يعيش الاقتصاد الليبي منذ أكثر من عقد مفارقة بين الوفرة المالية وغياب المؤسسات، فيما ظل قطاع الاتصالات خارج دائرة الاهتمام رغم ثقله الاقتصادي، لكن المشهد انقلب حين كشف رئيس الشركة القابضة، يوسف أبوزويدة، برسالة إلى ديوان المحاسبة عن فساد ممنهج واستنزاف للمال العام.
المفارقة أن من حاول دق ناقوس الإصلاح كان هو أول من أبعد عن قطاع الاتصالات، فقرار رئيس حكومة الوحدة المنتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة بعزل أبوزويدة، بدا كعقوبة سياسية على محاولة المساس بشبكة مصالح متجذرة في أحد أكثر القطاعات السيادية ربحاً وتأثيراً في ليبيا.

تحول ما بدأ كمراسلة رقابية إلى أزمة تكشف عن التداخل العميق بين السلطة والمال، وتعيد إلى الواجهة سؤالا ًيدخل في بنية الاقتصاد، فهل يمكن في ليبيا أن يكافأ من يحارب الفساد، أم أن قدره الإقصاء؟
مراسلة فجرت الأزمة”.. لحظة الحقيقة
بدأت القصة حين بعث أبوزويدة، في سبتمبر 2025، رسالة مفصلة إلى ديوان المحاسبة شرح فيها ما وصفه بـ”الانهيار المالي والإداري” داخل الشركة القابضة وشركاتها التابعة، وتسرب مضمون الرسالة للإعلام، وأظهر محتواها أرقاماً دقيقة وأسماء شركات وعقود محددة، منها عقود حصرية لشركة “ليبيا سيل”، التي كانت تستقطع بين 10 و15% من صافي إيرادات شركات كبرى مثل ليبيانا والمدار الجديد والجيل الجديد، ما أدى إلى خسائر قاربت 430 مليون دينار ليبي خلال ثلاث سنوات فقط.
أبوزويدة أوضح في مراسلته أن هذه السياسة الاحتكارية أرهقت الشركات وأضعفت أرباحها، ودفعته إلى إلغاء العقود الحصرية وفتح المنافسة، وهو ما وفر نحو 438 مليون دينار سنوياً.
لكن هذه الخطوة فسرت كتمرد على النظام القائم داخل قطاع تسيطر عليه شبكات نفوذ متداخلة بين السياسي والعائلي والمالي.
الفساد البنيوي.. اللجان بوابة للنهب
أبرز ما ورد في المراسلة، أن عدد اللجان الداخلية بلغ 87 لجنة، بعضها بلا مهام واضحة، تتقاضى مكافآت مالية عالية دون إنتاجية تذكر، كما تم تسجيل عشرات العقود مع موظفين ومستشارين لم يلتزموا بالحضور أو تقديم أي خدمات فعلية، وذلك في مشهد يعكس كيف تحولت الإدارة إلى بنية تراتبية متضخمة توزع الريع تحت غطاء “المهام الفنية”.
وكشفت الوثيقة أيضاً عن تحويلات مالية مشبوهة إلى الخارج، منها مبلغ 17 مليون يورو جرى تحويله من حساب شركة ليبيانا إلى شركة إيطالية تابعة للقابضة تدعى بوزفول، ثم استخدم لاحقاً في شراء أسهم في شركة أسلحة ألمانية، وهو نشاط لا يمت بصلة لقطاع الاتصالات، ما جعل الملف ينتقل من نطاق الفساد الإداري إلى شبهة تبييض أموال دولي.
بين النفط والاتصالات: شركات خاصة تستحوذ على الخدمات
من النقاط الأخطر في تقرير أبوزويدة، ما يتعلق بخدمات الاتصالات المخصصة للحقول والموانئ النفطية، وهي سوق حيوية ذات طابع استراتيجي، حيث أوضح أن هذه الخدمات كانت من اختصاص شركة الجيل الجديد (تابعة للقابضة)، قبل أن تسحب منها وتمنح إلى شركة خاصة تدعى روافد ليبيا بقرارات غير مبررة، لتصبح المزود الحصري بأسعار تفوق الأسعار الرسمية بسبعة أضعاف.
الأخطر أن هذه الشركة وفق الوثيقة كانت تتقاضى أثمان خدماتها بالنقد الأجنبي دون موافقات رسمية من البنك المركزي أو الجهات الرقابية، ما يعني أن جزءاً من موارد الدولة كان يحول فعلياً إلى الخارج عبر قنوات تجارية خاصة تحت مظلة “مشاريع التحول الرقمي”.
أبوزويدة حاول وقف هذه الاتفاقيات وإعادتها إلى الشركات الوطنية بالتنسيق مع المؤسسة الوطنية للنفط، لكن تلك الخطوات كانت نهاية لموقعه الإداري.
الفساد لا يقتصر على القابضة
ما كشفه أبوزويدة لم يكن سوى طبقة واحدة من المشهد الأوسع، حيث سبقت مراسلته سلسلة من التحقيقات القضائية طالت مسؤولين كبارا في القطاع:
- في نوفمبر 2025، حبست النيابة العامة مدير عام القابضة ومديرها المالي بتهمة صرف أموال من حسابات مصرفية دون صلاحية قانونية أو مستندات.

- تم حبس رئيس سابق لشركة ليبيا للاتصالات والتقنية (LTT) بتهمة إنفاق 20 مليون دينار دون سند.
- أما في قضية ليبيانا، فتم فتح تحقيقات موسعة حول تحويلات الـ17 مليون يورو المذكورة، باعتبارها تجاوزاً لاختصاصات الشركة وشبهة استغلال وظيفي.
هذه الوقائع، التي طالت مستويات مختلفة من الإدارة، تؤكد أن الفساد في الاتصالات ليس حادثاً عرضياً، بل منظومة ممتدة ومتجذرة في البنية القانونية والمالية للشركات.
السلطة والمال: حين يصبح القطاع خزينة سياسية
تتقاطع كل المؤشرات عند حقيقة واحدة هي أن قطاع الاتصالات يشكل الخزينة المالية الموازية للحكومة الليبية، فبعيداً عن قطاع النفط الذي يخضع نسبياً لرقابة دولية ومؤسسية، فإن شركات الاتصالات ذات الطابع التجاري والاستقلال المالي النسبي، تعمل ضمن هامش واسع من الغموض، ما يجعلها بيئة مثالية لتمويل شبكات النفوذ.

وبحسب مصادر متعددة، فإن السيطرة على الشركة القابضة تمثل مفتاح السيطرة على مليارات الدنانير من الإيرادات السنوية التي لا تمر عبر الموازنة العامة، ومن هذه الزاوية فإن إقالة أبوزويدة لم تكن سوى حلقة في صراع نفوذ بين إبراهيم الدبيبة (أحد أبناء عمومة رئيس الحكومة) ومحمد الدبيبة (نجله)، حول من يملك القرار داخل القابضة، وهو ما يفسر الطابع الحاد الذي اكتسبه القرار الإداري الأخير، وهذا يسلّط الضوء مجدداً على استخدام المناصب والمؤسسات في ليبيا كأدوات لتصفية الحسابات الشخصية وتعزيز النفوذ العائلي، بدلاً من حماية المال العام وإصلاح القطاعات الحيوية.
نموذج للفساد السياسي–المالي
تكشف أزمة أبوزويدة عن ثلاثة أنماط متداخلة من الفساد في ليبيا:
- الفساد البنيوي حيث تستخدم البيروقراطية، عبر اللجان والمكافآت والبدلات، لتوزيع الامتيازات ضمن شبكات الولاء.
- الفساد المالي المتمثل في العقود الحصرية، والتوريدات المبالغ فيها، والتحويلات الخارجية غير المبررة.
- الفساد السياسي من خلال استخدام المناصب لإعادة توزيع النفوذ بين العائلة الحاكمة والمقربين، في غياب أي مساءلة أو حوكمة حقيقية.
لا تختلف قضية الاتصالات كثيراً عن غيرها من الملفات الليبية؛ فهي انعكاس لاقتصاد الريع السياسي، حيث تدار المؤسسات الكبرى كمصادر تمويل، لا كأدوات تنمية.
رسائل أعمق: حين يعاقب الإصلاح
تؤشر هذه الأزمة إلى مفارقة قاتمة في المشهد الليبي؛ فكل من يحاول كسر دائرة الفساد يجد نفسه خارج المنظومة، وأبوزويدة، الذي رفع خطاباً رسمياً لجهة رقابية عليا، وجد نفسه يعفى من مهامه خلال أيام.
هذا الحدث في رمزيته يبعث برسالة مزدوجة، فمحاربة الفساد في ليبيا ليست ممكنة من داخل المؤسسات نفسها، وأن الإصلاح، حين لا يحظى بغطاء سياسي، يتحول إلى انتحار إداري، فإقالة مسؤول حاول التعاون مع ديوان المحاسبة تعني أن الدولة ترسل إشارة واضحة إلى كل من يفكر في كشف الفساد، بأن “الثمن جاهز”.

ويبدو الحديث عن ملايين الدنانير المهدورة شأناً إدارياً بحتاً، لكن انعكاساته تمس حياة الليبيين مباشرة، فبينما تضخ الأموال في مشاريع رقمية بلا جدوى، تظل شبكات الإنترنت بطيئة، والتغطية الهاتفية متقطعة، وأسعار الخدمات مرتفعة مقارنة بدخل المواطن.
كما أن غياب الشفافية جعل ليبيا، رغم إنفاقها مئات الملايين على ما يسمى “التحول الرقمي”، من أكثر الدول تأخراً في خدمات الجيل الخامس والاتصالات الحديثة، وهذا الأمر نتيجة لتحول القطاع من مشروع وطني إلى رأسمال زبائني، لا هدف له سوى إعادة إنتاج الولاءات السياسية.
ما بعد الإقالة: مفترق طرق
يقف قطاع الاتصالات الليبي اليوم أمام مفترق حاسم، فإما أن تستكمل التحقيقات الرقابية وتفتح ملفات العقود والاستثمارات الخارجية بشفافية، أو يطوى الملف كما طويت عشرات القضايا قبله، لترسخ القاعدة الذهبية للفساد في ليبيا؛ فمن يكشف الفساد يعاقب، ومن ينهب يرقى.

أما ديوان المحاسبة والنيابة العامة، فهما أمام اختبار وجودي، فهل يستطيعان فرض المساءلة على شبكة تمتد إلى رأس السلطة التنفيذية، أم سيختزل دورهما في إصدار بيانات دون أثر؟
ما حدث في قطاع الاتصالات الليبي ليس حادثة معزولة، بل صورة مصغرة للأزمة البنيوية التي تعيشها الدولة، فحين يصبح المنصب أداة للتوريث السياسي، والمؤسسة وسيلة لشراء الولاء، يفقد الاقتصاد الوطني الثقة التي تشكل عماده الأساسي.
إقالة يوسف أبوزويدة ليست نهاية قصة رجل، بل مرآة لبلد يواجه صراعاً بين من يريد بناء الدولة، ومن يريد تملكها.
وفي بلد مثقل بالانقسامات، يبدو أن الحقيقة أصبحت ترفاً لا يسمح به إلا إذا كان يخدم شبكة النفوذ لا يهددها.
بقلم: نضال الخضري
ليبيا تبحث تسوية أوضاع جالية بنغلاديش

