في الحرب مع إيران، لا تكمن المسألة الأساسية في عدد الصواريخ التي أطلقت، ولا في حجم الدمار الذي أُعلن عنه، بل في سؤال أعمق في من يملك تعريف نهاية الحرب؟ هنا تحديداً تتكشف الفجوة بين واشنطن وتل أبيب.
تتصرف إدارة دونالد ترامب، حتى الآن بعقلية “الضغط من أجل صفقة” وتبحث عن هدنة قابلة للتسويق داخلياً بوصفها “نصراً”، أما إسرائيل تبدو أقرب إلى منطق “الحرب المفتوحة” التي لا تقاس بنتائجها الفورية، بل بقدرتها على تحويل إيران إلى خصم مستنزف ومقيد لسنوات، وهذا الأمر ليس انطباعاً سياسياً، بل نتيجة تظهر نتيجة تقاطع المعطيات الميدانية والسياسية خلال يومي 8 و9 أبريل 2026.
تشير آخر المستجدات إلى أن الهدنة الأميركية-الإيرانية دخلت طوراً شديد الهشاشة، فواشنطن وطهران تمضيان نحو محادثات في إسلام آباد بعد وساطة باكستانية شاقة كادت تنهار في اللحظة الأخيرة، فيما أبقت إدارة ترامب قواتها وسفنها وطائراتها “في الجوار”، مع تهديد صريح بالعودة إلى القتال إذا رأت أن إيران لا تلتزم بالتفاهمات.
أما مضيق هرمز فلا يزال موضع شد وجذب، مع حديث عن إعادة فتح جزئية ومقيدة للملاحة، واعتراضات أميركية ودولية على أي محاولة إيرانية لتحويل المرور فيه إلى أداة جباية وسيادة قسرية، ما يعني أن الهدنة ليست تسوية نهائية، بل تجميد مؤقت لمعركة لم يحسم معناها بعد.

المزاج الأميركي: من نشوة القوة إلى حسابات الكلفة
تبدو تقلبات المزاج العسكري الأميركي أقل ارتباطاً بعقيدة استراتيجية ثابتة، وأكثر التصاقاً بثلاثة أمور ضاغطة من الكلفة، والرأي العام، والوقت السياسي، فترامب انتقل، خلال أسابيع قليلة، من خطاب التدمير الساحق إلى خطاب الإنجاز والهدنة؛ من لغة الحرب الحاسمة إلى لغة الاتفاق المشروط.
هذا التحول ليس مبدئياً إنما انعكاس لإدراك متزايد بأن الحرب السريعة التي روجت بالداخل الأميركي انتهت، وأن الضربات لم تنتج حلاً نهائياً، وأن إطالة أمد القتال ترفع فاتورة الوقود، وتستنزف الجاهزية، وتفتح باب الأسئلة حول الهدف الحقيقي.
حتى داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، تم إقالة الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأميركي ( (Army Chief of Staff، في2 أبريل 2026، والسبب المعلن للإقالة لم يُقدَّم رسمياً، لكن التقارير وصفتها كجزء من هزة قيادية واسعة داخل البنتاغون خلال الحرب.
وظهرت نبرة مزدوجة بعد الهدنة، فوزير الدفاع بيت هيغسيث يتحدث بلغة نصر صاخب، بينما جاء خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين أكثر حذراً، وركز على أن الهدنة ليست خاتمة، وأن الخسائر ربما تتواصل.
الأهم من ذلك أن المزاج الشعبي الأميركي لا يساند حرباً طويلة، حيث أظهر استطلاع Ipsos في مارس أن 58% من الأميركيين يعارضون الضربات العسكرية على إيران مقابل 38% يؤيدونها، فيما أظهر استطلاع YouGov المنشور في 7 أبريل أن 53% يعارضون الحرب مقابل 34% فقط يؤيدونها، كما بينت استطلاعات أخرى أن الاعتراض يتصاعد بوضوح عندما تطرح مسألة القوات البرية أو ارتفاع أسعار الوقود.
هذه ليست مجرد خلفية للرئيس الأميركي؛ إنها قيد مباشر على قراره، فواشنطن تستطيع بدء الحروب بقوة النار، لكنها تحتاج في الأنظمة الديمقراطية إلى حد أدنى من الشرعية الاجتماعية كي تطيلها، وهذا الحد الأدنى يتآكل بوضوح.

إسرائيل لا تبحث عن هدنة… بل استنزاف طويل
من هنا يمكن فهم لماذا تبدو إسرائيل، أكثر من الولايات المتحدة، الطرف المستفيد من تمديد الصراع، فتل أبيب لا تنظر إلى الحرب الجارية باعتبارها مجرد حملة ردع ضد برنامج نووي أو صاروخي، بل باعتبارها فرصة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية كلها باستنزاف إيران وتقليم أذرعها، وفرض مناطق عازلة في الجبهات المحيطة، وتكريس فكرة أن الصراع مع المحور الإيراني صراع بنيوي لا تسوية نهائية له.
استخدمت رويترز تعبير “حرب إلى الأبد” لوصف الاتجاه الإسرائيلي الراهن، وربطت ذلك بتوسيع عقيدة المناطق العازلة في غزة وسوريا ولبنان، وهذا التوصيف يوضح أن إسرائيل لا تتعامل مع الهدنة الأميركية-الإيرانية كفرصة إطفاء، بل كاستراحة تكتيكية تسمح بإدامة الضغط في ساحات أخرى، ولا سيما لبنان.
إسرائيل شنت، بالتوازي مع إعلان الهدنة، ضربات كثيفة على بيروت ومناطق لبنانية أخرى، فيما قالت واشنطن إن لبنان ليس جزءاً من اتفاق التهدئة مع إيران، بينما أصرت أطراف أخرى، بدرجات مختلفة، على أن أي وقف نار ذي صدقية لا يمكن أن يتجاهل لبنان.
هذه النقطة تكشف جوهر المشكلة، فإسرائيل تحاول توسيع تعريف الحرب حين يناسبها، وتضييق تعريف الهدنة حين يفرض عليها الحليف الأميركي إيقاعاً مختلفاً، فتسعى عملياً إلى إبقاء أسباب الانفجار الإقليمي حية، حتى لو كانت واشنطن تميل إلى تبريد الجبهة المباشرة مع طهران.

صفقة أميركية مقابل حرب إسرائيلية مفتوحة
الخلاف بين الحليفين ليس على المبدأ العام، بل على سقف الحرب ووظيفتها ونقطة الخروج منها، فالولايات المتحدة تريد “مخرجاً استراتيجياً” يحفظ ماء الوجه، أما إسرائيل فتريد إطالة زمن الاستنزاف حتى تفرغ إيران من قدرتها على استعادة المبادرة.
إسرائيل فوجئت بمسار الهدنة، وكانت تضغط لاستمرار الحرب، لكنها اضطرت في النهاية إلى مجاراة القرار الأميركي، من دون أن تتخلى عن منطقها الأصلي القائم على مواصلة الضرب في الساحات المتصلة بإيران.
ليست إسرائيل بصدد جر أميركا إلى حرب واحدة فحسب، بل إلى بيئة حرب مزمنة تصبح فيها الولايات المتحدة الضامن العسكري والسياسي لنتائج لا تتحكم هي وحدها في تعريفها.

إيران بين سردية الصمود وحسابات الحذر
قراءة إيران للمرحلة تبدو مزدوجة، فهي تريد تثبيت رواية أنها صمدت وأجبرت واشنطن على القبول بوقف النار، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع العروض الأميركية بكثير من الارتياب، وترى في بقاء القوات الأميركية حولها، وفي استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، دليلاً على أن الهدنة ربما تكون مجرد إعادة تموضع لا أكثر.
تتمسك طهران بأوراق الضغط الأكثر إيلاماً عبر مضيق هرمز، والملف النووي، وشبكة النفوذ الإقليمي، ومن هذه الزاوية، فإن أي حديث أميركي عن “نصر كامل” يبدو مبكراً ومبالغاً فيه؛ لأن عناصر الاشتباك الأساسية لم تحسم بعد، بل أرجئت.

هل استعادت واشنطن عجلة القيادة أم ما تزال تتحرك بإيقاع تل أبيب؟
الاستنتاج الأهم أن المزاج العسكري الأميركي لم يعد يتحرك صعوداً على خط مستقيم، بل يتأرجح بين استعراض القوة والبحث عن مخرج، وهذا التذبذب ليس علامة براغماتية فقط، بل علامة مأزق، فحين تزداد الخسائر البشرية، وتبقى الأسواق عصبية، ويستمر النفط عاملاً ضاغطاً على الداخل الأميركي، يصبح من الصعب على أي إدارة أن تشرح لماذا يجب تحويل هدنة هشة إلى حرب أطول.
في المقابل، كلما شعرت إسرائيل بأن واشنطن تميل إلى التسوية، تندفع لتوسيع ساحات النار كي تجعل العودة إلى التهدئة أكثر كلفة سياسياً وأمنياً، وهنا تكمن محاولة “إدخال الأميركيين” في صراع طويل الأمد، ليس عبر قرار علني واحد، بل عبر هندسة بيئة تجعل الانسحاب الأميركي يبدو هزيمة، فيما يصبح البقاء تورطاً مفتوحاً.

هدنة رخوة فوق برميل بارود
ما تطرحه الوقائع هي أن التحالف الأمريكي – الإسرائيلي هو شراكة حرب بأهداف متفاوتة، واشنطن تريد صفقة من موقع قوة، أما إسرائيل فتسعى لاستنزاف من دون سقف واضح، أما إيران فتقوم بتحويل الصمود إلى نفوذ تفاوضي.
المنطقة كلها تدفع الثمن، والهدنة الحالية ليست نهاية جولة، بل اختبار لما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة فعلاً على استعادة عجلة القيادة من إسرائيل، أم أنها ستظل تتحرك داخل إيقاع تفرضه تل أبيب كلما اقتربت لحظة التسوية، وهذا السؤال الذي سيحدد ليس فقط مصير الحرب مع إيران، بل شكل الشرق الأوسط في الأشهر المقبلة.
بقلم نضال الخضري
الخارجية المصرية تهاجم إسرائيل: تسببتم بأزمة إنسانية غير مسبوقة
