منذ اغتيال سيف الإسلام القذافي في الزنتان يوم 3 فبراير 2026، لا تبدو المشكلة في نقص الوقائع الأولية إنما في العجز عن تحويلها إلى عدالة معلنة.
مكتب النائب العام الليبي أعلن منذ الأيام الأولى مباشرة المعاينات الجنائية وانتداب خبراء الطب الشرعي والأسلحة والبصمات والسموم، ثم عاد في 5 و6 مارس ليؤكد أنه حدّد هوية ثلاثة متهمين وأصدر أوامر بضبطهم وإحضارهم بعد تتبع تحركاتهم والمركبات التي استعملوها ومسار وصولهم إلى مكان الجريمة.

ومع ذلك، ظل الرأي العام، ولا سيما داخل الأوساط المؤيدة لسيف الإسلام، أمام فراغ ثقيل، فلا أسماء أُعلنت، ولا موقوفون قُدِّموا، ولا رواية قضائية مكتملة تكشف من أطلق النار ومن سهّل ومن أمر.
هذا التناقض بين توفر معطيات معتبرة واستمرار التأخر في الحسم يجعل القضية تتجاوز حدود جريمة اغتيال عادية، فالواقعة تمس شخصية بقيت، رغم تراجع حضورها العلني، رقماً سياسياً ورمزياً في ليبيا ما بعد 2011.
سيف الإسلام لم يكن مجرد ابن لحاكم سابق؛ بل كان، حتى اغتياله، عنواناً لتيار سياسي وقبلي ظل يراهن على عودته إلى المجال العام منذ ترشحه للانتخابات الرئاسية المؤجلة عام 2021، قبل أن يفضي اغتياله إلى فتح صراع جديد على الإرث والتمثيل داخل ما يُعرف بـ”تيار سبتمبر”.
معطيات كثيرة… لكن الحقيقة الرسمية ما زالت مبتورة
المعطيات المتداولة حول الجريمة ليست قليلة، فإلى جانب البيان الرسمي الذي تحدث عن التعرف إلى المشتبهين وتحديد وسائل انتقالهم، تداولت تقارير إعلامية ليبية وعربية تفاصيل أشد حساسية، فالتقرير الجنائي الأولي يفيد بإصابة سيف الإسلام بـ19 رصاصة من سلاح كلاشنيكوف، إحداها اخترقت الرأس فوق الحاجب الأيسر؛ وحديث عن انسحاب غير مبرر للحراسات المكلفة بالموقع قبل نحو 90 دقيقة من تنفيذ العملية؛ وإشارات إلى أن كاميرات المراقبة كانت تعمل وتنقل البث إلى هاتف شخص مقرب كان خارج الزنتان ساعة الاغتيال؛ فضلاً عن ضبط هاتفه الشخصي وما قيل عن استخدام رقم صربي مرتبط بتطبيق “واتساب”.

هذه التفاصيل، سواء ثبتت لاحقاً كاملة أو خضعت للتدقيق القضائي، ترسم اتجاهاً واحداً بأن العملية لم تكن عملاً عشوائياً نفذه مجهولون مرّوا مصادفة، بل اغتيالاً استلزم معرفة دقيقة بالمكان، والحراسة، والتوقيت، ومسار الخروج، وهنا يبدأ السؤال الحقيقي، فإذا كانت خيوط التنفيذ ظهرت بهذه السرعة، فلماذا تأخر البتّ؟
المشكلة لم تعد في “من أطلق النار” فقط
في الجرائم السياسية، يتأخر الحسم حين يقترب التحقيق من الدائرة التي هيأت الجريمة لا من الحلقة التي نفذتها فقط، والواضح من الوقائع المتاحة أن المعضلة ليست حصرية في هوية المسلحين، بل في ثلاث حلقات أوسع:
حلقة الاختراق الأمني.
الحديث عن انسحاب الحراسة قبل وقت قصير من الاغتيال، إن ثبت قضائياً، يعني أن الجريمة لم تقع رغم المنظومة الأمنية، بل ربما عبر ثغرة فُتحت داخلها أو بتواطؤ منها، وعند هذه النقطة يصبح السؤال أخطر من اسم القاتل المباشر، فمن أصدر أمر سحب الحماية؟ ومن كان يملك سلطة القرار على القوة المكلفة بالموقع؟ ولماذا لم تُعلن نتائج مساءلة إدارية وأمنية موازية للتحقيق الجنائي؟ هذا الصمت لا يبطئ الملف فقط، بل يضرب صدقية مؤسسات الدولة نفسها.
حلقة البيئة المحلية المعقدة في الزنتان.
سيف الإسلام عاش سنوات طويلة في الزنتان تحت ترتيبات حماية شديدة الحساسية، بعضها قبلي وبعضها مسلح وبعضها سياسي غير معلن، وبعد اغتياله، انفجرت اتهامات متبادلة بين مقربين من معسكره وبين جهات محلية، وبرز اسم “كتيبة أبو بكر الصديق” في سجال داخلي حول مسؤولية الحماية والتفريط.

كما تصاعدت مطالبات من روابط قبلية ومجتمعية بالتواصل مع شيوخ الزنتان وطلب موقف واضح منهم، وهذا كله يعني أن التحقيق لا يتحرك في فراغ قانوني، بل داخل حقل ألغام من الاعتبارات القبلية والمحلية التي تجعل إعلان الأسماء أو تنفيذ التوقيفات خطوة ذات كلفة أمنية وسياسية.
حلقة المستفيد السياسي من غياب سيف الإسلام.
اغتيال شخصية بحجم سيف الإسلام لا يُقرأ فقط من زاوية الثأر أو الخلاف المحلي، بل من التوازنات الوطنية أيضاً، فالرجل، رغم انقسام الليبيين حوله، ظل يمثل جسراً محتملاً بين الحنين إلى الدولة المركزية القديمة وبين مسارات تسوية تبحث عن كتلة اجتماعية منظمة في الجنوب والوسط وبعض الغرب الليبي.

البحث في “من نفّذ” لا ينفصل عن سؤال “من استفاد”، وهنا عادة تتباطأ التحقيقات في الدول الهشة، لأن الاقتراب من المستفيدين الكبار يهدد بتفجير اشتباكات تتجاوز الملف نفسه.
بطء العدالة في ليبيا ليس استثناءً…
الانتقادات التي وُجِّهت للسلطات الليبية لا تنبع فقط من حساسية اسم الضحية، بل نتيجة نمط متكرر في التعاطي مع الاغتيالات والملفات الثقيلة؛ إعلان أولي وبعدها صمت طويل، ثم اتساع دائرة الشكوك.
لم تكن ردود فعل أنصار سيف الإسلام مجرد انفعال عاطفي؛ بل تعبيراً عن فقدان الثقة في قدرة المؤسسات على الذهاب إلى نهاية الطريق، وبيانات عائلة القذافي، وتحركات روابط قبيلة القذاذفة، ومواقف تجمعات من الجبل الغربي وفزان، كلها التقت عند فكرة واحدة بأن الصمت لم يعد قابلاً للتبرير.

بعض المواقف ذهب أبعد، داعياً إلى ضغط قبلي وسياسي على مكتب النائب العام ووزارة الداخلية، بل وإلى مطالبة قبائل الزنتان بإعلان موقفها وكشف ما لديها من معلومات.
الأخطر في هذا الضغط أنه يكشف فراغ الدولة أكثر مما يسرّع عملها، فعندما تصبح القبائل والجماعات الاجتماعية مطالبة بسدّ نقص الشفافية القضائية، تنتقل القضية من مسار العدالة إلى مسار موازين القوى، وهذا ما يفسر جانباً من التأخر، فالسلطات تعرف أن أي خطوة ناقصة تشعل نزاعاً موضعياً، لكنها في المقابل تدفع ثمناً أعلى مع كل يوم يمر من دون كشف كامل.
لماذا لم يُكشف عن الأسماء بعد؟
بالنظر إلى تعقيدات المشهد الليبي، يبرز ثلاث احتمالات رئيسية وراء هذا التأخر عن كشف أسماء المشتبه بهم في الاغتيال، إما أن السلطات تعرف المنفذين ولا تملك القدرة التنفيذية على اعتقالهم بسبب حمايات محلية أو مسلحة، أو أنها تملك أسماء أولية لكنها لم تستكمل بعد سلسلة الأدلة التي تربط المنفذ بالآمر والمموّل، ولذلك تتحاشى إعلاناً ينهار لاحقاً أمام القضاء.
الاحتمال الثالث أن هناك قراراً سياسياً ضمنياً بتبريد الملف مؤقتاً خشية أن يفتح على صدامات أوسع داخل غرب ليبيا أو بين مكونات قبلية نافذة.
التأخر لم يعد إجراءً فنياً بل صار موقفاً سياسياً بحد ذاته، فحين تُعلِن النيابة تحديد ثلاثة متهمين، ثم لا تشرح للرأي العام لماذا تعذر القبض عليهم أو لماذا حُجبت أسماؤهم أو ما هي العقبات الإجرائية والأمنية، فإنها تترك المجال مفتوحاً لكل الروايات البديلة، من فرضية التستر، إلى فرضية التواطؤ، إلى فرضية المساومة.

التصريح بامتلاك أسماء المشتبه بهم دون إجراءات عملية يفتح نافذة لطمس الأدلة وتفكيك مسار التحقيق، فكل تأخير غير مبرر في هذا المستوى الحساس يمنح الأطراف المتورطة وقتاً لإعادة ترتيب رواياتها أو إخفاء آثارها.
هذا السلوك يضع رئيس مكتب النائب العام، الصديق الصور، أمام تفسيرين: إما قصور مهني في إدارة ملف بهذا الحجم، أو تورط غير مباشر عبر التغطية أو التراخي، وكلا الاحتمالين يضربان جوهر الثقة المفترضة في المؤسسة القضائية.
ما الذي يكشفه هذا الملف عن ليبيا اليوم؟
يكشف ملف اغنيال سيف الإسلام أن الدولة الليبية ما زالت أضعف من أن تحتكر الحقيقة في القضايا الكبرى، فهي قادرة على جمع جزء من الأدلة، لكنها عاجزة على تحويلها إلى حسم قضائي وسياسي متماسك.
عملياً فإن هذا الملف يوضح أيضاً أن ملف المصالحة الوطنية، الذي كان سيف الإسلام أحد رموزه المحتملين بالنسبة إلى أنصاره، تلقى ضربة قاسية؛ ليس فقط بسبب الاغتيال نفسه، بل لأن العجز عن كشف كامل الملابسات يبدد ما تبقى من الثقة في إمكان قيام عدالة متساوية على الجميع.
لا يبدو أن تأخر البت في مقتل سيف الإسلام القذافي سببه غياب المعطيات، بل على العكس، فإن وفرة المعطيات هي ما يقود التحقيق إلى مناطق محرجة؛ إلى الحماية التي رُفعت، وإلى الشبكة التي سهّلت، وإلى البيئة التي تحتضن أو تخفي، وربما إلى الجهة التي استفادت سياسياً من غيابه، ولهذا يتأخر الحسم لأن العدالة، في ليبيا اليوم، لا تتعطل فقط عندما تجهل، بل لأنها تعرف أكثر مما ينبغي.
بقلم: نضال الخضري
حكم قضائي يعيد أزمة رئاسة المجلس الأعلى للدولة في ليبيا إلى الواجهة
