تشكل العلاقة بين الولايات المتحدة وسوريا منذ عام 2011 مسارا متقلبا تحكمه الأولويات الاستراتيجية الأمريكية، وتعيد تشكيله حسابات القوة والكلفة والفرص، فكل انتقال في البيت الأبيض يفتح فصلا في تعريف الدور الأمريكي، ويعيد رسم طبيعة الشراكات المحلية في الميدان السوري.
من أفغانستان في عهد جو بايدن إلى شمال شرق سوريا في عهد دونالد ترامب، يتكرس نمط سياسي واضح، فالتحالفات الأمريكية تُصاغ حول أهداف محددة، وتُعاد هندستها حين تتبدل الأولويات، وفي سوريا، بلغ هذا النمط ذروته مع التحول التدريجي في العلاقة مع “قوات سوريا الديمقراطية” بعد إنجاز المهمة الأساسية المتمثلة في هزيمة تنظيم الدولة.

تعكس التجربة السورية منطق القوة العظمى وهي تعيد ترتيب التزاماتها الخارجية ضمن رؤية أوسع لدورها العالمي، وتطرح في الوقت ذاته سؤالا استراتيجيا على الشركاء المحليين، فكيف يُبنى الرهان على دعم قوة كبرى تعيد تعريف موقعها في النظام الدولي باستمرار؟
تحالف الضرورة: من كوباني إلى الرقة
حين تمدد تنظيم “داعش” عام 2014، وجدت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسها أمام معادلة معقدة تتلخص بضرورة ضرب التنظيم؛ دون الانزلاق إلى حرب برية جديدة بعد تجربتي العراق وأفغانستان، وكان الحل تكتيكيا عبر إيجاد شريك محلي يقاتل على الأرض، وقوة جوية أمريكية توفر الغطاء.
برزت وحدات حماية الشعب” الكردية، التي اندمجت لاحقا ضمن مظلة “قوات سوريا الديمقراطية”، بوصفها القوة الأكثر انضباطا وفعالية، وشكلت معركة كوباني نقطة التحول الرمزية؛ وأصبحت المدينة مختبر لتحالف “الأرض لهم والجو لنا”، وامتد التنسيق حتى معارك الرقة ودير الزور، وصولا إلى إعلان هزيمة “داعش” إقليميا عام 2019.
لكن هذا التحالف كان عسكريا صرفا، بلا ترجمة سياسية، فلم تعترف واشنطن يوما بالإدارة الذاتية ككيان سياسي مشروع، ولم تقدم ضمانات أمنية صلبة ضد تركيا، وكان الدعم مشروطا بهدف واحد هو القضاء على التنظيم.
معضلة تركيا: أطلسيا قبل أن تكون محليا
منذ البداية، حمل التحالف تناقضا بنيويا، فتركيا، العضو المحوري في حلف شمال الأطلسي، تعتبر “وحدات حماية الشعب” امتدادا لحزب العمال الكردستاني المصنف لديها تنظيما إرهابيا، ولم يكن ممكنا لواشنطن أن تذهب بعيدا في حماية شريكها الكردي من دون المخاطرة بتصدع في بنية الحلف.

بلغ التوتر ذروته عام 2018 مع عملية “غصن الزيتون” في عفرين، ثم عام 2019 مع عملية “نبع السلام”، وبدا واضحا أن المظلة الأمريكية قابلة للطي متى ما تعارضت مع حسابات أنقرة، وقرار ترامب بإعادة انتشار القوات من الشريط الحدودي في تلك المرحلة لم يكن انسحابا كاملا، لكنه كان كافيا لإحداث صدمة سياسية ومعنوية عميقة لدى الأكراد.
2019: لحظة الانكشاف
الانسحاب الجزئي في أكتوبر 2019 لم يكن عسكريا بقدر ما كان رمزيا، وأظهر أن الشراكة لا ترقى إلى مستوى التزام استراتيجي، وسارعت “قسد” حينها إلى فتح قنوات مع دمشق وموسكو، في انعطافة اضطرارية فرضها غياب الضمان الأمريكي.
المشهد السياسي كان واضحا فالشريك المحلي، مهما بلغت أهميته العملياتية، يظل أداة ضمن هندسة أوسع للمصالح الأمريكية، وما إن ينحسر التهديد الوجودي حتى تبدأ واشنطن بإعادة تعريف المهمة.
مع وصول بايدن، توقع بعض الفاعلين الأكراد مقاربة أكثر ديناميكية، لكن السياسة الفعلية تمثلت في إبقاء قوة محدودة لمحاربة فلول التنظيم، من دون أي اعتراف سياسي بالإدارة الذاتية أو التزام بردع تركيا، وكانت الأولوية لتحجيم المخاطر، لا لبناء كيان سياسي جديد في شمال شرق سوريا.

ترافق ذلك مع تحول المزاج الأمريكي الداخلي، فبعد عقدين من “الحروب التي لا تنتهي”، أصبح تقليص الانخراط الخارجي مطلبا عابرا للحزبين، وسوريا، بالنسبة لواشنطن، لم تعد ساحة صراع وجودي، بل ملفا يمكن إدارته بأقل تكلفة ممكنة.
2026 : الانسحاب الواسع وإعادة التموضع
التقارير الأخيرة التي تحدثت عن سحب جميع القوات الأمريكية، ما يقارب نحو ألف جندي، من سوريا خلال شهرين، وتسليم قواعد مثل التنف والشدادي، تعكس انتقالا من مرحلة “الاحتواء العسكري” إلى مرحلة “الشراكة السياسية مع الدولة المركزية”، وقاعدة التنف، ذات الموقع الاستراتيجي عند المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني، كانت لعقد من الزمن أداة لقطع خطوط الإمداد الإيرانية ولملاحقة خلايا التنظيم، وتسليمها للجيش السوري الجديد يمثل تحولا نوعيا في مقاربة واشنطن.

الأمر لا يتعلق بسوريا وحدها، فواشنطن تمارس، وفق تسريبات “بوليتيكو”، ضغوطا لإنهاء مهمة الناتو في العراق، تمهيدا لانسحاب قتالي كامل بحلول سبتمبر 2026، والفلسفة التي يتبناها ترامب تقوم على إعادة الحلف إلى جذوره الأوروبية، واعتبار الشرق الأوسط عبئا لا عائدا.

لا يبدو الانسحاب من سوريا حدثا معزولا، بل جزءا من عقيدة أوسع في تقليص الانتشار، ونقل الأعباء إلى الشركاء المحليين، وتركيز الموارد على ملفات الصين وأوكرانيا والصراع مع إيران من خارج الميدان السوري.
الأكراد بين الواقعية والخيبة
الاتفاق الموقع في 30 يناير بين سلطة دمشق و”قسد” الذي نص على دمج تدريجي للقوات والمؤسسات ضمن الدولة، لم يكن خيارا طوعيا بقدر ما كان انعكاسا لميزان قوى جديد، وانشقاق العشائر العربية، وخسارة الرقة ودير الزور، وتصاعد الضغط العسكري من سلطة دمشق، كلها عوامل عجلت بالتحول.

بالنسبة للأكراد، تلاشى حلم الفيدرالية أو الحكم الذاتي الموسع، ومرسوم الاعتراف باللغة الكردية لا يعوض فقدان السيطرة على النفط والمعابر والمطار، والأهم، أنه لا يبدد الإحساس العميق بأن واشنطن أنهت شراكة حين انتهت مصلحتها.
هل هو “تخل” أم إعادة تعريف؟
من الناحية القانونية، لم توقع الولايات المتحدة مع الأكراد معاهدة دفاع مشترك، ولم يكن هناك التزام تعاقدي، لكن السياسة ليست قانونا فقط؛ إنها أيضا ثقة متبادلة، وعندما يقول مبعوث أمريكي صراحة: “لن نطلق رصاصة واحدة ضد دمشق لأجلكم”، فإن الرسالة تتجاوز النصوص إلى جوهر العلاقة.
يمكن تفكيك المسار الأمريكي عبر أربعة مستويات:
- تحالف ظرفي ودعم عسكري لهدف محدد.
- أولوية أطلسية والحفاظ على تركيا داخل الناتو يتقدم على شراكة محلية.
- إرهاق داخلي عبر ضغط الرأي العام لتقليص الحروب.
- غياب مظلة دولية حيث لم يتحول المشروع الكردي إلى مسار تفاوضي معترف به دوليا.
لم يكن “التخلي” قرارا فجائيا، بل نتيجة تراكمية لسياسات تقليص الالتزام.
مخاطرة التحالف مع قوة عظمى
التجربة السورية – كما الأفغانية قبلها – تعيد طرح سؤال جوهري: هل التحالف مع الولايات المتحدة ضمانة أم مخاطرة؟ الجواب ليس أخلاقيا بل بنيويا، فالقوة العظمى تتحرك وفق ميزان مصالحها المتغير، لا وفق ثوابت الشركاء المحليين.

التحالف مع واشنطن يمنح مكاسب سريعة، ودعما عسكريا، وغطاء سياسيا، وربما نفوذا مؤقتا، لكنه يبقى تحالفا هشا إن لم يُترجم إلى إطار قانوني ومؤسساتي مستدام، والأسوأ، أن الاعتماد الكامل على مظلة خارجية يُضعف القدرة على بناء توازنات داخلية صلبة.

في الحالة السورية، يتضح أن واشنطن أعادت تعريف دورها من فاعل ميداني مباشر إلى شريك سياسي للحكومة المركزية، ومن راع لقوة محلية إلى لاعب يوازن بين العواصم الإقليمية، أما الحلفاء المحليون، فيبقون أمام معادلة قاسية فإما بناء رهاناتهم على توازن داخلي–إقليمي واقعي، أو المخاطرة بالارتهان لتحالف ينتهي بانتهاء المهمة.
وهنا تكمن حركة السياسة ففي عالم تعيد فيه الولايات المتحدة تعريف دورها العالمي، يصبح التحالف معها أداة، لا ضمانة، ومن لا يدرك حدود الأداة يدفع ثمنها مضاعفا.
بقلم: مازن بلال
محكمة النقض البلجيكية تُفرج عن التونسي نزار الطرابلسي بعد قضاء محكوميته
