الخلاف الأخير بين محمد المنفي وعبد الحميد الدبيبة حول صلاحيات تعيين وإعفاء الدبلوماسيين ليس مجرد نزاع عابر، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة التنفيذية في ليبيا، وحدودها، ومآلاتها في ظل الانقسام المؤسسي المستمر.
يتواجه الطرفان قانونيا حول من يملك القرار، بينما تكشف الوقائع أن الإشكال الحقيقي يتجاوز النصوص إلى واقع من الفوضى البنيوية التي طالت السلك الدبلوماسي برمته.
خلاف شكلي على سلطة غائبة
وفق المراسلات الرسمية، يتمسك المجلس الرئاسي بأن صلاحيات تعيين السفراء واعتمادهم هي اختصاص حصري له، استنادا إلى الاتفاق السياسي وخارطة الطريق، بينما يرى رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، أن له دورا تنفيذيا يتجاوز مجرد الترشيح.

لكن هذا الجدل القانوني يبدو، في نظر كثير من المراقبين، أقرب إلى “صراع على سلطة منقوصة”، فالممارسة الفعلية خلال السنوات الماضية أظهرت أن التعيينات الدبلوماسية لم تكن تدار وفق منظومة مؤسساتية واضحة، بل ضمن توازنات سياسية وشبكات نفوذ.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك استمرار الطاهر السني في تمثيل ليبيا لدى الأمم المتحدة رغم انتهاء ولايته منذ عام، وهو ما يكشف أن “الشرعية القانونية” ليست العامل الحاسم في بقاء الدبلوماسيين، بل اعتبارات أخرى تتعلق بالتوافقات أو غياب البدائل.
القانون في مواجهة الواقع
من الناحية النظرية، ينظم قانون السلك الدبلوماسي الليبي (رقم 16 لسنة 1959) آليات التعيين بشكل واضح، حيث تمنح صلاحية التعيين لمجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الخارجية، مع وجود مسارات مؤسسية للترقية والمساءلة.
غير أن هذا الإطار القانوني يبدو اليوم أقرب إلى “نص معلق”، في ظل تعدد السلطات التنفيذية وتآكل أدوات الرقابة.

فالخلاف بين المنفي والدبيبة لا يدور حول تفسير مادة قانونية بقدر ما يعكس انهيارا في مبدأ الفصل الوظيفي داخل السلطة التنفيذية نفسها، فحين يوجه المجلس الرئاسي تعليماته مباشرة إلى البعثات الدبلوماسية لتجاهل قرارات الحكومة، نكون أمام حالة ازدواجية خطيرة في القرار الخارجي، تهدد وحدة التمثيل الدولي للدولة.
الدبلوماسية كمرآة للفساد السياسي
الأكثر خطورة أن هذا النزاع يتقاطع مع سجل مثقل بالاتهامات التي طالت البعثات الدبلوماسية الليبية خلال السنوات الأخيرة، فالتقارير الرسمية تشير إلى قضايا فساد مالي ضخمة، وتعيينات عشوائية، وسلوكيات غير مهنية، ما يعكس تآكلا حادا في معايير الكفاءة والمساءلة.
عمليا لا يغادر معظم الدبلوماسيين مواقعهم إلا عند انكشاف فضائح كبرى، كما حدث في أوكرانيا، بينما يظل آخرون في مواقعهم رغم شبهات واضحة، مثل حالة قريب الدبيبة في الدنمارك، أو القنصلية الليبية في دمشق التي توجه إليها اتهامات خطيرة بتجنيد مقاتلين.
هذه الوقائع لا تعكس فقط خللا إداريا، بل تشير إلى نمط من “الحصانة السياسية” التي تحمي بعض المسؤولين، ما يحول السلك الدبلوماسي إلى امتداد لشبكات النفوذ الداخلي.
وزارة خارجية بلا رأس واضح
يزداد المشهد تعقيدا مع حالة “اللايقين المؤسسي” داخل وزارة الخارجية نفسها، فوزير الخارجية الحالي، الطاهر الباعور، لا يزال يشغل منصبه بصفة “مكلف”، في حين قام الدبيبة بتعيين وزراء آخرين بشكل أحادي دون الرجوع إلى مجلس النواب.
هذا التناقض يطرح تساؤلات حول معايير التعيين داخل الحكومة نفسها، فلماذا يمنح بعض الوزراء شرعية الأمر الواقع، بينما يترك آخرون في وضع مؤقت؟ الإجابة تكمن في طبيعة التوازنات السياسية التي تحكم عملية اتخاذ القرار، لا في مقتضيات الكفاءة أو الاستقرار المؤسسي.

أما الوزيرة السابقة نجلاء المنقوش، فخرجت من المشهد بعد فضيحة مرتبطة بمحاولات التقارب مع إسرائيل، في مثال آخر على كيف يمكن للأزمات السياسية أن تعيد تشكيل الهرم الدبلوماسي بشكل مفاجئ وغير مؤسسي.
شرق وغرب: دبلوماسيتان لدولة واحدة
في مقابل هذا المشهد المضطرب في طرابلس، تبرز وزارة خارجية حكومة أسامة حماد في الشرق كنموذج مواز، يعمل بقدر واضح من الفعالية، خاصة بعد حادثة مطار بنينا، حيث تم منع سفراء أوروبيين من الدخول دون التنسيق مع هذه الحكومة.

هذا التطور يعكس واقعا أكثر تعقيدا؛ فليبيا لا تعاني فقط من ازدواجية السلطة السياسية، بل من تعددية في “الشرعيات الدبلوماسية” حيث تسعى كل حكومة إلى فرض تمثيلها الخارجي، ما يضع المجتمع الدولي أمام معضلة التعامل مع أكثر من عنوان رسمي.
المنفي والدبيبة: تناقضات السيرة
لا يخلو الصراع الحالي من مفارقات شخصية، فالمنفي نفسه كان سفيرا في اليونان قبل أن تتم إقالته على خلفية الاتفاق البحري بين حكومة الوفاق وتركيا، ما يضعه في موقع من مسيرة هشاشة التعيينات الدبلوماسية.
في المقابل، يواجه اتهامات باستخدام أفراد من عائلته في مهام دبلوماسية، كما في الجدل الذي أثير حول دور شقيقه، وما تبعه من إحراج بعد نفي السفارة الروسية خبر زيارته إلى موسكو.
هذه التناقضات الشخصية تعكس بدورها طبيعة النظام السياسي الليبي، حيث تتداخل الاعتبارات العائلية والسياسية في إدارة الملفات السيادية.
جوهر الأزمة: غياب الدولة
يبدو أن الخلاف بين المنفي والدبيبة ليس سوى عرض لأزمة أعمق لغياب الدولة كإطار منظم للسلطة، فحين تتحول التعيينات الدبلوماسية إلى مجال للصراع السياسي، وتغيب المعايير المهنية، وتضعف أدوات الرقابة، يصبح السؤال حول “من يعين” أقل أهمية من سؤال “كيف يدار هذا التعيين”
والواضح أن الشبكة الدبلوماسية الليبية تعاني من ضعف الكفاءة، وانتشار الفساد، وغياب الفعالية، وهو ما ينعكس مباشرة على صورة ليبيا في الخارج.
ما بعد الخلاف
إذا استمر هذا النزاع دون معالجة جذرية، فمن المرجح أن يؤدي إلى مزيد من الانقسام في التمثيل الخارجي، وربما إلى إضعاف قدرة ليبيا على الدفاع عن مصالحها في المحافل الدولية.
أما الحل، فلا يكمن في حسم الصلاحيات بين المنفي والدبيبة فحسب، بل في إعادة بناء المنظومة الدبلوماسية على أسس مهنية وقانونية واضحة، تضمن الشفافية والمساءلة.
في غياب ذلك، سيظل السلك الدبلوماسي الليبي ساحة للصراعات الداخلية، بدل أن يكون أداة لحماية السيادة الوطنية، وسيبقى السؤال حول “من يعين” مجرد تفصيل في مشهد أكبر عنوانه: أزمة دولة لم تكتمل بعد.
بقلم: مازن بلال
كاتب ليبي ينال جائزة جورج أورويل
