18 مارس 2026

تجاوز حجم النقد المتداول خارج البنوك في تونس 28 مليار دينار بارتفاع قياسي بسبب اتساع الاقتصاد الموازي والاعتماد على الدفع النقدي في المعاملات اليومية وتراجع استخدام الشيكات وبطء انتشار الدفع الإلكتروني مما يهدد السيولة المصرفية.

تجاوز حجم الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة خارج القطاع البنكي في تونس عتبة تاريخية جديدة، بعد أن تخطّى 28 مليار دينار (9.6 مليارات دولار)، وفق أحدث بيانات صادرة عن البنك المركزي التونسي، في مؤشر على تصاعد اعتماد التونسيين على الدفع النقدي وتوسع الاقتصاد غير المنظم.

ويمثل هذا المستوى رقماً غير مسبوق للسيولة المتداولة خارج المنظومة المصرفية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية متشابكة تشمل ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو واتساع الاقتصاد الموازي.

وتشير البيانات الرسمية المنشورة على موقع البنك المركزي التونسي إلى أن حجم النقد المتداول خارج البنوك واصل الارتفاع تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، غير أن الوتيرة تسارعت بشكل لافت خلال العامين الأخيرين، لتصل إلى أكثر من 28 مليار دينار، ما يثير قلق خبراء الاقتصاد بشأن تقلص السيولة داخل البنوك وإضعاف قدرتها على تمويل الاستثمار والاقتصاد الحقيقي.

في السياق، يرى الخبير المالي معز حديدان أن تضخم الكتلة النقدية خارج المصارف يعكس تغيراً في السلوك المالي للتونسيين، مع تزايد إقبال الأفراد والتجار على الاحتفاظ بالأموال نقداً بدلاً من إيداعها في الحسابات البنكية.

ويتزامن هذا الارتفاع مع ذروة الاستهلاك خلال شهر رمضان، وهي فترة تشهد عادة زيادة كبيرة في التداول النقدي، حيث تسهم المواسم الاستهلاكية الكبرى في ارتفاع التداول النقدي نتيجة زيادة نفقات الأسر، وتُنجز نسبة مهمة من المعاملات نقداً، خصوصاً في الأنشطة التجارية الصغيرة والأسواق غير المنظمة.

ويضيف حديدان أن الأسواق خلال هذه الفترة تعتمد بشكل كبير على الدفع النقدي، ما يعزز خروج السيولة من النظام البنكي، في ظل غياب آليات دفع بديلة داخل الفضاءات التجارية الشعبية.

غير أن الاستهلاك الموسمي لا يفسر وحده هذا الارتفاع، إذ يؤكد حديدان أن اتساع الاقتصاد الموازي يمثل أحد أبرز الأسباب الهيكلية لتضخم الكتلة النقدية المتداولة، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الاقتصاد غير المنظم في تونس يمثل ما بين 30% و40% من الناتج المحلي، وهو قطاع يعتمد غالباً على الدفع نقداً لتجنب التتبع الجبائي والإجراءات الإدارية، ويشمل أنشطة متعددة مثل التجارة الموازية والأسواق غير المنظمة وبعض الخدمات الصغيرة.

وفي سياق متصل، يشير حديدان إلى أن تراجع استخدام الشيكات في المعاملات التجارية خلال العام الأخير أدى إلى تحول جزء مهم من العمليات نحو النقد، حيث يفضل العديد من التجار والموردين التعامل نقداً لتجنب المخاطر القانونية المرتبطة بهذه الوسيلة، خاصة مع بداية تطبيق إجراءات مشددة على استعمال الشيكات في تونس منذ 2025.

كما يرى الخبير أن بطء انتشار وسائل الدفع الإلكترونية ساهم في استمرار الاعتماد الكبير على النقد، إذ لا يزال استخدامها محدوداً مقارنة بعديد الدول، خاصة في المعاملات اليومية والأسواق الشعبية التي تفتقر إلى بنية الدفع الرقمي.

تحمل هذه الظاهرة تداعيات مباشرة على السياسة النقدية في البلاد، إذ يؤدي ارتفاع حجم الأموال المتداولة خارج الجهاز البنكي إلى تقليص السيولة المتاحة داخل البنوك، ما يحد من قدرتها على تمويل الاقتصاد ويزيد من صعوبة تتبع حركة الأموال ومكافحة التهرب الضريبي والأنشطة غير القانونية.

ويؤكد الخبراء أن الحدّ من هذه الظاهرة يتطلّب إصلاحات شاملة، تشمل تطوير وسائل الدفع الرقمية وتعزيز الإدماج المالي ومكافحة الاقتصاد الموازي وإعادة بناء الثقة في القطاع البنكي.

كارثة بيئية تهدد شواطئ المنستير في تونس

اقرأ المزيد