12 يناير 2026

حالة “الشلل الليلي” في أحياء من طرابلس تواصلت لليوم الثالث، على وقع احتجاجات مناهضة لحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تعكس تصاعد الغضب الشعبي من الأوضاع السياسية والمعيشية.

وجاءت هذه التطورات قبيل ساعات من انعقاد جلسة مجلس النواب في مدينة بنغازي، صباح الاثنين، حيث صادق المجلس على استكمال تعيينات المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأقر بالإجماع مشروع قانون يقضي برفع مرتبات منتسبي قوات “الجيش الوطني”، إلى جانب زيادة رواتب أسر الشهداء والجرحى.

وفي مقابل تصاعد الاحتجاجات الليلية في طرابلس، التزمت حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية الصمت الرسمي، بينما أعادت صفحات موالية لها على مواقع التواصل الاجتماعي نشر مقاطع مصورة سابقة لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، أكد فيها دعمه للتعبير السلمي عن الرأي، مع رفضه استهداف مؤسسات الدولة.

واستعادت العاصمة هدوءها النسبي صباحاً، بعدما أقدم محتجون مساء الأحد على إغلاق طرق رئيسية في مناطق عدة، من بينها زناتة والشط، عبر إشعال الإطارات، احتجاجاً على تفشي الفساد وتردي الأوضاع المعيشية، وفق ما وثقته وسائل إعلام محلية وتداوله ناشطون عبر صور ومقاطع مصورة.

وسبق أن امتدت رقعة الاحتجاجات إلى مدن أخرى في المنطقة الغربية، كما حدث في موجات سابقة، حيث شهدت الزاوية مظاهرات أدت إلى إغلاق بوابة الصمود، إلى جانب احتجاجات في مصراتة رافقها إشعال الإطارات وانضمام كتائب محلية، فضلاً عن تحركات احتجاجية في صبراتة وتاجوراء، تنديداً بالأوضاع السياسية والاقتصادية.

ويرى مراقبون أن هذه الاحتجاجات، التي انطلقت مساء الجمعة، تعكس تصاعداً في الغضب الشعبي المتراكم، في مشهد يعيد إلى الأذهان موجات الاحتجاج التي شهدها غرب ليبيا بين عامي 2020 و 2022، محذرين من احتمالات التصعيد في حال غياب خطوات حكومية ملموسة، مثل إجراء تعديل وزاري مرتقب، خاصة في ظل تراجع الإيرادات النفطية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وفي هذا السياق، اعتبر المبروك أبو عميد، الرئيس السابق للمجلس الأعلى لقبائل ورشفانة، أن استمرار المظاهرات يعكس سخطاً شعبياً على الفقر والنهب والفوضى والانقسام والصراع السياسي والتدخلات الخارجية وسطوة الميليشيات وتدهور الاقتصاد، لكنه رأى أنها تفتقر إلى رؤية وقيادة واضحة قادرة على تحويل الغضب إلى مسار منظم.

وحذّر من أن غياب القيادة قد يجعل هذه الاحتجاجات عرضة للتوظيف من أطراف الصراع، بما يفقدها مضمونها ويحدّ من تأثيرها السياسي.

وعلى الصعيد الأمني، أعلنت السلطات الأمنية في طرابلس، ممثلة في “الإدارة العامة للدعم المركزي”، مواصلة تنفيذ خطتها للانتشار الأمني واسع النطاق في مختلف مناطق العاصمة، مؤكدة أن هذه التحركات تهدف إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار عبر تسيير دوريات ثابتة ومتحركة لضبط المخالفين وحماية الأرواح والممتلكات.

وفي شرق البلاد، صوّت مجلس النواب لصالح استكمال تعيينات مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، كما وافق خلال جلسته على مشروع قانون تعديل جدول مرتبات منتسبي القوات المسلحة، المحال من نائب قائد “الجيش الوطني” الفريق ركن صدام حفتر، دون توضيح آليات تنفيذ القرار في ظل الانقسام العسكري بين شرق البلاد وغربها.

وتشمل الزيادة المقررة جميع أنحاء ليبيا، وتتضمن رفعاً بنسبة 150 في المائة لرواتب الشهداء والأسرى والمفقودين وجرحى العمليات الحربية، فيما جرى إرجاء مناقشة الميزانية المطلوبة من مجلس المفوضية لإجراء الانتخابات إلى جلسة الثلاثاء، بعد جدل حول آلية التصويت قبل تحويل الجلسة إلى سرية.

وحذّر رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح من أن أي محاولة لتعطيل أو حل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ستؤدي إلى فشل إجراء الانتخابات، ملوحاً بردود فعل من شرق البلاد قد تشمل المطالبة بنقل مؤسسات سيادية إلى الشرق أو الجنوب، وهي مطالب قال إنها تفتح أبواب الشقاق والخلاف.

وانتقد صالح بشدة قرار رئيس مجلس الدولة محمد تكالة حل لجنة “66” المشتركة المكلفة بإعداد القوانين الانتخابية، واصفاً الإجراء بأنه مخالف للإعلان الدستوري وقرارات المجلسين، ومؤكداً ضرورة استمرار اللجنة المنتخبة في عملها حتى إجراء الانتخابات، في ظل ترحيب أممي بالقوانين التي أنجزتها.

وتعكس هذه التطورات، بحسب مراقبين، استمرار حدة الخلافات السياسية بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وسط مطالب محلية ودولية متزايدة بإنهاء المرحلة الانتقالية، في بلد ما زال يعاني انقساماً مزمناً يعرقل مسار الاستقرار منذ سنوات.

الأمم المتحدة تحذر من تدهور الأوضاع في ليبيا وتدعو لاستئناف الحوار السياسي

اقرأ المزيد