبعد سنوات من المماطلة، يدرك الليبيون أن الانتخابات لن تجرى في أبريل 2026 كما وعدوا، وخرجت احتجاجات متفرقة في طرابلس ومصراتة مطالبة بإنهاء “المرحلة الانتقالية الدائمة”، وهددت مجموعات شبابية بمنع تصدير النفط إذا استمرت الطبقة السياسية في تجاهل مطلب الانتخابات.

لكن هذا الغضب، رغم صداه، لا يزال بلا قيادة موحدة، ما يتيح للنخب السياسية المناورة مجدداً.

ليبيا أمام لحظة الحقيقة

إن انتخاب صلاح الكميشي ليس مجرد حدث إداري، بل مؤشر على عمق الانسداد السياسي الليبي، فالصراع لم يعد يدور حول “من يدير المفوضية”، بل حول من يملك القرار في الدولة.

وإذا استمر هذا النهج التصعيدي فإن ليبيا ستدخل مرحلة “الازدواج الكامل” في المؤسسات، حيث لكل طرف برلمانه وحكومته وهيئته الانتخابية، ما يعني عملياً نهاية أي إمكانية لانتخابات وطنية في المدى المنظور.

بات واضحاً أن الانتخابات الليبية ليست مؤجلة تقنياً، بل مجمدة سياسياً، بفعل إرادات تتقن فن البقاء على حساب الإرادة الشعبية.

وعبرت البعثة الأممية عن قلقها مما حدث، ودعت إلى وقف الإجراءات الأحادية، محذرة من تعميق الانقسام المؤسسي، ويرى خبراء أن الخلاف يعكس صراعاً سياسياً على شرعية العملية الانتخابية، وقد يجعل أي انتخابات مقبلة عرضة للطعن ما لم يُحسم التوافق على القوانين الانتخابية أولاً.

ولعل السؤال الذي يطرح اليوم ليس متى ستجرى الانتخابات، بل هل ستظل هناك دولة واحدة قادرة أصلاً على تنظيمها؟ وما جرى في طرابلس في الخامس من يناير لم يكن انتخاباً لرئيس مفوضية، بل تصويتاً على استمرار الانقسام.

بقلم نضال الخضري

انسحابات جماعية تهز كأس ليبيا وتفقد البطولة بريقها

اقرأ المزيد