تشهد تونس تزايدا في إقبال أبناء الطبقة الوسطى على الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، في تطور يعكس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، بحسب متابعين وفاعلين في ملف الهجرة.
وخلال الأعوام الأخيرة، لم تعد محاولات العبور البحري تقتصر على العاطلين عن العمل أو الفئات الفقيرة، بل شملت موظفين وخريجي جامعات وأصحاب مهن مستقرة سابقًا، اتجه بعضهم إلى ركوب قوارب الهجرة باتجاه السواحل الإيطالية، رغم المخاطر المرتفعة.
ويقول محمد، وهو معلم تونسي فضل عدم ذكر اسمه الكامل، إنه قرر مغادرة البلاد بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مشيرا إلى أن ارتفاع الأسعار والتجاذبات السياسية، إلى جانب تراجع الاهتمام بقطاعات مثل التعليم والصحة، كانت من بين أسباب اتخاذه هذا القرار.
وأضاف أنه لم يحصل بعد على عمل في إيطاليا، لكنه يرى أن الهجرة تمثل فرصة أفضل مقارنة بالبقاء في تونس.
وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية متواصلة تشهدها البلاد، وتوتر سياسي مستمر منذ قرارات 25 يوليو (تموز) 2021، التي أدت إلى حل البرلمان والحكومة.
وعلى رغم إعلان الرئيس قيس سعيد عن إصلاحات مرتقبة تشمل مختلف القطاعات، لا تزال هذه السياسات محل انتقاد من أطراف سياسية وباحثين.
وقال النائب البرلماني السابق المقيم في إيطاليا مجدي الكرباعي إن الهجرة غير النظامية في تونس لم تعد محصورة في الفئات المهمشة، موضحا أن تقارير وشهادات ميدانية تؤكد انخراط أبناء الطبقة الوسطى، بمن فيهم محامون وأساتذة ومعلمون وموظفون في القطاع العام، إضافة إلى عائلات كاملة.
وأضاف الكرباعي أن هذا التحول يعكس فقدان الثقة في الدولة وفي آفاق الاستقرار، معتبرا أن الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بتراجع الدخل، بل بانسداد الأفق المهني وتراجع القدرة الشرائية حتى داخل الوظائف العمومية.
وأشار إلى أن استمرار هذا المسار يؤدي إلى فقدان البلاد جزءًا من رأسمالها البشري، ويؤثر في أداء المؤسسات العمومية، مع انتقال خيار الهجرة إلى داخل العائلات بوصفه مسارا بديلا للمستقبل.
وفي سياق متصل، كثفت تونس تعاونها مع إيطاليا خلال السنوات الماضية للحد من الهجرة غير النظامية، عبر تشديد الإجراءات الأمنية وتوقيع اتفاقات تشمل مكافحة الظاهرة واستقطاب بعض الكفاءات بعقود عمل رسمية.
ويرى الباحث السياسي محمد صالح العبيدي أن المقاربة الأمنية لا تعالج جذور المشكلة، موضحا أن تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى جعل رواتب في حدود 1500 دينار غير كافية لمواجهة غلاء المعيشة.
وأضاف أن جزءا من الهجرة يتم أيضا عبر مسارات نظامية، من خلال استقطاب الكفاءات التونسية من قبل دول أوروبية، ما يعكس تعقيد الظاهرة وحاجتها إلى حلول اقتصادية واجتماعية أوسع.
انتشال 13 جثة لمهاجرين قبالة سواحل تونس
