05 مارس 2026

في مشهد يعكس هشاشة البنية المؤسسية في ليبيا، أعلن أعضاء من مجلس النواب المجتمعين في بنغازي إبطال “قانون” فرض الضريبة على السلع والخدمات، واعتباره منعدم الأثر القانوني، رغم أن المجلس، وفق بيان موقّع من 107 نواب، لم يصدر أصلاً قانوناً نافذاً بهذا الشأن.

المفارقة لا تكمن في التراجع، بل في طبيعته عبر إلغاء ما لم يقرّ، وبينما واصلت وسائل إعلام في غرب البلاد اتهام المجلس بفرض ضرائب أنهكت السوق، كشفت مراسلات منشورة بين حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية ومصرف ليبيا المركزي أن المبادرة بفرض الضريبة جاءت، في أصلها، من وزارة الاقتصاد بالحكومة نفسها، لا من السلطة التشريعية.

بهذا المعنى، نحن لا نواجه خلافا تقنيا حول رسم جمركي أو آلية اعتماد مستندي، بل أزمة شرعية مالية تتقاطع فيها السياسة بالنقد، ويتداخل فيها الصراع المؤسسي مع معيشة المواطن.

غياب عقيلة: موقف سياسي أم احتجاج صامت؟

عقدت الجلسة الطارئة برئاسة أكبر الأعضاء سنا، بعد رفض رئيس المجلس عقيلة صالح الدعوة إليها، ويقرأ هذا الغياب باعتباره اعتراضا إجرائيا، لكن في سياق المشهد يبدو أقرب إلى احتجاج صامت على “عبثية” الاتهام بإقرار ضرائب لم تُستكمل أدواتها الدستورية.

البيان الصادر عن النواب كان واضحا؛ لا ضريبة بلا جلسة مكتملة النصاب، ولا تشريع بلا تصويت صريح وفق اللائحة الداخلية، وأي مراسلات منسوبة للمجلس لا تكتسب صفة الإلزام ما لم تصدر في الإطار القانوني الصحيح.

هنا تبرز إشكالية أعمق فهل تحوّلت المراسلات الإدارية إلى بديل عن الإرادة التشريعية؟ وإذا كان بعض أعضاء لجنة الاقتصاد راسل المصرف المركزي بشأن ضريبة مقترحة، فهل يُعد ذلك تشريعا؟ أم أن الأمر لا يتجاوز توصية أو مقترحا فاقدا للسند القانوني؟

مراسلة المركزي: قلب السردية

المراسلات التي كشف عنها مصرف ليبيا المركزي أحدثت تحولا في السردية السائدة، فالمصرف أعلن صراحة أن طلب إضافة ضريبة على بعض السلع والمواد الأساسية جاء بشكل رسمي من وزارة الاقتصاد بحكومة الدبيبة، لا من مجلس النواب.

هذه المعطيات تضع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة أمام معادلة صعبة، فالحكومة خرجت في بيانها رافضة “الخطوات الأحادية” المنسوبة لرئاسة مجلس النواب، واعتبرت فرض الضريبة تجاوزا لمبدأ الفصل بين السلطات، لكنها، وفق مراسلة المركزي، كانت صاحبة المبادرة الأولى.

التناقض هنا ليس إعلاميا فقط، بل مؤسساتي، فمن جهة، تُحمل الحكومة البرلمان مسؤولية أي عبء إضافي على المواطن، ومن جهة أخرى، تكشف الوثائق أن وزارة تابعة لها طلبت فرض الضريبة أصلا، وهذا التضاد يضعف الثقة العامة، ويحول السياسة الاقتصادية إلى أداة في معركة سرديات.

المصرف المركزي بين المطرقة والسندان

وجد مصرف ليبيا المركزي نفسه في قلب العاصفة، فهو الجهة المنفذة للسياسات النقدية، والمشرف على بيع النقد الأجنبي، وفي الوقت ذاته يتعرض لضغوط سياسية متعارضة.

الدبيبة ألقى بالكرة في ملعب المحافظ، مطالبا بوقف أي قرارات تزيد العبء على المواطن، ومحمّلا “الإنفاق الموازي” مسؤولية انهيار سعر الصرف، ووفق أرقامه، بلغ هذا الإنفاق نحو 70 مليار دينار خلال عام واحد، مولدا طلبا إضافيا يفوق 10 مليارات دولار على العملة الأجنبية.

لكن السؤال الجوهري هل تُعالج أزمة ناتجة عن تضخم الإنفاق الموازي بفرض ضريبة على الاستيراد؟ أم أن ذلك يشبه معالجة الحمى بكسر ميزان الحرارة؟

المصرف، في مراسلته، رفض الإجراءات المقترحة وطالب بإعادة النظر فيها، كما واجه جبهة برلمانية تطالبه بعدم تنفيذ أي قرارات تستند إلى مراسلات غير قانونية، وبين الطرفين، يقف التاجر والمستهلك في مواجهة سعر صرف يتجاوز عشرة دنانير في السوق الموازية.

الضريبة كأداة سياسية

اقتصاديا، يمكن الدفاع نظريا عن ضريبة على النقد الأجنبي أو السلع المستوردة بهدف ترشيد الطلب على الدولار وحماية الاحتياطي، لكن في اقتصاد ريعي يعتمد شبه كليا على الاستيراد، تصبح الضريبة عبئا مباشرا على القدرة الشرائية.

الأخطر من ذلك أن الضريبة تحولت إلى أداة سياسية، فكل طرف يسعى إلى تبرئة ساحته وتحميل الآخر كلفة الغلاء، مجلس النواب ينفي التشريع، الحكومة تنفي التنسيق، والمصرف يحيل إلى المراسلات، والنتيجة فراغ في المسؤولية، وازدواج في الخطاب.

إبطال النواب لقانون “منعدم الأثر” يعكس محاولة لاستعادة الاختصاص التشريعي الحصري، خصوصا بعد جدل اعتماد شركات صرافة خارج الإطار المصرفي، وشدد البيان على أن المصارف التجارية هي الجهة الوحيدة المخولة ببيع النقد الأجنبي، وأن أي تجاوز يعرض المسؤولين للمساءلة.

توحيد الإنفاق: بيت الداء

بعيدا عن الضريبة، تكمن العقدة في ازدواجية الإنفاق، الحديث عن “الإنفاق الموازي” ليس تفصيلا تقنيا، بل لب الأزمة، فوجود أكثر من مركز قرار مالي يعني تضخم الكتلة النقدية دون غطاء إنتاجي أو احتياطي كاف، ما يضغط على الدينار ويغذي السوق الموازية.

إعلان النواب الشروع في توحيد الإنفاق العام ضمن ميزانية واحدة خاضعة لرقابة موحدة يمثل، إن نُفذ، خطوة في الاتجاه الصحيح. كما أن الدعوة إلى تعديل اللائحة الداخلية للمجلس تعكس إدراكا لخلل إجرائي ساهم في تضارب الصلاحيات.

لكن التجربة الليبية تظهر أن الإعلان لا يكفي، فالمطلوب آلية تنفيذية واضحة، ورقابة مستقلة، وشفافية في فتح الاعتمادات وتخصيص الإنفاق، خصوصا في ظل إجراءات تقشفية بقطاع النفط وتعليق بعض التعاقدات.

الحراك المدني: ضغط من الغرب

اللافت أن الرفض لم يقتصر على الشرق، ففي طرابلس، طالبت بلديات وغرف تجارية واتحادات عمالية بإلغاء العمل بالضريبة فورا، والدعوة إلى حوار اقتصادي موسع، وهذا التزامن بين حراك برلماني في بنغازي وضغط مدني في الغرب يعكس إدراكا مشتركا لخطورة تحميل المواطن كلفة الصراع المؤسسي.

التحذيرات من تفاقم الركود وانهيار القدرة الشرائية ليست مبالغة، فكل زيادة في تكلفة الاستيراد تنتقل مباشرة إلى السعر النهائي، في سوق تعاني أصلا من تراجع الثقة واحتكار بعض كبار المستوردين.

ما الذي تكشفه الأزمة؟

تكشف الأزمة، في جوهرها، أن الشرعية الإجرائية ليست تفصيلا شكليا يمكن القفز فوقه، بل الأساس الذي تبنى عليه سلامة القرار المالي؛ فكل إجراء لا يمر عبر قنواته الدستورية يظل هشا، قابلا للطعن، ومفتقرا إلى الغطاء القانوني مهما حسنت نواياه.

كما أن احتدام الصراع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لا يبقى حبيس البيانات السياسية، بل يمتد أثره مباشرة إلى المجال النقدي، حيث يتعذر الحديث عن استقلال فعلي للمصرف المركزي في بيئة تتنازعها المراسلات المتضاربة والتوجيهات المتناقضة.

ويتضح أن أي حديث عن الإصلاح يفقد معناه إذا لم يبدأ بضبط الإنفاق العام ومعالجة اختلالاته البنيوية، لأن تحميل المواطن أعباء إضافية تحت شعار “حماية الدينار” لن يكتسب صدقية ما لم يقترن بأقصى درجات الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

بين الانضباط والانهيار

ليبيا اليوم أمام مفترق طرق فإما مسار انضباط مالي حقيقي يقوم على توحيد الميزانية، وضبط الإنفاق الموازي، وتعزيز الشفافية؛ وإما استمرار التنازع المؤسسي الذي يفرغ أي إجراء من مضمونه.

إلغاء ضرائب لم تقر أصلا ليس مجرد مفارقة سياسية، بل عنوان لخلل أعمق في هندسة القرار المالي، فحين تختلط المراسلات بالتشريعات، وتُستبدل الجلسات الرسمية ببيانات متبادلة، يصبح الاقتصاد رهينة للارتباك.

المواطن الليبي لا يعنيه مصدر المراسلة بقدر ما يعنيه سعر الخبز والدولار، وإذا كان الجميع يعلن رفض الضريبة، فإن الاختبار الحقيقي هو في القدرة على إنتاج سياسة مالية متماسكة، لا تدار بردود الفعل، بل برؤية وطنية تتجاوز حسابات النفوذ.

غياب عقيلة صالح عن الجلسة رمز لحالة أوسع، فالمؤسسات حاضرة شكليا، وغائبة فعليا عن التوافق، وبين الحضور والغياب، تبقى الحاجة ملحة إلى إعادة بناء الثقة لا عبر إبطال قرارات منعدمة، بل عبر تأسيس شرعية لا يطعن فيها أحد.

بقلم: مازن بلال

مجلس الثقافة العام في بنغازي يحتفي بافتتاح معرض «أنا ليبيا.. أنا التاريخ»

اقرأ المزيد