03 فبراير 2026

لم تولد كونفدرالية دول الساحل الإفريقي من طموح وحدوي تقليدي، ولم تكن ثمرة مسار اندماج اقتصادي تراكمي مثل التجارب الإقليمية الكلاسيكية، بل تشكلت في لحظة انكسار تاريخي حاد، بوصفها استجابة لأزمات متداخلة ضربت بنية الدولة في منطقة الساحل.

تزامنت الانقلابات العسكرية مع انهيار أمني واسع، وتآكل الشرعية السياسية، وانسحاب متدرج للقوى الغربية، بالتوازي مع تفكك منظومات التعاون الإقليمي التي كانت تؤطر العلاقة بين دول المنطقة، فلم يعد خيار الانعزال الوطني ممكنا، ولا العودة إلى الأطر السابقة متاحة، ما دفع مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى البحث عن صيغة جماعية جديدة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.

من هذا التداخل المعقد، خرج إعلان الكونفدرالية في يوليو 2024 كتعبير عن ضرورة وجودية أكثر منه مشروعا مثاليا للتكامل، فالكيان الجديد لم يبن على وعود الازدهار السريع أو الاندماج السلس، بل على إدراك عميق بأن التهديدات الأمنية العابرة للحدود، والعزلة السياسية المتزايدة، والضغوط الاقتصادية الخانقة، تفرض إطارا جماعيا للبقاء.

مثلت كونفدرالية دول الساحل محاولة لإعادة تعريف الدولة والسيادة والأمن في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة، في رهان مفتوح على النجاح، لكنه محفوف باحتمالات الفشل بقدر ما هو مشبع بإرادة الصمود.

من تحالف أمني إلى كونفدرالية سياسية

بدأت التجربة في سبتمبر 2023، عندما أعلنت الدول الثلاث عن تحالف دفاعي مشترك تحت مسمى “تحالف دول الساحل”، عقب التهديدات الصريحة التي أطلقتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) بالتدخل العسكري في النيجر لإعادة الحكم المدني بعد انقلاب 2023، غير أن هذا التحالف سرعان ما تطور، في ظل تصاعد القطيعة مع إيكواس وفرنسا، إلى مشروع كونفدرالي أوسع أعلن عنه رسميا في نيامي في 6 يوليو 2024.

هذا التحول لم يكن شكليا؛ إذ عكست الكونفدرالية الجديدة انتقالا من منطق التنسيق الأمني الظرفي إلى منطق الاندماج السياسي والاقتصادي والمؤسسي، عبر إعلان أهداف طموحة تشمل إنشاء بنك تنمية مشترك، والسعي نحو اتحاد نقدي، وتوحيد وثائق السفر، وضمان حرية تنقل الأشخاص والبضائع، إلى جانب تحالف عسكري قائم على مبدأ “الاعتداء على دولة هو اعتداء على الجميع”.

السياق الحاكم: انهيار الثقة مع الغرب والمنظومات الإقليمية

لا يمكن فهم كونفدرالية الساحل خارج سياق الانقلابات العسكرية التي عرفتها مالي (2020)، بوركينا فاسو (2021)، والنيجر (2023)، وما تلاها من تدهور حاد في العلاقات مع فرنسا، القوة العسكرية الأكثر حضورا في المنطقة منذ تدخلها في مالي عام 2012، فانسحاب القوات الفرنسية، ووقف الدعم العسكري الغربي، ترافقا مع عقوبات اقتصادية قاسية فرضتها إيكواس، واعتبرتها الأنظمة الجديدة “غير إنسانية وغير قانونية”.

هذا المناخ دفع الدول الثلاث إلى تبني خطاب سيادي صدامي، يقوم على رفض “الوصاية الغربية” وتسييس ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، مقابل البحث عن شركاء بديلين، مثل روسيا والصين وتركيا وإيران والهند، فلم تكن الكونفدرالية مجرد مشروع تكامل إقليمي، بل إعلان اصطفاف جيوسياسي جديد داخل غرب إفريقيا.

العقبة الأمنية: الإرهاب كتهديد وجودي

تمثل الفوضى الأمنية التحدي الأخطر أمام الكونفدرالية، فالدول الثلاث تواجه تمددا متواصلا لتنظيمي “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بالقاعدة، و”داعش في غرب إفريقيا”، اللذان ينشطان في مساحات شاسعة، خاصة في منطقة الحدود الثلاثية، ورغم العمليات العسكرية المشتركة ودخول “القوة الموحدة للكونفدرالية” حيز النشاط، إلا أن المؤشرات الميدانية لا تزال مقلقة.

يزيد من تعقيد المشهد اعتماد هذه الدول على صيغ دعم عسكري غير تقليدية، تقوم على الاستعانة بفاعلين أمنيين خارج الأطر الكلاسيكية، حيث أظهرت تجارب سابقة في بيئات نزاع مشابهة محدودية هذا النمط في تحقيق حسم مستدام ضد الجماعات الجهادية، فضلا عن ارتفاع كلفته الإنسانية وما يرافقه من اتهامات بانتهاكات جسيمة، الأمر الذي يهدد بتغذية دوامة العنف بدل احتوائها.

المعضلة الاقتصادية: فقر بنيوي وعزلة متزايدة

اقتصاديا، تنطلق الكونفدرالية من قاعدة شديدة الهشاشة، فالدول الثلاث تصنف ضمن الأفقر عالميا، وتحتل مراتب متأخرة في مؤشرات البنية التحتية، ويعيش جزء كبير من سكانها تحت خط الفقر، كما أنها دول حبيسة، لا تمتلك منافذ بحرية، وكانت تعتمد بشكل حيوي على موانئ دول إيكواس، خصوصا ميناء أبيدجان في ساحل العاج وميناء كوتونو في بنين.

الانسحاب من إيكواس – أو تعليق العضوية – يعني فقدان الامتيازات التجارية، وتعقيد عمليات التصدير، وارتفاع كلفة النقل، فضلا عن خسارة سوق إقليمية قائمة، أما الحديث عن اتحاد نقدي جديد أو التخلي عن فرنك غرب إفريقيا، فيطرح تحديات تقنية ومالية ضخمة تستغرق عقودا، في ظل ضعف الموارد وغياب مؤسسات مالية قادرة على إدارة هذا التحول.

الضغوط الداخلية: الشرعية المؤجلة

إلى جانب التحديات الخارجية، تواجه الكونفدرالية ضغطا داخليا متناميا، فاستمرار الحكم العسكري، وتأجيل الانتقال المدني، وتقييد الحريات، كلها عوامل تضعف القبول الشعبي طويل الأمد بالمشروع الكونفدرالي، ويظل السؤال معلقا، فهل ستلتزم الأنظمة العسكرية بتسليم السلطة لاحقا؟ أم أن الكونفدرالية ستتحول إلى مظلة إقليمية لتكريس الحكم العسكري؟

التجارب الإفريقية السابقة تشير إلى أن الاتحادات التي تقوم على أنظمة انتقالية غير مستقرة غالبا ما تتفكك عند أول اختبار سياسي داخلي.

لماذا تستمر الكونفدرالية رغم كل شيء؟

رغم هذه العقبات الجسيمة، لا تزال كونفدرالية الساحل قائمة، ويعود ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها المصير الأمني المشترك؛ فالدول الثلاث تدرك أن انهيار إحداها سيجر الأخرى إلى الفوضى، والثاني الخطاب المناهض للغرب، الذي يمنح الأنظمة العسكرية رصيدا شعبيا، وأخيرا غياب البدائل؛ حيث لا تملك هذه الدول ترف العودة إلى إيكواس بالشروط السابقة، ولا القدرة على مواجهة الإرهاب منفردة.

عمليا فإن مستقبل الكونفدرالية يظل مفتوحا على سيناريوهين متناقضين، الأول متفائل يفترض نجاحها في بناء حد أدنى من الاستقرار الأمني، وإطلاق مشاريع تنموية حقيقية، وربما استقطاب دول أخرى تعاني من اضطرابات مشابهة، ما يعيد رسم خريطة التحالفات في غرب إفريقيا.

أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار الاستنزاف الأمني، وتعثر المشاريع الاقتصادية، وتصاعد الضغوط الداخلية، ما يحول الكونفدرالية إلى إطار سياسي رمزي أكثر منه تكتلا فاعلا.

كونفدرالية دول الساحل ليست مشروعا أيديولوجيا ولا نموذجا جاهزا للتكامل، بل تجربة قاسية ومرهونة بشروط معقدة، نجاحها أو فشلها لن يقاس ببيانات القمم، بل بقدرتها على كسر الحلقة الجهنمية التي تربط بين الفقر، وانعدام الأمن، وضعف الدولة.

بقلم مازن بلال

الإخوان في أوروبا.. من الاحتضان الهادئ إلى المواجهة المفتوحة

اقرأ المزيد