تخطت مراسلة وزيرة الثقافة في حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية بطرابلس، مبروكة توغي، إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) حدود الإجراء الإداري لتكشف عمق التداخل بين السياسة والثقافة في ليبيا.
وأعاد موقفها حيال بنغازي طرح تساؤل مركزي حول مصير الدور الثقافي في بلد منقسم: هل تبقى الثقافة مساحة جامعة تعلو فوق التجاذبات، أم تصبح جزءا من معادلة الصراع على الشرعية والنفوذ؟
بتاريخ 9 فبراير 2026، أبلغت الوزارة المنظمة العربية بأن مدينة بنغازي لن تكون قادرة على استضافة فعاليات “عاصمة الثقافة العربية” لهذا العام، مبررة القرار بعدم التنسيق مع رئاسة الحكومة وبضرورة التركيز على مسار المصالحة الوطنية، واقترحت تأجيل الاستضافة إلى موعد لاحق “حين ميسرة”، بما يضمن وفق نص المراسلة مشاركة فاعلة تليق بمكانة الثقافة الليبية.
غير أن ما بدا ظاهريا، خطوة إجرائية، قُرئ داخليا باعتباره محاولة لسحب استحقاق ثقافي من مدينة ليبية ذات رمزية وطنية كثيفة.

قرار إداري أم رسالة سياسية؟
يُفهم في الدول المستقرة تأجيل حدث ثقافي كبير باعتباره خيارا إداريا خاضعا لمعايير الجاهزية، لكن في ليبيا المنقسمة سياسيا ومؤسساتيا منذ 2011، لا يمكن لأي خطوة من هذا النوع أن تُفصل عن سياقها.
مدينة بنغازي ليست مجرد مركز حضري في الشرق الليبي؛ إنها رمز سياسي وتاريخي، وكانت إحدى بؤر انطلاق انتفاضة فبراير، وعانت سنوات من المواجهات المسلحة، ثم سعت إلى استعادة دورها كمركز ثقافي وفكري، واختيارها عاصمة للثقافة العربية لعام 2026 لم يكن حدثا بروتوكوليا فحسب، بل اعترافا عربيا بدور مدينة قاومت الحرب وحاولت أن تنهض بالكتاب والمسرح والجامعة بعد أن أنهكتها البنادق.
مخاطبة ألكسو بطلب إعفاء المدينة أو تأجيل استحقاقها بدت، في نظر كثيرين، كأنها سحب لاعتراف عربي مُنجز، لا مجرد إعادة جدولة.

غضب مهني يتجاوز الشخصنة
ردود الفعل لم تتأخر، فنقيب الصحفيين في طرابلس، منصور الأحرش، شن هجوما لاذعا على الوزيرة، واعتبر خطوتها موقفا سلبيا وعدائيا تجاه الثقافة الليبية، ووصف بنغازي بأنها “عاصمة ليبيا الثقافية” رغم كل الظروف، متسائلا: كيف لوزيرة ثقافة أن تسعى إلى سحب استحقاق ثقافي من مدينة ليبية بدل الدفاع عن حقها في احتضان العرس العربي؟
لغة الأحرش اتسمت بالحدة، وربما تجاوزت أحيانا الإطار المهني إلى توصيفات شخصية، لكن جوهر اعتراضه لم يكن شخصيا؛ بل تمحور حول مبدأ هل يجوز أن تُقرأ الثقافة بمنظار الاصطفاف السياسي؟
المفارقة أن الإعلان اللاحق من المدير العام لألكسو في الكويت بتثبيت بنغازي عاصمة للثقافة العربية، رغم المراسلة، أظهر أن القرار لم يحُسم لصالح التأجيل، وهو ما كشف عن تباين داخل المشهد الرسمي نفسه، بين توجه فردي عبرت عنه الوزيرة، ورؤية مؤسسية انتهت إلى تثبيت الاستحقاق.

الثقافة بين المصالحة والشرعية
تبرير الوزيرة استند إلى “الظروف الراهنة” والحاجة إلى التركيز على مسار المصالحة الوطنية، ومن حيث المبدأ، لا أحد يختلف على أولوية المصالحة في بلد أنهكته الانقسامات، لكن السؤال المنهجي هل تتعارض الثقافة مع المصالحة أم يمكن أن تكون أداتها؟
التجارب المقارنة في دول ما بعد النزاعات تشير إلى أن الفعاليات الثقافية الكبرى غالبا ما تُستخدم كمنصات لإعادة بناء الثقة، وتثبيت السردية الوطنية الجامعة، واستعادة صورة الدولة في الخارج، فكان يمكن لاحتضان بنغازي للقب عاصمة الثقافة العربية أن يتحول إلى رسالة وحدة؛ مدينة من الشرق تحتفي بها دولة تمثلها حكومة في الغرب، برعاية عربية.
غير أن طلب الإعفاء أو التأجيل عكس قراءة مغايرة، فكأن الثقافة عبء مؤجل إلى ما بعد استقرار السياسة، لا رافعة محتملة له.
هشاشة التخطيط أم أزمة رؤية؟
الجدل لم يتوقف عند البعد الرمزي، بل مس مسألة المصداقية الإدارية، حيث مراسلة تعلن عدم القدرة على المضي في الترتيبات قبل أشهر من الحدث تثير تساؤلات حول مستوى التخطيط والتنسيق بين الوزارة ورئاسة الحكومة، وبين المركز والأطراف.
إذا كانت بنغازي رُشحت واختيرت رسميا، فمن المسؤول عن إعداد الملف، وتأمين الميزانيات، وضمان الشراكات المحلية؟ وهل كان غياب التنسيق وليد لحظة أم نتيجة تراكم إداري؟
الانتقاد هنا لا يخص شخص الوزيرة فحسب، بل يعكس هشاشة مؤسساتية أوسع في إدارة الملفات الكبرى، فالثقافة ليست نشاطا احتفاليا عابرا؛ إنها مشروع طويل الأمد يتطلب رؤية استراتيجية، لا قرارات ارتجالية.
بنغازي كاختبار لفكرة الدولة
في العمق، تكشف هذه الحادثة عن إشكالية أوسع حول من يملك حق تمثيل “ليبيا الثقافية” أمام العالم العربي؟
في بلد يعاني من الانقسام السياسي، وتتشابك فيه الولاءات الجهوية، تصبح كل منصة عربية أو دولية ساحة تنافس على تمثيل الدولة، واختيار مدينة في الشرق، برعاية وزارة في الغرب، كان يمكن أن يكون نموذجا لتجاوز الانقسام، لكنه كاد يتحول إلى دليل إضافي على عمقه.
وهنا يبرز سؤال أخلاقي طرحه كثيرون بحدة، فإلى أي حد يمكن لوزير ثقافة أن يقدم حسابات سياسية ضيقة على صورة وطنه؟ يبدو السؤال صادما، لكنه يعكس شعورا عاما بأن الثقافة ينبغي أن تبقى فوق التجاذبات، لأنها تمثل الذاكرة المشتركة، لا الحكومة القائمة.

ما الذي يعنيه لقب “عاصمة الثقافة العربية”؟
اللقب الذي تمنحه ألكسو ليس مجرد شعار، فهو التزام بتنظيم فعاليات على مدار عام كامل، واستضافة مفكرين وفنانين عرب، وإطلاق برامج للنشر والترجمة وحماية التراث، ويشكل فرصة لتسويق المدينة سياحيا وثقافيا، ولجذب استثمارات في البنية التحتية الثقافية.
وحرمان مدينة من هذا اللقب، أو حتى التلويح بذلك، يرسل إشارات مزدوجة، إلى الداخل بأن الدولة غير متماسكة في قراراتها، وإلى الخارج بأن التزاماتها قابلة للتراجع تحت ضغط الانقسامات.
عمليا لا يمكن إغفال أن وزيرة الثقافة واجهت في فترات سابقة جدلا حول أدائها، بما في ذلك قضايا إدارية وقانونية، لكن تحويل النقاش إلى محاكمة شخصية يختزل المشكلة، فالأهم استخلاص الدرس المؤسسي الذي يتجلى بضرورة تحصين القرارات الثقافية من التسييس، وضمان شفافيتها، وتوسيع دائرة المشاركة في صياغتها.
الثقافة ليست ملكا لوزير، ولا لحكومة، ولا لتيار سياسي، بل للناس الذين يكتبون ويغنون ويرسمون ويديرون المسارح في كل مدن ليبيا، من بنغازي إلى طرابلس، ومن سبها إلى درنة.

امتحان للوعي الوطني
قضية بنغازي لم تعد مجرد خلاف حول موعد احتفالية، فهي اختبار لقدرة النخبة الليبية على الفصل بين السياسي والثقافي، وعلى إدراك أن صورة الوطن في الخارج جزء من معركة استعادة الدولة في الداخل.
إذا كانت المصالحة الوطنية هدفا معلنا، فإن الثقافة هي أحد مساراتها الطبيعية، وإن كانت الدولة تسعى إلى استعادة ثقة مواطنيها وشركائها العرب، فإن الالتزام باستحقاقاتها الرمزية، مثل “عاصمة الثقافة العربية”، جزء من هذه الثقة.
انتهى الجدل، مرحليا، بتثبيت بنغازي عاصمة للثقافة العربية لعام 2026، لكن الأسئلة التي أثارها سيظل صداها حاضرا، فهل نتعامل مع الثقافة كقيمة جامعة، أم كورقة تفاوض؟ وهل ندرك أن الدفاع عن مدينة ليبية في محفل عربي هو، في نهاية المطاف، دفاع عن ليبيا كلها؟
في بلد يبحث عن سردية موحدة، ربما تكون الثقافة، لا السياسة، هي المكان الأصدق لبدء الحكاية من جديد.
بقلم مازن بلال
بعد لقاء سفير روسيا لدى ليبيا.. المبعوث الأممي يقول إنه تم الاتفاق على ضرورة التوصل لتسوية لإجراء الانتخابات
