04 مارس 2026

التوتر بين السودان وإثيوبيا تجدد بعد اتهامات رسمية لأديس أبابا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق مسيّرات تابعة للدعم السريع استهدفت مدناً سودانية، ما أدّى إلى تصعيد سياسي وأمني غير مسبوق بين البلدين.

وظلّت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا، على امتداد عقود، محكومة بملفات شائكة ومعقّدة، في مقدمتها النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة، وقضايا مياه النيل، والتداعيات المرتبطة بسدّ النهضة الإثيوبي، إلى جانب تبادل اتهامات مزمن بالتدخل في الشؤون الداخلية ودعم حركات مسلحة معارضة.

وخلال الشهر الماضي، بلغ التوتر ذروته قبل أن يطفو علناً مع مطلع الشهر الحالي، عقب بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية السودانية، اتهم إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق طائرات من دون طيار تابعة لقوات الدعم السريع، ووصفت الخطوة بأنها عدوان صريح وانتهاك مباشر للسيادة الوطنية، محذّرة من تداعيات خطيرة على مسار العلاقات الثنائية.

ويمثل هذا الاتهام حلقة جديدة في مسار تصاعدي من التوتر، يعود إلى أحداث الفشقة والصدام العسكري الذي وقع في يونيو 2022 بين الجيش السوداني وقوات شبه نظامية موالية للجيش الإثيوبي، في واحدة من أخطر المواجهات الحدودية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.

وترى دوائر نافذة في السلطة السودانية ببورتسودان أن تراكمات سياسية وأمنية معقّدة دفعت بإثيوبيا إلى التحول إلى ما يشبه حلقة ضمن حلقات الحرب السودانية، وساحة خلفية يُعتقد أنها تُستخدم لانطلاق المسيّرات وتدريب المقاتلين، فضلاً عن احتضان لقاءات وتحركات سياسية وُصفت بالمثيرة للجدل.

ويستحضر هذا التصعيد جذوراً تاريخية عميقة في العلاقة بين البلدين، تعود إلى محطات مفصلية أسست لقدر كبير من الشك وانعدام الثقة، من بينها تداعيات محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وهي الحادثة التي دشّنت مرحلة جديدة من التوترات الإقليمية كان السودان وإثيوبيا في قلبها.

وفي السياق الراهن، تصاعد غضب السلطة السودانية عقب استقبال أديس أبابا لقائد قوات الدعم السريع في ديسمبر 2023، وهي خطوة عُدّت خروجاً عن الحياد المفترض.

وتضاعف هذا الغضب مع استضافة العاصمة الإثيوبية، في يناير 2024، اجتماعات ضمّت قوات الدعم السريع وتحالف القوى المدنية الديمقراطية، وتوقيع رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو ما عُرف بـ”إعلان أديس أبابا”.

كما زادت حدة التوتر مع احتضان العاصمة الإثيوبية سلسلة أنشطة ولقاءات سياسية ومدنية على صلة بالصراع السوداني، وهو ما اعتبرته دوائر رسمية سودانية انحيازاً غير معلن وتدخلاً مباشراً في مسار الأزمة الداخلية.

وفي خضم هذا المناخ المشحون، أعادت إثارة “ملف المسيّرات” إلى الواجهة اتهامات قديمة ومتجددة لأديس أبابا بالتدخل في الشأن السوداني وتقديم دعم لوجيستي وأمني لقوات الدعم السريع.

ومنذ مطلع العام الماضي، تداول نشطاء معلومات غير موثقة عن وجود معسكرات تدريب للقوات داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تكتسب هذه الروايات بعداً أوسع مع تقارير إعلامية دولية.

وفي هذا الإطار، نشرت رويترز في 10 فبراير الماضي تحقيقاً أفادت فيه بأن إثيوبيا تستضيف معسكرات لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع قرب الحدود السودانية، مستندة إلى مصادر متعددة وتحليل صور أقمار اصطناعية أظهرت بنية تحتية عسكرية وتحركات مكثفة للآليات وعمليات نقل منتظمة لجنود.

ورغم خطورة ما ورد في التحقيق، لم يصدر عن إثيوبيا نفي رسمي مباشر، فيما ألمح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى وجود مشروع “تعدين” كبير في المنطقة الحدودية، وهو تفسير لم ينجح، وفق مراقبين، في تبديد الشكوك لدى الخرطوم.

بالتوازي مع التصعيد الدبلوماسي، عادت رقعة القتال للاشتعال في ولاية النيل الأزرق، الولاية الحدودية المحاذية لإثيوبيا وجنوب السودان، بعد أشهر من الخمود النسبي. وسرعان ما تحولت الولاية إلى إحدى أبرز جبهات المواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وشهدت مناطق متفرقة اشتباكات عنيفة تبادل خلالها الطرفان السيطرة والنفوذ، في تحول لافت نقل الإقليم من محور قتالي “خامد” إلى مركز عمليات “نشط”، لا سيما في محيط الكرمك، التي اكتسبت أهمية استراتيجية مضاعفة لقربها الجغرافي من الحدود الإثيوبية.

ويرى مراقبون أنه في حال ثبوت صحة الاتهامات بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية كنقاط انطلاق للمسيّرات، فإن العامل الجغرافي سيُحدث تحولاً نوعياً في معادلة الصراع، إذ سيؤدي إلى تقصير خطوط الإمداد لقوات الدعم السريع مقارنة بإمدادات سابقة كانت تنطلق من أقصى غرب السودان، حيث كانت المسيّرات تقطع آلاف الكيلومترات لتنفيذ هجماتها.

وأما في الوضع الجديد، فستصبح خطوط الإمداد أقصر وأكثر مرونة، ما يمنح القوات أفضلية لوجيستية محتملة في هذا المسرح القتالي.

ويعكس الاتهام السوداني المباشر، وفق تقديرات سياسية، انتقال العلاقة بين البلدين إلى مرحلة تُدار فيها الملفات بأدوات أمنية صِرفة، مع تزايد النظر إلى البعد الأمني باعتباره امتداداً لصراعات قديمة ومتجددة.

وكما دعمت أديس أبابا تاريخياً فصائل سودانية معارضة في مراحل مختلفة، لم تكن الخرطوم بعيدة عن دعم معارضات إثيوبية، سواء في سياق صراعات إقليمية أو عبر مساندة قوى داخلية مناوئة للحكومات المتعاقبة في أديس أبابا.

وفي هذا السياق، يرى الناشط السياسي محمد موسى أن الاتهام السوداني، رغم صراحته وحدّته، يفتقر إلى العناصر الفنية التي تحوّله من موقف سياسي إلى ملف قانوني قابل للمساءلة الدولية.

ويقول إن بيان وزارة الخارجية، بصيغته المنشورة، لا يتضمن تفاصيل تقنية تتعلق بعدد المسيّرات أو مساراتها أو مواقع سقوط حطامها أو غيرها من المعطيات الفنية، ما يجعله أقرب إلى تصعيد سياسي منه إلى قضية قابلة للتدويل.

ويضيف أن تحقيق “رويترز”، على أهميته الإعلامية، استند إلى مصادر وصور أقمار اصطناعية يمكن النظر إليها بوصفها قرائن، لكنها لا ترقى إلى مستوى الأدلة الرسمية القاطعة.

مصر والسودان يتفقان على تعزيز التعاون لحماية حقوقهما المائية

اقرأ المزيد