31 مارس 2026

في لحظة تبدو فيها ليبيا على مفترق طرق سياسي وأمني، تتقاطع ثلاثة تقارير صادرة عن جهات مختلفة، أممية وأمنية ودولية، لتشكل صورة مقلقة، وإن لم تكن متطابقة تماماً، حول مستقبل التهديد الإرهابي في البلاد.

فبينما تتحدث بعض هذه التقارير عن “خطر متجدد”، يذهب بعضها الآخر إلى توصيف أدق بصورة تهديد كامن، ومنخفض الظهور، لكنه قابل لإعادة التشكل في أي لحظة.

ما يضفي على هذه الصورة مزيداً من التعقيد، ليس فقط ما تقوله التقارير، بل كيف يُعاد توظيفها داخل السجال الليبي الداخلي، خصوصاً مع تكرار ورود أسماء مثل عبد الحميد الدبيبة والصادق الغرياني في سياقات ترتبط، مباشرة أو ضمناً، ببيئة التطرف أو الحواضن غير المباشرة له.

جنوب مفتوح وشبكات مرنة: تحوّل في طبيعة التهديد

أول ما تكشفه هذه التقارير هو أن التنظيمات المتشددة في ليبيا لم تعد تعمل وفق النموذج التقليدي الذي عرفته البلاد خلال ذروة سيطرة تنظيم “داعش” على سرت، اليوم نحن أمام نمط مختلف من شبكات صغيرة ومرنة وعابرة للحدود؛ تعتمد على الجغرافيا الصحراوية والاقتصاد غير الرسمي.

يتحول الجنوب الليبي، وتحديداً إقليم فزان، تدريجياً إلى عقدة ربط بين ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي، حيث لا تسعى التنظيمات إلى “إقامة إمارة”، بل تثبيت حضور لوجستي من خلال طرق تهريب والمخابئ وشبكات تمويل ومسارات عبور.

يعكس هذا التحول براغماتية واضحة لدى هذه التنظيمات، فبدل المواجهة المباشرة مع الدولة التي أثبتت كلفتها العالية، تفضل العمل في الظل، مستفيدة من الحدود الرخوة، وتداخل المسارات بين الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.

اقتصاد الإرهاب: من السلاح إلى البشر والعملات المشفرة

تكشف التقارير، لا سيما تلك المرتبطة بتفكيك خلايا في الجنوب، عن بنية تنظيمية متكاملة من تجنيد ونقل وتمويل وغسل أموال، فلم يعد الإرهاب في ليبيا مجرد مجموعات مسلحة متناثرة، بل شبكة اقتصادية معقدة.

يمثل التحالف مع شبكات تهريب البشر نقطة تحول مركزية، فهذه الشبكات توفر أكثر من مجرد مسارات آمنة للتنقل، فتمنح غطاء بشرياً يمكن الاختباء داخله.

المهاجرون غير النظاميين، يتحولون قسراً أو دون علم إلى جزء من منظومة أكبر تُستخدم لنقل الأفراد والسلاح والأموال، والأخطر دخول أدوات مالية حديثة، مثل العملات المشفرة، في عمليات التمويل.

هذا التطور يعقد جهود التتبع والمراقبة، ويمنح هذه الشبكات قدرة أكبر على العمل خارج النظام المالي التقليدي.

الدولة الغائبة: الفراغ كحاضنة مستدامة

لا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن السياق السياسي الليبي من انقسام بين شرق البلاد وغربها، وتعثر المسار الانتخابي، وغياب سلطة مركزية موحدة، فهذه العوامل تخلق بيئة مثالية لنمو هذه الشبكات.

تدير حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، غرب البلاد في ظل توازنات هشة مع الميليشيات، وأنتجت سياسات تعزز هذا الانقسام الذي تجاوز السياسة وامتد إلى المؤسسة الأمنية، ما يحدّ من قدرة الدولة على تنفيذ استراتيجية موحدة لمكافحة الإرهاب.

في مثل هذه البيئة، يصبح الإرهاب جانباً لأزمة أعمق تطال الدولة، فكلما ضعفت المؤسسات، اتسعت الهوامش التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة.

الغرياني و”بيئة الشورى” بين الاتهام والسياق

ما يثير الانتباه في الخطاب المتداول هو تكرار الربط بين الصادق الغرياني وبعض التشكيلات التي تُعرف بـ”مجالس الشورى” التي سبق أن نشطت في بنغازي ودرنة.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذا الربط لا يستند بالضرورة إلى أدلة تنظيمية مباشرة، إنما يقوم على قراءة سياسية لسياق أوسع يتناول الخطاب الديني المتشدد، والمواقف السابقة التي اعتبرت متساهلة مع بعض المقاتلين، إضافة لبيئة اجتماعية احتضنت في مراحل معينة تشكيلات مسلحة ذات خلفية أيديولوجية.

تُستخدم اليوم تصريحات سابقة للغرياني، مثل مطالبته بالإفراج عن سجناء متهمين بالانتماء إلى “داعش” في عام 2019، كقرينة سياسية، لا كدليل قضائي، فيتداخل السياسي بالديني، ويصبح التقييم جزءاً من معركة السرديات داخل ليبيا.

المفارقة الأميركية: تراجع نسبي وخطر مستمر

يقدم التقرير الأميركي زاوية مختلفة، فيتحدث عن تراجع في القدرة العملياتية للتنظيمات مقارنة بالسنوات السابقة، فلا توجد سيطرة جغرافية، ولا هجمات كبرى في فترة معينة، لكن هذا لا يعني زوال التهديد.

كما يشير التقرير إلى أن هذه التنظيمات ما زالت تحتفظ بقدرات كامنة، وأن البيئة الليبية، بما فيها من انقسام وضعف مؤسساتي، تتيح لها إعادة التنظيم متى توفرت الظروف.

هذه المفارقة عبرت عن تراجع ظاهري واستمرار في العمق، يجعل المشهد الليبي معقداً، فغياب الهجمات لا يعني غياب الخطر، بل ربما يعكس مرحلة إعادة تموضع.

المسارات البحرية والصحراوية: ليبيا كعقدة إقليمية

أحد أخطر ما تكشفه التقارير هو تحول ليبيا إلى نقطة وصل بين مسارات متعددة؛ من العراق وسوريا عبر البحر، ومن دول الساحل عبر الصحراء.

هذا الموقع الجغرافي، الذي كان تاريخياً مصدر قوة، يتحول اليوم إلى تحد أمني، فليبيا ليست فقط ساحة داخلية، بل جزء من شبكة إقليمية أوسع، تمتد من غرب إفريقيا إلى الشرق الأوسط.

وفق هذه الصورة لا يمكن معالجة التهديد بمعزل عن التعاون الإقليمي والدولي، فالشبكات التي تنشط في فزان لا تتوقف عند الحدود الليبية، بل تتغذى من ديناميات إقليمية معقدة.

تهديد يتغير شكله لا جوهره

إذا كان من استنتاج يمكن الخروج به من هذه التقارير مجتمعة، فهو أن ليبيا لا تواجه عودة “كلاسيكية” للإرهاب، بل تحوّلاً في طبيعته.

لم يعد الهدف السيطرة على المدن، بل بناء شبكات مرنة، وتحول التمويل من مصادر تقليدية إلى اقتصاد الجريمة، وتجاوز التهديد إطاره المحلي وأصبح عابراً للحدود.

في هذا المشهد، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل عاد الإرهاب؟ بل هل تملك الدولة الليبية الأدوات لمواجهة نسخة أكثر تعقيداً منه؟

الخطر الحقيقي ليس فقط في وجود الإرهاب، بل في غياب توافق وطني على تعريفه، ومواجهته، وفصل السياسي عن الأمني، والديني عن المسلح.

بقلم نضال الخضري

مساعي في ليبيا لاعتماد ميزانية موحدة رغم الانقسامات الإدارية

اقرأ المزيد