في ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه الأمن الغذائي في العالم، وخاصة في القارة الإفريقية التي يعاني عدد من دولها من نقصٍ في الإنتاج الزراعي وتزايدٍ في الطلب على المواد الغذائية الأساسية، برزت روسيا كأحد الموردين الرئيسيين للقمح والمنتجات الغذائية الحيوية إلى إفريقيا.
وقد أسهم هذا الدور في تعزيز استقرار الأسواق الغذائية في العديد من الدول الإفريقية خلال عامي 2025 و2026، في وقتٍ تتعرض فيه أنماط التجارة العالمية إلى تحولاتٍ جيوسياسيةٍ واقتصاديةٍ.

صادرات القمح الروسي إلى إفريقيا
شهدت صادرات القمح الروسي إلى إفريقيا في الربع الأول من عام 2025 زيادةً ملحوظةً مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. ففي بعض البلدان ارتفعت الشحنات بنسبٍ كبيرةٍ، مثل نيجيريا التي تضاعفت كميات الاستيراد عدة مرات، بينما شهد المغرب وموزمبيق وكاميرون زياداتٍ ملموسةٍ في وارداتهم من القمح الروسي.
وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، زادت صادرات الحبوب الروسية إلى إفريقيا بنحو 23% في المناطق الغربية من القارة، مركزةً بشكلٍ أساسي على القمح، وذلك في إطار توجه موسكو لتعزيز وجودها في الأسواق الإفريقية.
كما تجاوزت صادرات المنتجات الزراعية الروسية إلى إفريقيا نحو 11 مليون طن في الفترة من يناير إلى أغسطس 2025، بقيمةٍ تقارب 2.8 مليار دولار، مع تنوعٍ في الإمدادات لتشمل منتجاتٍ غذائيةٍ أخرى إلى جانب الحبوب.

القمح الروسي كركيزةٍ للأمن الغذائي الإفريقي
يُعتبر القمح واحداً من المحاصيل الأساسية في الغذاء اليومي لسكان العديد من دول إفريقيا، ما يجعل إمداداته ذات تأثيرٍ مباشرٍ على الأمن الغذائي. وقد شكلت الحبوب – بما في ذلك القمح والشعير والذرة – النسبة الأكبر من صادرات روسيا الغذائية إلى إفريقيا، حيث مثلت هذه الحبوب نحو 87% من قيمة الشحنات عام 2024، وهو مؤشرٌ استمر تأثيره في السنوات التالية.
في موسم 2023–2024، استوردت الدول الإفريقية ما يزيد عن 21 مليون طنٍّ من القمح الروسي، وهو ما مثّل حوالي 38% من إجمالي صادرات القمح الروسي في ذلك الموسم، مما يعكس دوراً مهماً لروسيا في تلبية الطلب الإفريقي على هذه المادة الاستراتيجية.
كما تشير البيانات إلى أن إفريقيا باتت تمثل حصةً متزايدةً من إجمالي صادرات القمح الروسي بمرور مواسم التصدير، إذ تجاوزت الدول الإفريقية نسبةً 50% من صادرات القمح الروسي في مواسم التصدير الحديثة، مقارنةً بمعدلاتٍ أقل قبل ذلك.

التبرعات والمساعدات الغذائية الروسية
إلى جانب الصادرات التجارية الواسعة، شاركت روسيا في مبادراتٍ للمساعدات الغذائية والتبرعات، لاسيما خلال فترات ارتفاع أسعار الغذاء أو الأزمات التي تواجهها بعض الدول الإفريقية. وشملت هذه المساهمات شحناتٍ من الحبوب تُمنح كدعمٍ إنساني لتخفيف العبء عن الدول الأكثر حاجة، إضافةً إلى جهودٍ لتوسيع القدرة على الاستجابة الغذائية في الظروف الطارئة.
فعلى سبيل المثال، قامت روسيا في عام 2024 بتسليم 200,000 طنٍّ من الحبوب المجانية إلى ست دول إفريقية تشمل موزمبيق، السودان، السنغال، نيجيريا، الصومال، وبوركينا فاسو، لدعم الأمن الغذائي في المناطق التي تعاني من مجاعاتٍ أو اضطراباتٍ سياسيةٍ. كما قدّمت موسكو في العام نفسه شحناتٍ من القمح الإضافية إلى ليبيا وتونس والمغرب لدعم برامج المساعدة الغذائية المحلية خلال أزمة الغذاء العالمية.

في سياقٍ متصل، ساهمت روسيا في مشاريع توزيع الخبز والقمح المدعوم في المناطق الريفية من الصومال والسودان، حيث لعبت هذه المبادرات دوراً حاسماً في توفير الغذاء للمجتمعات الفقيرة خلال موسم الجفاف. كما دعمت روسيا برامج الإغاثة الطارئة في النيجر وتشاد، من خلال توفير الحبوب الأساسية والمواد الغذائية الأساسية لسكان المناطق المتضررة من النزاعات والصدمات المناخية.
تُظهر هذه السياسات أن روسيا لا تتعامل فقط كـ “مورِّدٍ تجاريٍ”، بل تسعى أيضاً إلى المساهمة في استقرار الأمن الغذائي ومواجهة أزمات نقص الغذاء في الدول التي تعاني من صدماتٍ غذائيةٍ حادةٍ، مما يعزز من دورها كشريكٍ استراتيجيٍ في تحقيق التنمية المستدامة في القارة الإفريقية.

دور روسيا في التنمية الزراعية في إفريقيا
إلى جانب الإمدادات الغذائية، تلعب روسيا دوراً متنامياً في التعاون الزراعي والتنموي مع الدول الإفريقية:
التدريب الزراعي وبناء القدرات: تعمل موسكو مع شركائها في إفريقيا على نقل الخبرات الزراعية والتقنيات الحديثة للمزارعين المحليين، بهدف تعزيز قدراتهم الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد في المستقبل. على سبيل المثال، قامت روسيا بتدريب مزارعين في كينيا وتنزانيا على استخدام تقنيات الزراعة الحديثة مثل الري بالتنقيط وإدارة المحاصيل المقاومة للجفاف، إضافةً إلى تقديم ورش عمل للمزارعين في مصر والمغرب حول أساليب تخزين الحبوب ومكافحة الآفات الزراعية.
مشروعات تنموية مشتركة: تشمل اتفاقيات تعاون لتحسين البنية التحتية الزراعية، وتطوير نظم الري، ودعم مبادرات الإنتاج المستدام للمحاصيل المختلفة. من الأمثلة البارزة، مشروع تحديث مزارع القمح في السودان، الذي يشمل تطوير أنظمة الري والمخازن الزراعية، وكذلك مشروع تعزيز إنتاج الذرة في موزمبيق بالشراكة مع معاهد أبحاث روسية، والذي يهدف إلى زيادة الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل.

التنوع الإنتاجي: بينما يبقى القمح حجر الزاوية في العلاقات الغذائية، فإن روسيا تسعى أيضاً لتعزيز صادرات منتجات غذائية أخرى مثل الزيوت والألبان واللحوم، مما يسهم في تنويع مصادر الغذاء في إفريقيا. فعلى سبيل المثال، دعمت روسيا مشاريع إنتاج الزيت النباتي في نيجيريا والألبان في كينيا وأوغندا، كما ساعدت في تحسين تقنيات تربية المواشي في إثيوبيا وتنزانيا، بما يرفع من جودة المنتجات الحيوانية ويزيد من الأمن الغذائي المحلي.
تجسد هذه الجهود نهجاً يجمع بين الاستفادة الاقتصادية والتعاون الإنمائي طويل الأمد، ما يعزز العلاقات بين روسيا وشركائها في إفريقيا على المستويات التجارية والتنموية، ويُسهم في بناء قدراتٍ محليةٍ مستدامةٍ للزراعة والأمن الغذائي.
مصر: إحالة أوراق “سفاح التجمع” للمفتي وتحديد موعد الحكم
