جاء الإعلان متصلا بلائحة اتهام مرتبطة بالهجوم على البعثة الدبلوماسية الأمريكية في بنغازي عام 2012، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل السفير الأميركي، كريس ستيفنز، وثلاثة أمريكيين آخرين، وما زالت تداعياته السياسية والأمنية والقضائية تتردد حتى اليوم، بعد أكثر من عقد على وقوعه.
الخبر ليس جديدا على مستوى المبدأ؛ فالولايات المتحدة دأبت، منذ أكثر من عقد، على ملاحقة المتورطين في ذلك الهجوم، ونجحت سابقا في جلب أحمد أبوختالة ومصطفى الإمام إلى محاكمها، لكنها اليوم تقوم بهذا الأمر عبر طريقة وتوقيت مختلفين، إضافة للهوية المركبة للمتهم، وما تطرحه القضية من أسئلة تتجاوز الشخص إلى بنية السلطة والسيادة في ليبيا.

هجوم لم يغلق ملفه أبدا
لم يكن هجوم 11 سبتمبر 2012 حدثا أمنيا عابرا، حيث تحول إلى رمز للفوضى الليبية ما بعد 2011، وإلى مادة صراع داخلي أمريكي طال سنوات، خصوصا خلال التحقيقات المتعددة في الكونغرس وما رافقها من توظيف سياسي ضد وزيرة الخارجية آنذاك “هيلاري كلينتون”.
ورغم صدور أحكام قاسية بحق متهمين سابقين، ظل هذا الملف مفتوحا على الدوام، ليس لأن العدالة الأمريكية تنتهج مبدأ الملاحقة الممتدة عبر الزمن، بل لأن الواقع الليبي، المنهك بانقسام السلطة وتفكك المؤسسات، لم يوفر يوما إطارا قضائيا وطنيا قادرا على التعاطي مع قضايا ذات طابع دولي بهذا التعقيد، فغياب قضاء مستقل وفاعل، وهيمنة الاعتبارات الأمنية والسياسية، حولا ملف بنغازي من قضية جنائية قابلة للمعالجة محليا، إلى عبء سيادي تدار فصوله من خارج الحدود، وتحسم مساراته في محاكم أجنبية.

الزبير الباكوش: هوية مزدوجة أم سرديتان متصادمتان؟
ما يثير الأسئلة في قضية الزبير الباكوش ليس فقط اسمه الذي يظهر فجأة بعد ثلاثة عشر عاما، بل الصورة العامة التي رافقته داخل ليبيا، فوفق بيانات حقوقية موثقة، كان أحد قادة الكشافة في الحركة العامة للكشافة والمرشدات، أي في فضاء تربوي-مدني يفترض أنه بعيد عن العنف المسلح.
في 16 نوفمبر 2025، أعلنت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا توثيق واقعة اختطاف وإخفاء قسري تعرض لها الباكوش في طرابلس، واعتبرت ما جرى انتهاكا جسيما للقانون الليبي والدولي، لم تعلن آنذاك أي جهة رسمية مسؤوليتها عن توقيفه، ولم تقدم مذكرة اتهام علنية بحقه.
بعد أقل من ثلاثة أشهر، يظهر الاسم ذاته في واشنطن، مقرونا بلائحة اتهام من ثماني تهم تشمل القتل، والحرق العمد، وتقديم دعم مادي للإرهاب، والانتماء إلى جماعة أنصار الشريعة، وهنا تتصادم سرديتان:
- سردية حقوقية ليبية تتحدث عن إخفاء قسري بلا مسوغ قانوني معلن.
- سردية قضائية أميركية تقدم الرجل بوصفه أحد الفاعلين الرئيسيين في هجوم إرهابي دولي.
وما بين هاتين الروايتين، تتكشف فجوة عميقة لا تتعلق فقط بتوصيف الرجل أو أفعاله، بل بطبيعة السلطة التي تملك حق السرد، واحتكار الحقيقة، وتحديد أين تبدأ العدالة وأين تنتهي، ومن يدفع ثمن غيابها في دولة مأزومة كليبيا.

طرابلس: ساحة مفتوحة أم شريك صامت؟
القضية لا تتوقف عند الباكوش كشخص، بل تمتد إلى السؤال الأخطر، فكيف خرج من طرابلس؟ وهناك احتمالان وكلاهما بالغ الخطورة:
- أن تكون أجهزة أمريكية نفذت عملية اعتقال ونقل مباشرة داخل العاصمة الليبية، ما يعني عمليا أن طرابلس باتت ساحة مفتوحة لعمليات أمنية أجنبية، خارج أي إطار سيادي.
- أو أن تكون حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، سلمته سرا أو علنا إلى الولايات المتحدة، كما فعلت سابقا مع أبو عجيلة مسعود المريمي في قضية لوكربي.
في الحالتين، تغيب الشفافية، ويغيب القضاء الليبي، ويهمش الرأي العام، لا بيان رسمي يشرح الأساس القانوني، ولا مسار قضائي محلي، ولا حتى اعتراف صريح بعملية تسليم، هذا الصمت هو بحد ذاته إدانة سياسية.

العدالة الأمريكية وحدودها
من منظور واشنطن، تبدو الصورة واضحة فهناك جريمة إرهابية، وضحايا أمريكيون، وملاحقة تمتد عبر الزمن والحدود، وخطاب وزيرة العدل، ومدير الـFBI، يركز على مبدأ ثابت “لن ننسى، ولن نسامح، وسنلاحق الجناة مهما طال الزمن”.
غير أن هذا الخطاب، على وجاهته من زاوية المصالح الأمريكية، يتجاهل سؤالا جوهريا، فهل تتحقق العدالة فعلا عندما تبنى على انتهاك سيادة دولة أخرى، أو على مسار إخفاء قسري؟
العدالة الجنائية الدولية لا تقاس فقط بإدانة المتهمين، بل أيضا بسلامة الإجراءات، وإذا ثبت أن الباكوش اختطف دون أمر قضائي، ثم نقل خارج البلاد، فإن ذلك يفتح باب الطعن الأخلاقي على الأقل.

نمط متكرر لا حادثة معزولة
قضية الباكوش ليست استثناء، حيث سبقتها محاولة اختطاف فاشلة للضابط علي رمضان الرياني، وانتهت بمقتله، وسبقتها عملية تسليم أبو عجيلة المريمي، وهو سبعيني، إلى واشنطن، والنمط واحد:
- متهم ليبي.
- قضية ذات بعد دولي.
- غياب مسار قضائي وطني.
- تسليم مباشر أو قسري.
هذا النمط يعكس اختلالا بنيويا في الدولة الليبية، حيث تتحول العدالة إلى ملف تفاوض سياسي، لا إلى مؤسسة سيادية مستقلة.

ما الذي يحاكم فعلا؟
ظاهريا، يحاكم الزبير الباكوش في واشنطن بتهم الإرهاب، لكن في العمق، هناك واقع أوسع تحاكم فيه سيادة ليبيا الهشة، ويختبر استعداد حكومتها للانحناء أمام الضغوط الدولية، ويطرح سؤال أخلاقي عن الفارق بين ملاحقة الإرهاب، وممارسة القوة خارج القانون.
ربما تدين المحكمة الأمريكية الباكوش، أو تبرئه جزئيا أو كليا، لكن الحكم الأهم صدر بالفعل فليبيا ما زالت عاجزة عن امتلاك ملفها السيادي، وعن محاسبة مواطنيها داخل منظومة قضائية وطنية تحظى بالثقة، وفي ظل هذا العجز، ستبقى العدالة تستورد من الخارج، مهما كان ثمنها السياسي والحقوقي.
بقلم مازن بلال
الذكرى الرابعة عشرة لرحيل القذافي: مطالب بالقصاص وكشف الغموض حول الظروف والدفن
