جاء اغتيال سيف الإسلام القذافي في الثالث من فبراير 2026 بمدينة الزنتان ليضع مقاربات القوى الدولية للملف الليبي تحت اختبار قاس، وفي مقدمتها المقاربة الفرنسية التي بدت، إعلامياً على الأقل، حريصة على تقليص دلالات الحدث وتفريغه من أي مضمون سياسي خطير.
التقت معظم وسائل الإعلام الفرنسية، رغم اختلاف أساليبها، عند خلاصة واحدة تكاد تكون تبريرية، وقدمت سيف الإسلام بأنه لم يكن فاعلاً سياسياً حقيقياً، ولا يمتلك نفوذاً يُذكر، ولا يشكل مستقبلاً محتملا ًفي معادلة السلطة الليبية، بل لم يعدو كونه رمزاً واهناً لحنين إلى نظام سقط منذ أكثر من عقد.
هذا الإجماع الإعلامي يثير تساؤلات جوهرية حول دوافعه وتوقيته، خاصة أنه يأتي في لحظة أُغلق فيها ملف الرجل جسدياً، بعدما ظل لسنوات مصدر إرباك سياسي وقضائي لقوى محلية ودولية نافذة، وفي مقدمتها باريس نفسها.

هذه السردية، عند إخضاعها للفحص النقدي، تكشف ثغرات بنيوية وتناقضات يصعب تجاهلها، وتفتح الباب أمام قراءة مغايرة ترى في اغتيال سيف الإسلام أكثر من مجرد تصفية “رمز بلا وزن”.
سردية الإعلام الفرنسي: تفريغ الاغتيال من مضمونه السياسي
ركزت صحف مثل لوموند ومجلات مثل جون أفريك، وبأسلوبين مختلفين، على تقديم سيف الإسلام بوصفه “شبحاً سياسياً”، يعيش في عزلة على هامش المشهد، مثقلاً بآثار نفسية وجسدية منذ سقوط نظام والده عام 2011، وهذا التوصيف، الذي يتكرر بصيغ مختلفة، لا يبدو بريئاً، بل يؤدي وظيفة سياسية واضحة بنزع أي دلالة استراتيجية لاغتياله، وتحويله إلى حدث رمزي لا يغير موازين القوى.
لكن المفارقة أن هذا “الشبح” وفق الرواية ذاتها، كان كافيا ًلإرباك مسار انتخابي كامل في ليبيا عام 2021، فمجرد ترشحه للانتخابات الرئاسية، وما رافقه من تأييد شعبي ملحوظ في استطلاعات غير رسمية، أسهم في تعقيد المشهد وصولا ًإلى إلغاء الاستحقاق برمته، والسؤال الجوهري كيف يمكن لشخص “بلا نفوذ” أن يعطل عملية سياسية بهذا الحجم؟
من ليبيا إلى باريس: شبح سيف الإسلام في القضاء الفرنسي
يزداد التناقض حدة عندما نضع السردية الإعلامية الفرنسية في سياقها الأوسع، وتحديداً في علاقتها بالملف القضائي للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، فالقضايا المرتبطة بتمويل حملته الانتخابية عام 2007 بأموال ليبية ما تزال تلاحقه، ولعبت تصريحات وإشارات صادرة عن سيف الإسلام دوراً محورياً في إبقاء هذا الملف حياً داخل القضاء والإعلام الفرنسيين.

بضع كلمات فقط من نجل القذافي كانت كافية لتهديد إرث سياسي لرئيس سابق للجمهورية، فهل يعقل، بعد ذلك، الحديث عن شخصية “منتهية الصلاحية سياسياً”؟ أم أن التقليل من شأنه هو محاولة لتخفيف وطأة الخطر الذي مثله، ولا يزال، على الطبقة السياسية الفرنسية؟
ناقد لباريس… لا مجرد وريث لنظام ساقط
خلافاً للصورة التي يحاول الإعلام الفرنسي ترسيخها، لم يكن سيف الإسلام مجرد وريث لنظام سقط، بل تحول، في سنواته الأخيرة، إلى ناقد صريح للسياسات الفرنسية في ليبيا والمنطقة، وطالت انتقاداته إدارة الفوضى، وتغذية الانقسامات، والتدخل غير المعلن في توازنات القوى المحلية، فضلاً عن ملف الموارد النفطية ومسارات الأمن الإقليمي.

هذا الدور النقدي يفسر جانباً من الحساسية الفرنسية تجاهه، ويضع اغتياله في سياق أوسع من مجرد صراع داخلي ليبي، فهو لم يكن عبئاً على خصومه المحليين فقط، بل مصدر إزعاج حقيقي لقوى خارجية فضلت التعامل مع مشهد ليبي مُجزأ، لا مع شخصية قادرة، ولو نظرياً، على إعادة طرح فكرة الدولة المركزية.
اغتيال محترف أم تصفية محلية؟ سؤال التنظيم والدقة
عندما بدأ الحديث عن احتمال وجود دور أجنبي في عملية الاغتيال، استند كثير من المحللين إلى طبيعة التنفيذ نفسها، حيث عبر أربعة مسلحين واقتحام دقيق، وانسحاب الحراسة قبل وقت قصير، واختفاء المنفذين بلا أثر، ثم عرض الجثمان في مشهد أقرب إلى “توقيع” سياسي على الجريمة، وهذا النمط لا يشبه جرائم الثأر أو التصفية العشوائية التي عرفتها ليبيا طوال السنوات الماضية.

وفق التفاصيل التي رافقت عملية الاغتيال برز اسم فرنسا باعتباره “الاحتمال الأول” في تقديرات بعض الخبراء، ليس بدافع الاتهام المجاني، بل استناداً إلى معادلة النفوذ والقدرة.
الزنتان: حيث تتقاطع المصالح والنفوذ الفرنسي
الزنتان ليست مجرد مدينة ليبية عادية، بل تمثل نقطة ثقل استراتيجي في الغرب الليبي، ووفق تقارير متعددة، فإن النفوذ الفرنسي فيها أقوى من أي منطقة أخرى، عبر علاقات وثيقة مع شخصيات عسكرية وسياسية محلية، في مقدمتها أسامة الجويلي.
تذهب بعض المصادر إلى الحديث عن وجود عناصر عسكرية فرنسية، بل وعن موافقة ضمنية على إنشاء قاعدة غير رسمية في مناطق خاضعة لسيطرة حلفاء باريس، وبغض النظر عن صحة هذه المعطيات فإن الثابت هو أن فرنسا تملك في الزنتان إمكانات لوجستية وميدانية تفوق أي دولة أخرى، ما يجعلها، نظرياً على الأقل، قادرة على تنفيذ أو تسهيل عملية من هذا النوع.
صمت زنتاني… وموقف روسي لافت
زاد الغموض مع التزام شخصيات زنتانية أساسية، مثل أسامة الجويلي وعماد طرابلسي، صمتا شبه كامل حيال اغتيال سيف الإسلام، وفي بيئة اعتادت البيانات السريعة، بدا هذا الصمت رسالة بحد ذاته.
في المقابل، برز الموقف الروسي بوصفه الأكثر وضوحاً، فموسكو دانت الاغتيال “بأشد العبارات”، ودعت صراحة إلى تحقيق معمق ونزيه وشفاف، وتقديم الجناة إلى العدالة، هذا الموقف وضع باريس في موقع محرج، خاصة في ظل غياب أي تصريح رسمي فرنسي حتى الآن.

تكشف التغطية الإعلامية الفرنسية عن مفارقة جوهرية، فهنا إصرار على تصوير سيف الإسلام كرمز ضعيف، في مقابل واقع يُظهر أنه كان كافياً لإرباك مسارات سياسية، وفتح ملفات قضائية عابرة للحدود، وإزعاج قوى محلية ودولية نافذة.
ربما لم يكن سيف الإسلام يملك مشروعاً سياسياً مكتمل الأركان، وربما كان رهين ماضيه الثقيل، لكن اغتياله لا يمكن فهمه إلا بوصفه اغتيالا ًلاحتمال، مهما كان هشاً، لإعادة خلط الأوراق في ليبيا، ولهذا بالضبط، كان لا بد، في نظر خصومه، من تصفيته جسدياً… ثم تصفيته رمزياً عبر خطاب إعلامي يقلل من شأنه، ويحوله، بعد موته، إلى مجرد “ظل من الماضي”.
بقلم: نضال الخضري
احتجاجات طرابلس ضد مصر: تصعيد مدبّر أم انكشاف لعجز الدولة؟
