تتواصل في ليبيا حوادث الحرائق المنزلية التي تودي بحياة أطفال، في مشهد بات يعكس هشاشة إجراءات السلامة داخل البيوت وغياب الرقابة الكافية على مصادر الخطر.
وهذه الحوادث لا تأتي بمعزل عن سياق أوسع من التهديدات التي تطاول الأطفال في البلاد، من بينها مخلفات الحروب وحوادث السير، فضلا عن مؤشرات مقلقة مرتبطة بالصحة النفسية، وسط غياب دراسات وطنية شاملة تقيم حجم الخسائر الاجتماعية والإنسانية.
وأحدث هذه الوقائع سجلت في مدينة الخمس شرقي طرابلس، حيث أعلن المركز الطبي عن وفاة ثلاثة أطفال إثر حريق اندلع داخل منزلهم، في حين استقبل قسم الطوارئ خمسة مصابين، من بينهم الأب الذي نقل إلى العناية المركزة، وبحسب المعطيات الأولية، فإن الحريق نتج عن خلل كهربائي في مدفأة منزلية.
وقبل ذلك بأسابيع، شهدت مدينة البيضاء حادثة مشابهة أودت بحياة أربعة أطفال داخل شقة سكنية، بعد اندلاع حريق في ساعة متأخرة من الليل بسبب عطل في مولد كهربائي منزلي، فيما جرى إسعاف الوالدين إلى المستشفى.
كما سجلت في ديسمبر الماضي وفاة ثلاثة أطفال في طرابلس جراء حريق داخل شقة سكنية، وأفادت الجهات الأمنية حينها بأن السبب يعود إلى تماس كهربائي، وأن الأطفال كانوا بمفردهم داخل المنزل وقت الحادث.
ودفعت هذه الوقائع المتقاربة زمنيا مديرية أمن طرابلس إلى تجديد دعوتها للأسر بضرورة الالتزام بإجراءات السلامة المنزلية، من بينها عدم ترك الأطفال الصغار دون رقابة، وإجراء فحوص دورية للتمديدات الكهربائية، والابتعاد عن تشغيل المدافئ والأجهزة الحرارية قرب المفروشات، وعدم تحميل المقابس فوق طاقتها، إلى جانب تركيب كاشفات الدخان وتجهيز طفايات حريق صالحة للاستخدام، مع التأكيد على أن الإهمال الذي يعرض حياة الأطفال للخطر قد يترتب عليه مسار قانوني.
وفي قراءة اجتماعية لهذه الحوادث، ترى الباحثة في شؤون الأسرة والمجتمع صالحة الساعدي أن تكرار السيناريو نفسه في أكثر من مدينة يكشف عن خلل بنيوي في ثقافة السلامة داخل البيوت، حيث تتحول أجهزة يفترض أنها لخدمة الأسرة، مثل المدافئ والمولدات، إلى مصادر تهديد مباشر لحياة الأطفال، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف الصيانة أو تقادم المعدات.
وتوضح الساعدي أن وقوع بعض هذه الحرائق أثناء نوم الأطفال، أو في ظل غياب الرقابة المباشرة، يبرز حجم القصور في إدارة المخاطر داخل المنزل، مشيرة إلى أن ترك أطفال صغار وحدهم مع أجهزة كهربائية متهالكة يمثل مستوى مضاعفا من الإهمال، ويضع الأسرة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة.
وتؤكد الباحثة أن الظروف الاقتصادية الصعبة لا يمكن أن تكون مبررا للتفريط بسلامة الأطفال، معتبرة أن هذه الحوادث تشكل إنذارا قاسيا للأسر الليبية بضرورة إعادة النظر في سلوكياتها اليومية داخل المنزل، لأن الأطفال في أعمار مبكرة يعتمدون كليا على حماية ذويهم، وأي تقصير قد يقود إلى خسائر لا يمكن تداركها.
وفي سياق أوسع، تشير معطيات دولية إلى أن الأطفال في ليبيا يواجهون مخاطر متعددة، إذ تظهر إحصاءات أممية أن معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بلغ في عام 2023 نحو 31 حالة وفاة لكل ألف مولود حي، فيما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن عشرات الآلاف من الأطفال يعانون من نقص التغذية الحاد، وهي مؤشرات تعكس حجم التحديات الصحية والاجتماعية والبيئية التي تجعل حماية الطفولة أولوية ملحة لا تحتمل التأجيل.
فيضانات الكفرة تزيد من معاناة اللاجئين السودانيين في ليبيا وتفجر أزمة إنسانية
