مصطفى محمد عبد العظيم ، باحث سياسي متخصص في الشرق الأوسط، أكد في تصريحات خاصة لشبكة “أخبار شمال إفريقيا”، أن زيارة الرئيس المصري إلى الرياض تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية مع السعودية وتكثيف التنسيق لمواجهة التحديات الإقليمية وتعزيز الاستقرار.
وقال الباحث السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط إن زيارة عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية ولقاءه بولي العهد محمد بن سلمان في الثالث والعشرين من فبراير الجاري تأتي في إطار العلاقات التاريخية العميقة التي تربط البلدين، والتي تشكل نموذجاً متقدماً للشراكة الاستراتيجية في العالم العربي، قائماً على المصالح المشتركة في الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية والدفاع عن القضايا العربية.
وأوضح أن العلاقات بين القاهرة والرياض شهدت تطوراً مستمراً عبر تبادل الزيارات الرسمية واللقاءات رفيعة المستوى، بما يعكس التزاماً متبادلاً بتعزيز التنسيق السياسي والأمني في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، مؤكداً أن هذه العلاقات اتسمت بالثبات في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من التشاور بين القيادتين إدراكاً لأهمية الدور المشترك في حفظ التوازن الإقليمي.
وأضاف أن التعاون الاقتصادي بين البلدين سجل نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة والتنمية، حيث تعد المملكة من أكبر الشركاء التجاريين لمصر، مع تدفقات استثمارية واسعة في قطاعات الصناعة والسياحة والطاقة المتجددة ومشروعات البنية التحتية، إلى جانب تعاون أمني وعسكري يركز على مكافحة الإرهاب وحماية الممرات المائية الحيوية والتعامل مع الأزمات الإقليمية.
وأشار إلى أن الشراكة لا تقتصر على الأبعاد الثنائية، بل تمثل ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي العربي ومعادلة الاستقرار في الشرق الأوسط، لافتاً إلى أن إنشاء “اللجنة العليا للتنسيق” عام 2024 وتوقيع اتفاقيات استراتيجية متعددة يعكسان توجهاً مؤسسياً لتعميق التعاون في الاستثمار والتجارة والتنمية المستدامة، ويمهدان لمشروعات مشتركة كبرى تدعم اقتصاد البلدين.

وبيّن أن القضية الفلسطينية، ولا سيما تطورات الأوضاع في قطاع غزة، تصدرت الملفات التي تناولها اللقاء، في ظل التوترات العسكرية والظروف الإنسانية الصعبة، حيث شدد الجانبان على ضرورة الالتزام الفوري بوقف إطلاق النار، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وبدء عملية إعادة الإعمار.
وأكد أن الموقف المشترك رفض أي محاولات للتهجير أو تغيير الواقع الديمغرافي في الأراضي الفلسطينية، مع التمسك بحل الدولتين باعتباره المسار النهائي لتحقيق السلام، وهو ما يعكس تنسيقاً عربياً واضحاً لدعم جهود الوساطة والحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.
وأوضح عبدالعظيم أن التطورات في اليمن، رغم عدم تناولها تفصيلياً في البيانات الرسمية، تظل حاضرة في سياق التشاور المصري السعودي نظراً لتأثيرها المباشر على أمن المنطقة والملاحة في البحر الأحمر، خاصة مع ما تفرضه التهديدات من انعكاسات على خطوط التجارة الدولية.

وأضاف أن أمن البحر الأحمر وقناة السويس يمثل نقطة التقاء استراتيجية بين البلدين، باعتبارهما ممراً حيوياً للتجارة العالمية، الأمر الذي يستدعي تعاوناً مباشراً وتنسيقاً إقليمياً لحماية الملاحة ومواجهة التهديدات غير التقليدية، بما يعكس دورهما في حماية منظومة الاقتصاد العالمي.
وفيما يتعلق بالأزمة السودانية، أشار إلى عدم صدور تصريحات رسمية تؤكد مناقشتها بشكل مباشر خلال اللقاء، إلا أن تطوراتها تبقى مرتبطة بالأمن القومي للبلدين، نظراً لما يمثله استقرار السودان من أهمية للأمن المصري، خاصة في محيط البحر الأحمر والحدود الجنوبية، وكذلك للأمن الإقليمي الذي تحرص الرياض على دعمه ومنع امتداد النزاعات إليه.
ولفت إلى أن الزيارة حملت رسائل سياسية واضحة ولكن بصيغة دبلوماسية هادئة، أبرزها التأكيد على وحدة الموقف المصري السعودي تجاه الحرب في غزة، ورفض استمرار التصعيد، والدفع نحو مسار سياسي شامل يضمن الحقوق الفلسطينية ويمنع فرض ترتيبات إقليمية دون توافق عربي.
وأضاف أن التوقيت يعكس أيضاً رسالة ردع غير مباشرة لأي تهديدات تمس أمن البحر الأحمر أو تحاول توسيع النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، إلى جانب طمأنة الداخل العربي والشركاء الدوليين بوجود محور استقرار قادر على احتواء الأزمات ومنع اتساعها، وهو ما يعزز ثقة الأسواق والمستثمرين في استمرارية التنسيق بين أكبر اقتصادين عربيين.
وأكد الباحث أن الزيارة لم تشهد الإعلان عن اتفاقيات دفاعية أو صفقات تسليح جديدة، ما يعكس طابعها السياسي والاستراتيجي، إلا أن ذلك لا ينفي استمرار التنسيق الأمني والعسكري القائم بالفعل، والذي يشمل تدريبات مشتركة وتبادل معلومات في مكافحة الإرهاب وحماية الممرات البحرية.

وأشار إلى أن هذا التعاون يستند إلى مسار طويل من الشراكة الدفاعية التي تربط أمن الخليج بأمن قناة السويس والبحر الأحمر في إطار مفهوم أشمل للأمن العربي المشترك، موضحاً أن النهج المتبع يقوم على “التنسيق الهادئ” وتوحيد المواقف بدلاً من التصريحات التصعيدية.
واختتم عبدالعظيم بالتأكيد أن زيارة الرئيس المصري إلى الرياض ليساً منفصلاً، بل حلقة في سلسلة ممتدة من التنسيق الاستراتيجي بين البلدين، تعكس إدراكاً مشتركاً بأن تعقيدات المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التشاور للحفاظ على توازنات الشرق الأوسط، وأن الأمن الإقليمي بات منظومة مترابطة لا يمكن تحقيقها إلا عبر تعاون دائم بين الدول العربية المحورية.
