في المشهد الليبي المضطرب، يبرز اسم الصادق الغرياني بوصفه أحد أكثر الشخصيات الجدلية التي تعود إلى الواجهة مع كل تحول أمني أو سياسي، فمنذ 2011، انتقل من موقع ديني تقليدي إلى فاعل سياسي مؤثر في مسار الصراع.
يرافق هذا الدور اتهامات بتوفير غطاء ديني لشبكات مسلحة، بعضها ارتبط بتنظيمات مصنفة إرهابية، أما في قراءة صورته داخل المشهد الليبي المنقسم، فيتبدى الغرياني كأحد أكثر الأصوات إثارة للجدل، فبينما يراه أنصاره مرجعية “ثورية” مناوئة للمسار العسكري وامتدادا لشرعية ما بعد 2011، يراه خصومه واجهة دينية لتيار إسلامي متشدد، يتقاطع خطابه ومحيطه السياسي مع جماعات راديكالية، وعلى رأسها تنظيم داعش، ما جعله محورا دائما للصراع بين سرديتين متناقضتين حول الدين والدولة والأمن في ليبيا.
اتهامات متراكمة لا تنفصل عن السياق
ليست الاتهامات الموجهة إلى الغرياني وليدة لحظة راهنة، بل تعود إلى سنوات صعود الإسلام السياسي المسلح في غرب ليبيا، وما يميز الاتهامات الأخيرة التي تفجرت في خريف العام الماضي ثم تجددت مطلع 2026، انتقالها من مستوى “الخطاب التحريضي” إلى الحديث عن شبكات وأسماء وممرات، وعن بنية تنظيمية محتملة لا تقتصر على الفتوى أو التأثير المعنوي.

في الخريف الماضي، أثير جدل واسع عقب طلب الغرياني من رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، الإفراج عن نحو أربعين موقوفا، وصفهم في تسجيل صوتي بـ”الخراف البريئة”، لكن معطيات أمنية وإعلامية لاحقة أفادت بأن عددا من هؤلاء ينتمون إلى تنظيمي داعش والقاعدة، أو سبق لهم القتال ضمن تشكيلات جهادية، ورغم غياب قرار قضائي علني يثبت هذه الصلات بشكل قاطع، إلا أن الحادثة أعادت فتح ملف العلاقة بين دار الإفتاء السابقة وشبكات العنف العابر للحدود.

حديث عن خلايا نائمة وغطاء شبه رسمي
ظهرت أهم حلقات هذه المسألة في تحذيرات الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية أسامة الشحومي من مخاطر إعادة تنظيم داعش ترتيب صفوفه داخل ليبيا، حيث تحدث عن “خلايا نائمة” تنشط تحت واجهات شبه رسمية، وعلى رأسها الصادق الغرياني.
وأشار الشحومي إلى تورط شخصيات أمنية وعسكرية نافذة في تعزيز هذا المسار، مثل محمود حمزة رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، و”محمود بن رجب” قائد اللواء 52، معتبرا أنهما مقربان من الجماعة الليبية المقاتلة، واتهم وليد عمار، القائم بأعمال السفارة الليبية في سوريا، بالعمل على استقدام عناصر من فصائل سورية متشددة للانخراط مع ميليشيات في غرب البلاد.

ولفت إلى مشكلة جهاز “مكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة” بقيادة مختار الشحاوي، مشيرا إلى دور فعلي لشخص يدعى محمد اغليو في هذا الجهاز وارتباطه بالداعية الإسلامي “علي الصلابي”، ما يؤثر بشكل كبير على الأداء العام في مكافحة الإرهاب، حيث حذر من مخاطر بناء أجهزة أمنية مؤدلجة عبر الاستقطاب المالي ومنح الغطاء الرسمي.
توضح تصريحات الشحومي التأثير المباشر للشخصيات الإسلامية على المؤسسات عموما، خصوصا أن هذه الرموز الدينية تعتبر من الشخصيات الخلافية التي تتباين الآراء حولها، مما يزيد من الارتباك في الأداء العام للمؤسسات الدينية.
توقيف أيمن حمزة: تفصيل أم مؤشر؟
جاء توقيف أيمن حمزة في مطار معيتيقة ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، فأيمن هو شقيق محمود حمزة، آمر اللواء 444 قتال ومدير الاستخبارات العسكرية التابعة لحكومة الدبيبة، وبحسب ما أعلن رسميا، فإن التوقيف تم بناء على حكم غيابي سابق وضمن إجراءات قانونية روتينية.

عمليا لا توجد صلة مباشرة بين القضية والاتهامات المتعلقة بالغرياني أو الخلايا المتشددة، لكن سياسيا وإعلاميا، يصعب فصل الحدث عن المناخ العام من شبكات وقرابة ونفوذ أمني وغموض في طبيعة التهم، ففي دول مستقرة، ينظر إلى الأمر كإجراء قضائي عادي، أما في ليبيا، فهو يقرأ بوصفه مؤشرا إضافيا على هشاشة الحدود بين الشخصي والمؤسسات، وبين القانوني والسياسي.
“خلايا نائمة” أم اتهام سياسي؟
المدون والباحث السياسي أسامة الشحومي ذهب أبعد من ذلك، متحدثا صراحة عن “خلايا نائمة لتنظيم داعش تنشط تحت واجهات شبه رسمية، على رأسها الصادق الغرياني”، وسمى شخصيات أمنية وعسكرية، وأشار إلى جهاز رسمي لمكافحة الإرهاب، وبين أنه يعاني من “تديين بنيوي” واستقطاب مؤدلج، فضلا عن تسهيلات مزعومة لنقل مقاتلين سوريين متشددين عبر قنوات دبلوماسية وسفر غير منضبطة.

مهنيا، لا يمكن التعامل مع هذه التصريحات كحقائق نهائية، فهي اتهامات سياسية–إعلامية لم تدعم إلى الآن بتحقيق قضائي مستقل أو ببيانات صادرة عن جهات دولية موثوقة، لكن تجاهلها بالكامل بدعوى غياب الدليل القضائي لا يقل خطورة، لأن التجربة الليبية منذ 2011 أظهرت أن كثيرا من “الشائعات” تحولت لاحقا إلى وقائع مثبتة بعد فوات الأوان.
الغرياني و”داعش”: علاقة ملتبسة لا تطابق تنظيمي
من المهم هنا الفصل بين العلاقة التنظيمية والعلاقة الوظيفية أو البيئية، فلا توجد حتى الآن، أدلة موثقة دوليا تثبت أن الغرياني عضو في تنظيم داعش أو جزء من قيادته، كما لم تدرجه الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة ضمن قوائم قادة التنظيم، في المقابل لا يمكن إنكار أن خطابه خلال سنوات الفوضى، وفتاواه السياسية الحادة، أسهما في خلق بيئة رمادية استفادت منها جماعات متشددة، سواء داعش أو غيره.

هذا ما يفسر عبارة النائب علي التكبالي حين قال:”لا اختلاف بين الغرياني وتنظيم داعش”، وهي عبارة سياسية مكثفة تعبر عن موقف خصومي، لا عن توصيف قانوني دقيق، لكنها تعكس إدراكا واسعا بأن الخطر لا يكمن دائما في الانتماء المباشر، بل في الوظيفة السياسية للخطاب الديني.
سرت 2016… درس لم يستوعب
العودة إلى معركة سرت ضد داعش عام 2016 تكشف جانبا آخر من الإشكال، فالدراسات الميدانية ومنها أبحاث نشرها مركز كارنيغي، أظهرت توترات عميقة بين السلفيين والإسلاميين المحسوبين على الإخوان، ومحيط الغرياني داخل قوات “البنيان المرصوص”، وهذه الانقسامات العقائدية والعشائرية لم تمنع هزيمة داعش عسكريا، لكنها زرعت بذور الشك حول ما بعد المعركة؛ من يملأ الفراغ؟ وبأي أيديولوجيا؟

ما يجري اليوم ليس مجرد جدل حول شخص الصادق الغرياني، بل اختبار حقيقي لمفهوم الدولة في ليبيا، فهل تبنى الأجهزة الأمنية على أساس وطني جامع، أم تتحول إلى ساحات نفوذ أيديولوجي؟ وهل تستخدم تهمة “داعش” كفزاعة لتصفية الخصوم، أم أنها تحذير مبكر من اختراق فعلي؟

بين غياب الدليل القضائي القاطع، وتراكم المؤشرات السياسية والأمنية، تبقى الحقيقة معلقة، والمؤكد أن استمرار هذا الغموض، دون تحقيقات شفافة ومستقلة، لا يخدم سوى الجماعات المتطرفة نفسها، التي لا تزدهر إلا في المساحات الرمادية، حيث تختلط الفتوى بالسلاح، والدولة بالميليشيا، والشرعية بالخوف.
بقلم: مازن بلال
الصراع السياسي يستمر في ليبيا: المجلس الرئاسي في مواجهة مجلس النواب
