بين سلطة تسعى لإعادة تشكيل نفسها، ومؤسسات تشكك في أصل شرعيتها، ألقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، حجراً جديداً في مياه السياسة الليبية الراكدة، معلناً عزمه إجراء تعديل وزاري “قريباً” لسد الشواغر وضخ “دماء جديدة” في حكومته.
الإعلان لم يأت في فراغ؛ بل تزامن مع خطاب اقتصادي حمل فيه “الإنفاق الموازي” مسؤولية تدهور سعر الصرف وارتفاع الأسعار، وجدد خلاله وعده بانتخابات شاملة تنهي الأجسام القائمة، وما يبدو ظاهرياً خطوة إدارية لمعالجة فراغ حكومي واسع، يخفي وراءه سؤالاً أكثر إلحاحاً، فهل يملك رئيس الحكومة أصلا ًسلطة إعادة تشكيلها، أم أن التعديل المرتقب سيكشف مجدداً أزمة الشرعية التي تطارد السلطة التنفيذية منذ سحب الثقة البرلمانية عام 2022؟
الإطار القانوني: صلاحية مقيدة وسياق متغير
حكومة الوحدة الوطنية نالت ثقتها من مجلس النواب عام 2021 باعتبارها سلطة انتقالية تقود البلاد نحو الانتخابات، لكن المجلس نفسه أعلن في 2022 سحب الثقة منها، معتبراً أنها تجاوزت ولايتها وتعذر عليها إنجاز الاستحقاق الانتخابي، ومن الناحية الإجرائية، تعيين الوزراء تم أصلاً عبر تصويت برلماني، وأي تعديل جوهري يفترض، وفق الأعراف الدستورية المقارنة، العودة إلى الجهة التي منحت الثقة.

من هذا المنظور فإن تعيين وزراء جدد من طرف واحد، دون عرضهم على مجلس النواب، يضعهم في خانة “مسؤولي الأمر الواقع” لا “المسؤولين بحكم القانون”، والفارق هنا ليس شكلياً؛ إذ يمس قابلية القرارات للطعن، ويؤثر في العلاقة مع الأجهزة الرقابية والقضاء، ويضاعف هشاشة البنية التنفيذية في دولة تعاني أصلا ًمن ازدواجية السلطة منذ 2014.
حكومة بشواغر تقارب 70%… عجز إداري أم أزمة شرعية؟
الواقع داخل الحكومة يعكس تفككاً متراكماً، فعقب سحب الثقة في 2022، غادر عدد من الوزراء مواقعهم، والتحق بعضهم بالحكومة المكلفة من البرلمان، وفي ربيع العام الماضي، دفعت موجة احتجاجات واسعة في طرابلس ومدن أخرى إلى استقالات إضافية، بينما طالت التحقيقات والتوقيفات بعض المسؤولين، وتشير تقديرات متقاطعة إلى أن نحو 70% من الحقائب تعاني شغوراً فعلياً أو تُدار بالوكالة.

الإدارة بالوكالة لفترات طويلة تُضعف المساءلة، وتخلق تداخلاً في الاختصاصات، وتفتح الباب أمام قرارات بلا سند سياسي واضح، لكن ملء هذه الشواغر بتعيينات أحادية لا يحل المعضلة؛ بل ينقلها من أزمة كفاءة إلى أزمة مشروعية، ويُعرض القرارات التنفيذية لمزيد من التشكيك.
خطاب اقتصادي هجومي… واتهام “الإنفاق الموازي”
في خطابه الأخير، أقر الدبيبة بأن البلاد تدخل رمضان تحت ضغط اقتصادي خانق، وأن الإجراءات لمعالجة تراجع العملة “غير كافية” ما لم تُعالج الجذور، وحدد “الإنفاق الموازي خارج الميزانية” باعتباره “السبب الرئيسي والوحيد” للأزمة، كاشفاً أن حجمه تجاوز 303 مليارات دينار وأُقر كدين عام، وأن تغيير سعر الصرف جاء لسداد هذا الدين، وأضاف أن 70 مليار دينار صُرفت كإنفاق مواز في 2025، بينما القدرة الفعلية للدولة لا تتجاوز 10 مليارات، واعتبر ذلك “كارثة حقيقية”.
كما أعلن التوصل إلى اتفاق مالي بين مجلسي النواب والدولة برعاية مصرف ليبيا المركزي، موجهاً الشكر للولايات المتحدة على دورها في تسهيله، وينص على منح المصرف المركزي حق تحديد سقوف الإنفاق في باب التنمية وفق القدرة المالية.

هذا السرد يصطدم بانتقادات واسعة من بلديات ومسؤولين محليين في الشرق، الذين يشيرون إلى أن الإنفاق العام خلال السنوات الخمس الماضية تجاوز 500 مليار دينار دون انعكاس ملموس على الخدمات، وأن اعتمادات المصرف المركزي في 2025 تخطت 26 مليار دولار وسط شبهات تتعلق بآليات الصرف وتأثيرها على سعر الصرف، ويؤكدون أن المشاريع المنفذة في الشرق والجنوب تمثل “حقوقاً أصيلة” أسهمت في تحسن محدود لبعض مؤشرات النمو.
المعضلة هنا أن الدبيبة يقدم أرقاماً كبرى لتدعيم روايته، بينما تغيب منصة شفافة جامعة لعرض البيانات المفصلة، وتفكيك بنود الإنفاق، وتمييز ما هو “مواز” عما هو “معتمد”، وما هو تنموي حقيقي عما هو إنفاق جار، في غياب هذه الشفافية، يتحول الاقتصاد إلى ساحة سجال سياسي، وتصبح الأرقام أدوات تعبئة لا أدوات مساءلة.
ردود فعل حادة… من البلديات إلى الشارع
بيانات بلديات بنغازي والمرج وأجدابيا اتسمت بلهجة غير مسبوقة في حدتها، متهمة الحكومة بإهدار المال العام، وبأن الإنفاق الضخم لم ينعكس في مشاريع “حقيقية وملموسة”، وبعضها ذهب إلى التحذير من مخاطر الإفلاس إذا استمر النهج القائم، كما طُرحت تساؤلات حول أثر السياسات المالية والنقدية في الضغط على الدينار ورفع تكلفة الاستيراد.

اللافت أن النقد لم يقتصر على الخصوم التقليديين للحكومة؛ بل شمل أصواتاً من طيف سياسي أوسع، ما يعكس تآكلاً في هامش المناورة، وفي هذا السياق السياسي تبدو أي تعيينات جديدة خطوة محفوفة باحتمال تعميق الانقسام، لا تجسيره.
عملياً يستند الدبيبة إلى استمرار تعامل بعض الأطراف الدولية مع حكومته بوصفها سلطة قائمة في طرابلس، غير أن الشرعية الدولية الإجرائية لا تُغني عن الشرعية الدستورية الداخلية، والتجربة الليبية خلال العقد الماضي تُظهر أن الازدواجية بين اعتراف خارجي ومنازعة داخلية تولد شللاً مؤسسياً، وتُبقي الدولة رهينة موازين قوى متقلبة.
الانتخابات كأفق… أم كرافعة خطابية؟
جدد رئيس الحكومة منتهية الولاية التزامه بإجراء انتخابات شاملة تنهي الأجسام الحالية، مؤكداً ضرورة قوانين عادلة قابلة للتطبيق، لكن الدعوة للانتخابات، في ظل استمرار الخلاف على القواعد الدستورية وتوزيع الصلاحيات، تبدو حتى الآن وعداً سياسيا ًأكثر منها خطة تنفيذية محددة بجدول زمني ومعالم قانونية واضحة، التعديل الوزاري، في هذا السياق، يُقرأ كمحاولة لتثبيت نفوذ مراكز القوى في طرابلس قبل تسوية محتملة.

وتضمن الخطاب رسالة لأنصار النظام السابق، تحدث فيها عن إطلاق سراح من أنهى مدة حكمه أو سُجن ظلماً، وعن جبر الضرر ورد المظالم، والإشارة إلى التعاطي مع ملف اغتيال سيف الإسلام القذافي وتوفير بيئة آمنة لإقامة الجنازة والعزاء، وهذه الرسالة تحمل دلالات رمزية تهدف إلى توسيع قاعدة القبول الاجتماعي، لكنها في الوقت ذاته تثير حساسيات في معسكرات أخرى، ما يعكس صعوبة إدارة توازنات ذاكرة الصراع.
ترميم إداري أم مقامرة سياسية؟
تبدو خطوة التعديل الوزاري، في ظل سحب الثقة البرلمانية ونسبة شواغر تقارب 70% وبيئة احتجاجية متوترة، أقرب إلى مقامرة سياسية عالية المخاطر، فملء الفراغ الإداري حاجة ملحة، لكن شرعية التعيين هي ما يمنح القرار التنفيذي وزنه وقابليته للاستمرار.

إذا مضى الدبيبة في التعيين دون غطاء تشريعي، سيجد الوزراء الجدد أنفسهم أمام طعون محتملة، وعلاقة ملتبسة مع الأجهزة الرقابية، وشرعية منقوصة في أعين الجزء الأكبر من الطيف السياسي، أما إذا اختار مساراً تفاوضياً يفضي إلى تسوية مع مجلس النواب أو إلى إطار قانوني متفق عليه، فيتحول التعديل إلى مدخل لإعادة ضبط العلاقة بين السلطات.
السؤال الجوهري ليس من سيُعين، بل بأي سند سيحكم، ففي دولة تبحث منذ أكثر من عقد عن استعادة معنى الدولة، لا يكفي ملء الكراسي الشاغرة؛ المطلوب ملء فراغ الشرعية، وبين خطاب يحمل “الإنفاق الموازي” أصل الأزمة، وبيانات بلديات تتحدث عن نصف تريليون دينار بلا أثر ملموس، تبقى الحقيقة رهينة شفافية مفقودة ومؤسسات منقسمة.
بقلم: نضال الخضري
البنك الدولي: 22% من سكان ليبيا تضرروا من الفيضانات
