مع نهاية عام 2025، ظهر في المشهد الليبي تطور استراتيجي غير مسبوق يعيد رسم ملامح التوازن العسكري في البلاد، حيث اتخذت قيادة شرق ليبيا خطوة جريئة نحو تحالف جديد مع أحد الفاعلين الصاعدين في سوق السلاح الآسيوي.
هذه الخطوة لم تكن مجرد صفقة مالية ضخمة، بل إشارة إلى انتقال “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر من مرحلة الاعتماد على الدعم التقليدي إلى سياسة تنويع مصادر التسليح والانفتاح على شركاء غير تقليديين، في سعي لإعادة تثبيت موقعه في معادلة القوة داخل ليبيا وخارجها.

وأبرم المشير حفتر، القائد العام لـ”الجيش الوطني الليبي”، اتفاقا مع رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، يقضي بصفقة تسليح تتجاوز قيمتها4.6 مليار دولار، تشمل معدات برية وبحرية وجوية، من بينها 16 طائرة مقاتلة من طراز JF-17 Thunder و12 طائرة تدريب من طراز Super Mushshak، في واحدة من أضخم صفقات السلاح التي تشهدها ليبيا منذ سقوط نظام القذافي.
دلالات الصفقة – من “التعاون الدفاعي” إلى “التحالف العسكري”
على السطح، تبدو الصفقة تجارية بحتة، تدخل في إطار مساعي باكستان لزيادة صادراتها الدفاعية، إلا أن خلفياتها السياسية تكشف عن نقلة استراتيجية في العلاقة بين بنغازي وإسلام آباد.

فمنذ منتصف عام 2024، زار صدام خليفة حفتر باكستان مرتين، والتقى خلالها المشير منير ورئيس الوزراء شهباز شريف، في زيارات وصفت حينها بأنها “تمهيد لبناء شراكة أمنية طويلة الأمد”، ونضجت هذه الاتصالات في ديسمبر 2025 بإبرام الصفقة الضخمة التي شملت، وفق البيان الرسمي، “مبيعات أسلحة، وتدريبا مشتركا، وتصنيعا عسكريا مشتركا”.

لا تقتصر الصفقة على شراء معدات قتالية، بل تمثل بوابة لولوج باكستان إلى العمق الاستراتيجي لشمال إفريقيا، حيث يتقاطع نفوذ تركيا وروسيا ومصر والإمارات، كما تمنح حفتر شرعية عسكرية جديدة، تمكنه من موازنة النفوذ والتركي.
باكستان – البحث عن أسواق وساحات نفوذ جديدة
باكستان، التي تحتل المرتبة السابعة عالميا في القوة العسكرية وفق مؤشر Global Firepower 2023، تمتلك طموحا صريحا لتوسيع حصتها من سوق السلاح العالمي إلى نحو 3% بحلول 2025، وتعتمد في ذلك على تحالفها الصناعي– العسكري مع الصين، خاصة في إنتاج الطائرة المقاتلةJF-17 Thunder التي تشكل العمود الفقري للصفقة الليبية.
وتأتي هذه الصفقة بعد سلسلة اتفاقات مشابهة مع دول نامية مثل نيجيريا وميانمار وسريلانكا، غير أن السوق الليبية تحمل خصوصية جيوسياسية؛ فهي خاضعة لحظر أممي على توريد الأسلحة منذ 2011، وتمثل نقطة التقاء لتنافس دولي كثيف.
إبرام صفقة بهذا الحجم (4.6 مليار دولار) يشير إلى استعداد باكستان للعب أدوار أكثر جرأة في السياسة الدولية، وربما اختبار حدود التفاهمات مع القوى الكبرى، بما فيها الصين وروسيا والولايات المتحدة.
ورغم أن المسؤولين الباكستانيين رفضوا التعليق رسميا، إلا أن تسريبات داخلية أكدت أن الصفقة لم تنتهك الحظر الأممي “من وجهة النظر الباكستانية”، بحجة أن حكومة طرابلس لا تملك سلطة فعلية على الشرق الليبي، وأن قوات حفتر ليست خاضعة لعقوبات مباشرة.
الجيش الليبي – من الفوضى إلى إعادة البناء
لعل أبرز ما يجعل الصفقة ذات أثر استراتيجي عميق هو موقعها في مسار تطور المؤسسة العسكرية الليبية.
فمنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، انهار الجيش الليبي الذي كان يضم أكثر من90 ألف عنصر ويمتلك واحدة من أكبر الترسانات في إفريقيا، فالقصف الأطلسي، والانقسامات القبلية، ونهب المخازن العسكرية، حول البلاد إلى سوق مفتوح للسلاح، وولدت مئات الميليشيات المحلية المتنافسة.

منذ عام 2015، بدأ حفتر مشروعا لإعادة بناء “الجيش الوطني الليبي”، ولعبت روسيا دورا مركزيا في إعادة تنظيم القوات الخاصة وتزويدها بأنظمة دفاعية متقدمة، فضلا عن إدارة القواعد الجوية في الجفرة وسرت، وهذا الدور الروسي لم يتراجع، بل أعيد تشكيله بعد 2023 عبر بـ”الهيئة العسكرية الروسية الليبية المشتركة”.

ويبدو أن الصفقة مع باكستان تهدف تحديدا إلى تأمين قدرات جوية مستقلة، بعد أن فشلت محاولات سابقة لتحديث الأسطول الجوي الليبي بطائرات ميغ وسوخوي بسبب العقوبات والقيود اللوجستية.
قراءة في الدوافع – حفتر بين تثبيت النفوذ والبحث عن الشرعية
من وجهة نظر حفتر، الصفقة ليست مجرد تزود بالسلاح، بل هي رسالة مزدوجة:
• داخليا، لتأكيد أن هناك جيشا نظاميا قادرا على حماية شرق ليبيا وتطوير قدراته بعيدا عن الميليشيات.
• وخارجيا، لتقديم نفسه كشريك دولي “شرعي” في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود الجنوبية لليبيا، خاصة مع السودان وتشاد والنيجر، حيث تتداخل خطوط التهريب والجماعات المسلحة.
ويرجح أن حفتر يسعى أيضا إلى تحقيق توازن جديد مع تركيا، التي رسخت وجودها العسكري في الغرب الليبي عبر اتفاقات دفاعية مع حكومة طرابلس.
فبينما تملك أنقرة حضورا بطائرات مسيرة وقواعد تدريب، يسعى حفتر إلى بناء مظلة جوية مستقلة، توفرها له الطائرات الباكستانية الصينية JF-17 المزودة بأنظمة تسليح صينية، وهو ما يعزز قدرة قواته على ردع أي هجوم محتمل من الغرب أو السيطرة على الأجواء في الجنوب.
التداخل الروسي – الباكستاني: لعبة توازن دقيقة
الصفقة لم تقابل برفض روسي، بل هناك مؤشرات على تنسيق ضمني بين موسكو وإسلام آباد بشأنها، فهي لا ترى في باكستان منافسا بل شريكا محتملا في إعادة بناء المنظومة العسكرية الليبية، فموسكو يمكنها دعم الصفقة تقنيا عبر توفير أنظمة إلكترونية روسية للطائرات الباكستانية، مقابل توسيع نطاق تعاونها في تدريب الضباط الليبيين في الأكاديميات الروسية.
رغم الزخم السياسي والإعلامي للصفقة، إلا أنها تواجه عقبتين قانونيتين:
1. حظر تصدير السلاح إلى ليبيا المفروض منذ عام 2011 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970، والذي لا يزال ساريا.
2. غياب سلطة مركزية موحدة في ليبيا تخول إبرام صفقات عسكرية رسمية باسم الدولة.
وتنفيذ الصفقة سيتطلب إما استثناء أمميا، أو تمريرا غير معلن عبر وسطاء (كما حدث سابقا في صفقات إماراتية وروسية).

غير أن أي خرق واضح للحظر يعرض إسلام آباد لمساءلات دولية، ويعيد ليبيا إلى دائرة الصراع بين القوى الغربية وروسيا في مجلس الأمن.
التداعيات الإقليمية – ميزان جديد في شمال إفريقيا
لا تقتصر آثار الصفقة على ليبيا وحدها، فمن المؤكد أن مصر وتركيا ستراقبان التطور بقلق متزايد، فالقاهرة، التي دعمت السلطة في بنغازي منذ 2014، تنظر بإيجابية نسبية إلى التعاون مع باكستان حليفها التقليدي، أما تركيا، فترى في دخول باكستان إلى المشهد الليبي تهديدا لتفوقها التقني في الغرب، خاصة في مجال الطائرات المسيرة، حيث تمتلك أنقرة ميزة حاسمة حتى الآن.
عمليا تمثل صفقة حفتر – باكستان أكثر من مجرد عقد تسليح؛ فهي علامة على تحول ليبيا من ساحة صراع إلى ساحة تنافس جيوسياسي دولي، فحفتر يسعى لتثبيت موقعه كقائد لجيش نظامي متكامل، وباكستان تبحث عن موطئ قدم في سوق السلاح العربي والإفريقي، ومن المؤكد أن ليبيا ما بعد صفقة 4.6 مليار دولار ليست كما قبلها لا عسكريا، ولا سياسيا، ولا جيوستراتيجيا.
بقلم : مازن بلال
إحالة مخرج شهير إلى الجنايات بتهمة سب وإهانة فنان مصري
