تكشف المعطيات المتراكمة حول الوجود العسكري الأوكراني في غرب ليبيا أن البلاد تقترب من مرحلة أشد خطورة، وعنوانها انتقال الصراع بين موسكو وكييف إلى المجال الليبي البحري والأمني.
القضية لم تعد محصورة في تقارير عن خبراء أو قواعد أو تنسيق ميداني، بل باتت مرتبطة مباشرة بهجوم على ناقلة روسية ما تزال تنجرف في البحر، بما يضع ليبيا أمام كلفة مضاعفة عبر التورط في صراع دولي لا يخدم استقرارها، وكلفة بيئية واقتصادية تدفعها سواحلها وموانئها وقطاعها النفطي.

ماذا نعرف فعلا؟
المعطى الأهم الذي فجر القضية جاء من تحقيق إذاعة فرنسا الدولية الذي جرى تداوله على نطاق واسع، وتحدث عن أكثر من 200 ضابط وخبير عسكري أوكراني ينتشرون غرب ليبيا في ثلاثة مواقع رئيسية: أكاديمية القوات الجوية في مصراتة، ومنشأة قرب الزاوية/مليتة مجهزة لإطلاق المسيرات الجوية والبحرية، ومقر اللواء 111 في طرابلس باعتباره نقطة تنسيق مع التشكيلات العسكرية التابعة لحكومة الوحدة.
جاءت بعدها وكالة أسوشيتد برس لتضيف مستوى جديد من الخطورة، فنقلت عن مسؤولين ليبيين أن الضربة التي أصابت الناقلة الروسية انطلقت من منشأة عسكرية في طرابلس، وأن هذه القوة الأوكرانية تعمل في إطار ترتيب سري مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، ومن جانبها لم تصدر طرابلس توضيحا رسميا، كما أن كييف لم تقدم إقرارا علنيا بهذه الرواية.

من “الدعم التقني” إلى التورط العملياتي
الفارق بين وجود خبراء للتدريب وبين استخدام الأراضي الليبية منصة لشن عمليات ضد هدف روسي في البحر المتوسط هائل سياديا وسياسيا، فإذا صح أن الأراضي الليبية استخدمت لإطلاق مسيرة بحرية أو لتنسيق هجوم على ناقلة روسية، فنحن أمام إدخال ليبيا فعليا في حرب بين روسيا وأوكرانيا.
تتبدل هنا وظيفة الغرب الليبي من فضاء نزاع داخلي منقسم، إلى منصة متقدمة في صراع أوسع على الطاقة والممرات البحرية والعقوبات والردع غير المتماثل؛ ما يجعل الهجوم على “أركتيك ميتاغاز” أخطر من مجرد حادث بحري؛ لأنه يفتح سؤالا عن حدود السلطة التي تملكها حكومة الدبيبة، منتهية الصلاحية، في إبرام تفاهمات أمنية ذات أثر إقليمي يتجاوز الدولة الليبية نفسها.

لماذا يسمح الدبيبة بذلك؟
ليس من الصعب تخيل دوافع حكومة الدبيبة، حتى من دون انتظار اعتراف رسمي، فأول هذه الدوافع البحث عن تفوق تقني سريع في بيئة ليبية عادت فيها المسيرات إلى الواجهة بقوة، والانفتاح على الخبرة الأوكرانية جزءا من سعي حكومة الدبيبة إلى امتلاك أدوات ردع سريعة ومرنة، خصوصا في مجال الطائرات المسيرة والقدرات البحرية غير المأهولة التي أصبحت عنصرا حاسما في الحروب الحديثة.
ومن هذه الزاوية، لا تنظر طرابلس إلى كييف بوصفها مصدرا للتدريب والتقنية فقط، بل أيضا بوصفها شريكا يمكن الاستفادة من خبرته المتراكمة في إدارة حرب منخفضة الكلفة وعالية التأثير، بما يمنح الحكومة هامشا أكبر في إعادة ترتيب موازين القوة داخل نطاق سيطرتها.
الدافع الثاني تثبيت شرعية خارجية موازية للشرعية الداخلية المتآكلة، فحكومة الدبيبة، التي تواجه انتقادات حادة بسبب إطالة المرحلة الانتقالية، تدرك أن البقاء في السلطة داخل ليبيا لا يصنعه التوازن المحلي وحده، بل أيضا شبكة الرضى الإقليمي والدولي.
عند هذه النقطة يصبح التعاون مع طرف مثل أوكرانيا، في ظل معرفة أو مباركة أطراف غربية كما لمح بعض المحللين الذين استندت إليهم أسوشيتد برس، وسيلة لإعادة تموضع الحكومة داخل المزاج الغربي الأوسع الساعي إلى كبح النفوذ الروسي في شمال إفريقيا، حيث رأت حكومة طرابلس في هذا الانفتاح ورقة تفاوض وحماية سياسية في آن واحد.
أما الدافع الثالث فهو المقايضة بين الأمن والاقتصاد، فالتقارير المتداولة تحدثت عن ترتيبات تشمل التدريب على تشغيل المسيرات، وربما آفاقا تتصل بتوريد سلاح أو استثمارات أو حضور في قطاع الطاقة، وعندما يصبح مجمع مليتة، أحد أهم مفاصل الطاقة في غرب ليبيا، قريبا من مواقع يقال إن أوكرانيين يتحركون فيها، فإن الربط بين الأمن والطاقة لا يعود افتراضا بعيدا، بل جزءا من بنية التفاهم نفسها.
المشكلة هنا أن أي سلطة ليبية تظن أنها تستثمر التنافس الدولي لتحسين موقعها، هي في الواقع تفتح الباب أمام تسييس النفط الليبي وربطه بمحاور الحرب الأوروبية.

لكن لماذا يعد هذا خيارا يضر بليبيا نفسها؟
كلفة المغامرة التي تقوم بها حكومة الدبيبة لا تدفعها كييف بل ليبيا، فالناقلة الروسية المتضررة بقيت تنجرف قبالة الساحل الليبي، ومحاولات السيطرة عليها فشلت بعد انقطاع حبل الجر وارتفاع الأمواج، ما أبقى خطر التلوث البحري قائما.
الضرر الفعلي يقع على ليبيا لأن أي هجوم من هذا النوع لا يترك أثره في البحر المفتوح فقط، بل يضع الموانئ والسواحل والمنشآت النفطية الليبية في دائرة الخطر المباشر، وعندما تتحول المياه القريبة من الساحل الليبي إلى مسرح لعمليات عسكرية مرتبطة بصراعات خارجية، فإن الكلفة لا تبقى سياسية أو أمنية فحسب، بل تمتد إلى البيئة البحرية وحركة الملاحة وسمعة البلاد كمجال حيوي لإنتاج الطاقة وتصديرها.
الضرر لا يقف عند البيئة، فروسيا كثفت، وفق تقارير منشورة، اتصالاتها بمسؤولين عسكريين وسياسيين في غرب ليبيا خلال الأيام الأخيرة؛ من رئيس الأركان إلى وكيل وزارة الدفاع ومسؤولين سياسيين آخرين، وهذا مؤشر على أن موسكو لا تتعامل مع القضية كحادث منعزل، بل كتحول في موازين النفوذ داخل الغرب الليبي.
حكومة الدبيبة، حتى لو كانت تسعى إلى تحسين أوراقها، تجد نفسها فتحت باب اشتباك دبلوماسي وأمني مع قوة تملك حضورا مؤثرا على المستوى الدولي وفي ملفات إقليمية شديدة الحساسية.

هل المقصود أيضا إفشال مسار التوحيد العسكري؟
التوقيت يفتح مساحة إضافية، فمدينة سرت تستعد لاستضافة جزء من مناورات “فلينتلوك 2026” بمشاركة عناصر من الشرق والغرب، في خطوة تقدم على أنها دعم لمسار توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية، كما أن “أفريكوم” سبق أن تحدثت صراحة عن أن أنشطتها قرب سرت تأتي في سياق تعزيز إعادة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية.
في هذا المناخ، يصبح أي إدخال لقوة أجنبية جديدة، تعمل في الظل وبأجندة مرتبطة بصراع دولي، عاملا معطلا لهذا المسار لا مسهلا له؛ ليس لأن التوحيد أنجز فعلا، بل لأن الثقة الهشة أصلا بين الشرق والغرب لا تحتمل رسائل من هذا النوع.
تبدو فرضية إفشال جهود التوحيد العسكري أكثر من مجرد خطاب سياسي، فحين يرى الشرق أن الغرب يفتح أراضيه لخبراء أو قوات أوكرانية، بينما تتهم تقارير أخرى الشرق بتعزيز ترسانته بالمسيرات أيضا، فإن البلد يعود إلى منطق “توازن الرعب الخارجي” بدل “التسوية الداخلية”، وليبيا، بهذه الصيغة، لا تتوحد؛ بل يعاد توزيعها بين رعاة متعددين، كل منهم يمسك بورقة محلية ويستثمرها في صراع أكبر.

اللعب على التناقضات قد ينقلب على الجميع
المعضلة الأساسية ليست فقط في صحة كل تفصيل ورد في التحقيقات الفرنسية، بل في الاتجاه العام الذي تكشفه، فليبيا تدفع مرة أخرى إلى قلب هندسة النفوذ الخارجي، لكن بأدوات أكثر خطورة من السابق؛ مسيرات بحرية، ومنشآت طاقة، وممرات بحرية، وتفاهمات أمنية معتمة.
وإذا كان الدبيبة سمح فعلا بحضور عسكري أوكراني أملاً في تحسين الردع أو تثبيت موقعه السياسي، فإن الثمن أفدح بكثير من المكسب الذي يتجلى في تدويل إضافي للأزمة، وتعريض الساحل الليبي لخطر بيئي، وتفخيخ أي محاولة جادة لتوحيد المؤسسة العسكرية.
ليبيا لا تحتاج اليوم إلى استيراد حرب أخرى فوق حروبها، ولا إلى أن تصبح ساحة تعويض عن تضييق الخيارات أمام أوكرانيا في البحر الأسود، بل لتحييد أراضيها ومياهها عن صراعات الآخرين، وإخضاع أي ترتيبات أمنية أو عسكرية لرقابة وطنية ومساءلة علنية، وما عدا ذلك هو مقامرة ببلد أنهكته الحروب، ولم يعد يحتمل أن يستخدم منصة مفتوحة لتصفية حسابات الغير.
بقلم مازن بلال
أسراب الجراد تهدد المحاصيل في جنوب ليبيا
