في مشهد أثار صدمة داخلية وغضباً دولياً، ظهر رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة وهو يستقبل رسمياً، في مكتبه بطرابلس، شخصية مدرجة على قوائم العقوبات الأممية؛ محمد الأمين كشلاف، الملقب بـ”القصب”.
اللقاء مع أحد أبرز مهربي الوقود والبشر في الساحل الغربي، وقائد ميليشيا “شهداء النصر” المسيطرة على مصفاة الزاوية الحيوية، جرى ضمن وفد من مسؤولي بلدية الزاوية، ولم يكن مجرد خطأ بروتوكولي عابر، بل حلقة جديدة في سلسلة من التحالفات الرمادية بين السلطة والميليشيا، تكشف عن بنية الحكم الفعلية في غرب ليبيا، حيث لا تدار السياسة فقط من القاعات الحكومية، بل من موازين القوة الميدانية وشبكات التهريب والنفوذ المحلي.

من هو “القصب”؟ زعيم تهريب يملك مفاتيح الزاوية
محمد كشلاف، أو “القصب”، ليس اسماً هامشياً في خريطة التهريب الليبية، فهو يقود ميليشيا مسلحة تسيطر على أهم منشأة نفطية في غرب البلاد، مصفاة الزاوية، التي تعد شرياناً رئيسياً لتزويد السوق المحلي بالوقود، لكنها أيضاً مصدر ثراء غير مشروع لعصابات تهريب الوقود والمهاجرين عبر الساحل نحو أوروبا.
كشلاف مدرج منذ عام2018 على قائمة العقوبات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وذلك بعد توثيق تورطه في عمليات اتجار بالبشر واستغلال المهاجرين وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ووثقت تقارير أممية ومحلية إدارته مراكز احتجاز غير قانونية، شهدت ممارسات من الضرب والابتزاز والبيع القسري للمهاجرين، لا سيما النساء من دول إفريقيا جنوب الصحراء والمغرب.
الأخطر أن الرجل رغم كونه مطلوباً للعدالة ظل يتحرك بحرية داخل الزاوية، ويشارك في وساطات وتسويات أمنية محلية، ما يعكس عجز الدولة عن فرض سلطتها على الفصائل المسلحة التي تحولت إلى شركاء فعليين في إدارة المناطق.
الدبيبة واللقاء المشبوه: ضرورات نفوذ أم تواطؤ مقنع؟
استقبال رئيس حكومة رسمية شخصاً مصنفاً على لوائح العقوبات الأممية يعني أمرين: إما غياب دولة القانون، أو إرادة سياسية في تجاوزها، وفي حالة الدبيبة، يبدو أن كليهما حاضر، حيث أكدت مصادر ميدانية أن الزاوية الواقعة على بعد نحو 50 كلم غرب طرابلس تمثل منطقة نفوذ متنازع عليها بين تشكيلات مسلحة متداخلة المصالح، وأن الحكومة فشلت، حتى اليوم، في إخضاعها للسلطة المركزية رغم محاولات متكررة.
آخر هذه المحاولات كان في منتصف العام الماضي، حين أطلق قائد المنطقة الغربية ونائب رئيس الأركان، صلاح الدين النمروش، عملية أمنية “لمكافحة المهربين” استخدمت فيها الطائرات المسيرة، وانتهت كما بدأت بلا نتائج تذكر.

منذ هذه الحملة تراجع نفوذ طرابلس الفعلي داخل المدينة، في مقابل تصاعد سلطة قادة المجموعات المسلحة، وفي مقدمتهم “القصب”، وضمن هذه الأحداث يصبح لقاء الدبيبة بالمهرب الدولي أكثر من مجرد فضيحة؛ فهو رسالة سياسية مزدوجة، داخلية مفادها أن الحكومة ما زالت “تحكم الزاوية” من خلال أبنائها الأقوياء، وخارجية تشير إلى أن البراغماتية الميدانية تسبق الالتزام بالقانون الدولي.

ردود فعل غاضبة: “إهانة للشرعية الدولية”
لم تتأخر ردود الفعل على هذا اللقاء، فوصفت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا الاجتماع بأنه “انتهاك جسيم لقرارات مجلس الأمن”، مطالبة الحكومة بـ”الوفاء بالتزاماتها القانونية وتسليم كشلاف للعدالة”، وجاء في بيان المؤسسة أن “استقبال شخصية مدرجة على قوائم العقوبات يمثل إخلالاً فاضحاً بسيادة القانون ويعزز ثقافة الإفلات من العقاب”.

وذهبت أبعد من ذلك حين قالت إن اللقاء دليل على علاقة واضحة بين الحكومة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وهو تصريح غير مسبوق في حدته من جهة رسمية محلية.
من جانبها، اعتبرت مصادر أممية أن استقبال الدبيبة لكشلاف يشكل “خرقاً فاضحاً لقرار مجلس الأمن لعام 2018″، محذرة من أن مثل هذه الخطوات “تمنح الميليشيات غطاءً سياسياً للاستمرار في نشاطها”.
أما الناشط الحقوقي طارق لملوم، فكتب في منشور على “فيسبوك” أن “من يصافح رئيس الحكومة اليوم هو نفسه الذي توثق ضده جرائم تهريب البشر واحتجاز المهاجرين”، وتساءل بحدة: “هل تحققت الحكومة من أسباب العقوبات المفروضة عليه؟ أم أن الولاء الميداني بات أكثر قيمة من القانون؟”.
سلسلة من اللقاءات المشبوهة: سياسة ممنهجة لا صدفة عابرة
اللقاء مع “القصب” ليس سابقة في سجل حكومة الوحدة المنهية الولاية، ففي عام 2022، ظهر الدبيبة خلال زيارته للزاوية محاطا بشخصية أخرى مثيرة للجدل هي محمد سالم بحرون، الملقب بـ”الفأر”، والمتهم بدعم تنظيم داعش في 2017.
وفي السنة التالية، ظهر قائد الأركان التابع لحكومته، الفريق محمد الحداد، في فعالية رسمية إلى جانب عبد الرحمن ميلاد “البيدجا”، أحد أبرز المتهمين في قضايا الاتجار بالبشر وإغراق المهاجرين في البحر المتوسط، والمدرج أيضاً على قائمة العقوبات الأممية.
وفي عام 2024 ظهر وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية، وليد اللافي، جالساً بجوار ناصر الجلالي، القيادي السابق في مجلس شورى ثوار بنغازي، في مدرجات ملعب أثناء مباراة كرة قدم كبرى في طرابلس، ما أثار تساؤلات سياسية وإعلامية حول طبيعة العلاقة بين مسؤول حكومي وشخصية مثيرة للجدل في سياق سياسي وأمني حساس في ليبيا.
هذه الوقائع مجتمعة تكشف عن نمط ثابت من التعامل مع قادة المجموعات المسلحة بوصفهم “شركاء نفوذ” لا “مطلوبين للعدالة”، في معادلة تضع الاستقرار الأمني المؤقت فوق العدالة، وتستبدل سلطة الدولة بشبكة من الولاءات المصلحية.
حين تتحول الدولة إلى رهينة
لا يمكن فهم هذا السلوك بمعزل عن هشاشة البنية السلطوية في غرب ليبيا، فعبد الحميد الدبيبة، الذي يقود حكومة منتهية الولاية تواجه ضغوطاً داخلية ودولية، يعتمد بشكل أساسي على تحالفات مرنة مع المجموعات المسلحة لضمان بقائه في السلطة.
وفي بيئة منقسمة تصبح الميليشيات هي الضامن الفعلي لأي سلطة تنفيذية، واحتواء شخص مثل “القصب” ليس انحرافاً فردياً، بل تجل لبنية الحكم الليبي نفسها، حيث تتقاطع السياسة بالاقتصاد غير المشروع، والقانون بالصفقات الأمنية.
يدرك الدبيبة أن فقدان السيطرة على الزاوية يعني فقدان السيطرة على بوابة تهريب الوقود والمهاجرين نحو أوروبا، وهي منطقة تملك وزناً ميدانياً يفوق نفوذ بعض الوزارات مجتمعة.
لذلك، يمكن قراءة اللقاء كـ”صفقة غير معلنة لدعم سياسي مقابل تهدئة أمنية حتى ولو كان ذلك على حساب القانون الدولي وسمعة الدولة الليبية.
ليبيا في مرمى الشبهات مجدداً
الفضيحة لم تبق داخل الحدود، فالتقارير الحقوقية التي صدرت خلال الساعات التالية للقاء أعادت تسليط الضوء على علاقة طرابلس بشبكات التهريب، في وقت تحاول فيه الحكومة الليبية تحسين صورتها أمام أوروبا لتجديد اتفاقات التعاون في ملف الهجرة.

وبالنسبة للمجتمع الدولي، تمثل هذه الحادثة اختباراً صارخاً لمدى جدية الحكومة في محاربة الاتجار بالبشر، لا سيما بعد الوعود المتكررة التي قدمها الدبيبة لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في الأشهر الماضية.
وأوضح مصدر أممي بأن “استقبال شخصية مدرجة على لائحة العقوبات لا يمكن تبريره إلا باعتقالها وتسليمها للعدالة”، معتبراً أن الحكومة “باتت تتصرف وكأنها فوق القانون”، ومثل هذا التوصيف يعيد ليبيا إلى دائرة الشك الدولي، ويضعف موقع طرابلس في أي مفاوضات مقبلة حول رفع التجميد عن الأصول أو إعادة الإعمار، وهي ملفات ترتبط بشكل مباشر بمدى التزام السلطات بالحوكمة والنزاهة.
فضيحة سياسية تكشف عمق المأزق الليبي
لقاء الدبيبة بالقصب ليس حدثاً معزولاً، بل مرآة دقيقة لانحراف المسار السياسي في الغرب الليبي، فحين يجلس رئيس حكومة رسمية إلى طاولة واحدة مع رجل تتهمه الأمم المتحدة بتهريب البشر والوقود، يصبح السؤال الأكبر من يحكم من؟

الدبيبة الذي جاء إلى السلطة بشعار “المدنية وسيادة القانون”، يجد نفسه اليوم يستمد شرعيته من ذات الشبكات التي تمزق النسيج الأمني لليبيا، في مفارقة تجسد مأساة الدولة الليبية المعاصرة، وهذه ليست مجرد فضيحة أخلاقية أو دبلوماسية، بل دليل على أن حكومة الوحدة الوطنية، التي كان يفترض أن تكون جسراً نحو الاستقرار، تحولت إلى رهينة لتوازنات الميليشيا والتهريب.

وما لم تتغير هذه المعادلة، فإن الحديث عن انتخابات أو وحدة مؤسسات أو سيادة قانون سيظل مجرد خطاب للاستهلاك الخارجي، فلقاء الدبيبة بـ”القصب” لحظة كشفت ما يعرفه الجميع منذ سنوات بأن السلطة في ليبيا لا تمارس من القصر الحكومي في طرابلس، بل من مكاتب المهربين في الزاوية.
بقلم: نضال الخضري
التلاعب بالنفط يزيد الأزمات: جماعات مسلحة تنهب الاقتصاد الليبي
