12 مارس 2026

وافقت فرنسا على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين بعد جمود دام أشهر، بينهم قناصل في باريس ومرسيليا، وتهدف الخطوة لتفكيك أزمة طرد الدبلوماسيين عقب توترات حول ملف الهجرة وقضية موظف قنصلي متهم بالإرهاب، ويرى مراقبون أن عودة تدريجية تقتضيها المصالح المشتركة.

أنهت باريس شهوراً طويلة من “الجمود الإداري” في تعاملها مع الجزائر، بعد موافقتها على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين، وقنصلين عامين لكل من العاصمة باريس ومرسيليا بجنوب البلاد، حيث تقيم جالية جزائرية كبيرة، في خطوة تحمل دلالات سياسية لافتة.

يرى مراقبون أن هذه الخطوة تتيح تفكيك “عقدة تبادل طرد الدبلوماسيين”، التي نشأت بعد أن بلغ التوتر ذروته بين البلدين، وتحديداً بين أبريل ومايو 2025.

علماً بأن الأزمة اندلعت في أواخر يوليو 2024 على خلفية إعلان “الإليزيه” اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء، حيث سحبت الجزائر سفيرها سعيد موسي، احتجاجاً على تبدل الموقف الفرنسي حيال النزاع، ولم يعد إلى منصبه حتى اليوم.

تضمن آخر عدد من “الجريدة الرسمية” في الجزائر مراسيم وقعها الرئيس عبد المجيد تبون تخص تعيين قناصل عامين جدد في كل من باريس ومرسيليا وستراسبورغ التي تقع في أقصى شمال شرقي فرنسا.

وبحسب منصة “توالى” الإخبارية، فقد منحت فرنسا الاعتماد لشاغلي منصب باريس شعبان برجة، ومرسيليا عثمان ثابتي، بينما لا يعرف إن كانت المعينة في قنصلية ستراسبورغ عواطف بوزيد حصلت على الموافقة لمباشرة مهامها.

كما شملت التعيينات اختيار الدبلوماسي محمد الحبيب زهانة قنصلاً عاماً في مدينة جدة بالسعودية.

يأتي هذا التطور اللافت في الخلافات بين الجزائر وباريس، إثر الزيارة التي قادت وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر منتصف فبراير الماضي، حيث بحث مع نظيره الجزائري سعيد سعيود قضايا الأمن في منطقتي الساحل وحوض المتوسط، والخلاف حول رفض الجزائر استرجاع العشرات من مهاجريها غير النظاميين، محل أوامر إدارية بالطرد من التراب الفرنسي.

كما كان لنونيز محادثات مع الرئيس تبون حول العلاقات الثنائية . ومن الواضح، حسب متتبعي الأزمة الدبلوماسية، أن هذه الزيارة مهدت لاعتماد الدبلوماسيين الجزائريين الجدد في فرنسا.

وضعت السلطات الفرنسية استئناف التعاون الميداني في قضايا الهجرة بمرتبة الأولوية القصوى، متأثرة بتنامي الضغوط السياسية الداخلية المتعلقة بملف تدفقات المهاجرين، وهو ما دفع باريس إلى تجاوز حالة الجمود مع الجزائر.

لم تكن “أزمة الاعتمادات القنصلية” سوى حلقة في سلسلة ممتدة من التجاذبات بين البلدين؛ فمنذ عام 2023، دخلت العلاقات الجزائرية – الفرنسية نفقاً من الأزمات الدبلوماسية المتلاحقة، تراوحت بين تعقيدات “ملف الذاكرة”، وتقليص حصص التأشيرات، وصولاً إلى التباينات الأمنية والاحتقان السياسي، الذي خيم على دوائر صنع القرار في العاصمتين.

شهدت هذه الأزمة ارتداداً عنيفاً في مايو 2025، حينما عبّرت الجزائر عن استيائها “الشديد” من تأخر فرنسا في اعتماد تعيينات في جهازها الدبلوماسي، منهم رؤساء البعثات والقناصل لفترة تجاوزت 5 أشهر “دون أي تفسير رسمي”، وفق بيان صادر عن وزارتها للخارجية.

وهذا التأخير اعتُبر في الجزائر “تجاهلاً” للمعايير الدبلوماسية الاعتيادية، و”انتهاكاً للأعراف الدولية”، ورأت الجزائر أن هذا الأمر يعوق قدرتها على ممارسة مهامها القنصلية والدبلوماسية في فرنسا.

وشددت وزارة الخارجية الجزائرية أيضاً على أن باريس “لم تقدّم تبريراً مناسباً رغم المطالب المتكررة بالحصول على الاعتمادات”.

وقد زاد هذا الوضع من الاحتقان بين البلدين، إذ جاء ضمن سلسلة خلافات تشمل قيوداً على تأشيرات الدبلوماسيين الجزائريين، وهو ما اعتُبر خطوة تمييزية وغير مبررة من وجهة نظر الجزائر.

غير أن الواقعة التي كانت المحرك الرئيسي لحالة “الجمود الإداري”، من جانب فرنسا وامتناعها لأشهر طويلة عن منح الاعتمادات للقناصل الجزائريين الجدد، كنوع من الضغط السياسي، تتمثل في توقيف موظف قنصلي جزائري في باريس مطلع أبريل 2025، وتوجيه تهمة “الإرهاب” له من طرف الادعاء الفرنسي.

وتتمحور القضية حول محاولة اختطاف واحتجاز الناشط أمير بوخرص بفرنسا، وتعود الوقائع إلى عام 2024 .

وفجر سجن الموظف القنصلي غضباً عارماً في الجزائر، التي عدت سلطاتها الخطوة “انتهاكاً صارخاً للحصانة القنصلية المنصوص عليها في الأعراف الدولية”.

ووصفت توقيفه، مع رعيتين جزائريين آخرين من خارج الشبكة الدبلوماسية، بأنه “عمل استعراضي ومهين”.

سرعان ما تحول هذا الانزلاق الأمني والقضائي إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة؛ حيث بادرت الجزائر بطرد 12 موظفاً من السفارة الفرنسية، لترد باريس فوراً بتطبيق “مبدأ المعاملة بالمثل”، وطرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الجزائريين، مع استدعاء سفيرها للتشاور.

وقد أدت هذه التطورات إلى شلل شبه كامل في القنوات الرسمية، وتجميد واسع لملفات التعاون الثنائي.

على الرغم من أهمية اعتماد الدبلوماسيين، فإن المراقبين لا يرون أنها تمهد بالضرورة لعودة العلاقات إلى حالتها الطبيعية، بقدر ما تعكس، حسبهم، إدراك الدولتين لحقيقة أن علاقتهما باتت شديدة التشابك والارتباط، إلى الحد الذي لا يسمح ببقائها في حالة شلل مطول.

فالمصالح المتشابكة فرضت على العاصمتين تجاوز منطق القطيعة الإدارية نحو رؤية أكثر واقعية، وفق المراقبين أنفسهم .

الجزائر تعزز قواتها الجوية بمقاتلات “Su-35” في انتظار “Su-57”

اقرأ المزيد