قرار النيجر فرض حظر شامل على دخول المواطنين الأمريكيين إلى أراضيها ردا إجراءات مماثلة من واشنطن يتجاوز الرمزية، فهو تعبير عن مبدأ سيادي عبر المعاملة بالمثل كأداة سياسية، ورد الاعتبار لكرامة الدولة في وجه القوة الكبرى.
منذ أن أعلنت نيامي، في السابع والعشرين من ديسمبر 2025، منع دخول المواطنين الأمريكيين ووقف إصدار التأشيرات لهم إلى أجل غير مسمى، تغيرت طبيعة الخطاب السياسي في الساحل الإفريقي، ولم يعد الحديث عن “دولة صغيرة” تتلقى الأوامر، بل عن دولة قررت أن تعامل واشنطن كما تعاملها، وهذه الخطوة على بساطتها القانونية تعيد رسم العلاقة بين المركز والهامش في النظام الدولي.
خلفية القرار: من الانقلاب إلى فك الارتباط
العلاقات بين النيجر والولايات المتحدة كانت تاريخيا قائمة على مزيج من التعاون الإنمائي والأمني، فمنذ استقلال النيجر عام 1960، كانت واشنطن من أبرز المانحين والمستثمرين في مشاريع البنية التحتية والصحة والتعليم، وبعد هجمات 11 سبتمبر، تحولت البلاد إلى محور استراتيجي لواشنطن في “الحرب على الإرهاب” في الساحل الإفريقي.

تم في عام 2012 توقيع اتفاقية عسكرية تسمح بوجود القوات الأمريكية دون رقابة محلية تذكر، وبناء قاعدة “أغاديز 201” شمال البلاد، التي أصبحت إحدى أهم القواعد الأمريكية في إفريقيا، لكن انقلاب يوليو 2023 بقيادة عبد الرحمن تشياني غير المعادلة تماما، فالمجلس العسكري الحاكم تبنى خطابا جديدا يتلخص بإنهاء التبعية، واستعادة السيادة، وإعادة تعريف مفهوم الشراكة.
في مارس 2024، أعلنت نيامي رسميا إنهاء الاتفاق العسكري مع الولايات المتحدة، مطالبة بخروج القوات الأمريكية من أراضيها، واكتمل الانسحاب في سبتمبر من العام نفسه، وعندها بدأت مرحلة “الفك البطيء” بين الطرفين، فلا قطيعة شاملة لكن تراجع واضح في الثقة والتنسيق.
العقوبات الأمريكية… وشرارة الرد
أدرجت واشنطن النيجر في ديسمبر 2025 ضمن قائمة الدول المحظور على مواطنيها دخول الأراضي الأمريكية، إلى جانب مالي وسوريا وجنوب السودان ولاوس، وبررت القرار بـ”مخاطر أمنية وخلل في تبادل المعلومات”، لكن في نيامي فهم الأمر على أنه إهانة سياسية، خصوصا أن الولايات المتحدة انسحبت من البلاد قبل عام بحجة “عدم الاستقرار”.

رد النيجر جاء حاسما؛ منع دخول الأمريكيين بالكامل، دون استثناء سوى لحالات إنسانية نادرة، وصرح مصدر رسمي في نيامي بأن القرار “يستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل ويعكس تمسك الدولة بسيادتها وحقها في التعامل الندي مع أي طرف دولي”، وتحولت النيجر من دولة خاضعة للعقوبات إلى نموذج في “الرد بالمثل”، لتقول ببساطة من لا يفتح أبوابه لنا، لن نفتح له أبوابنا.
الرد في ميزان الدبلوماسية: مفارقة المنطق
يرى البعض في الخطوة النيجيرية تصعيدا لا طائل منه، لكن من زاوية أخرى، فإن الرد منطقي تماما ضمن قواعد العلاقات الدولية الحديثة، فالمعاملة بالمثل ليست عقوبة بل أداة موازنة للهيمنة، وحين تمارس الدول الكبرى سلطتها بقرارات أحادية، يصبح الرد بالمثل إعلانا عنان ا المساواة القانونية، حتى لو كانت القوة الفعلية غير متكافئة.

تحاول نيامي إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن من موقع الندية لا التبعية، وتبعث برسالة رمزية إلى شركاء الساحل الإفريقي الذين يعيشون ظروفا مشابهة، من مالي إلى بوركينا فاسو، مفادها أن احترام السيادة يبدأ من التفاصيل الصغيرة.

الرد النيجري يشبه في مضمونه ما حدث في ليبيا قبل عام، حين قررت حكومة “الاستقرار الوطني” في بنغازي ترحيل وفد الاتحاد الأوروبي بعد تجاهله التعليمات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية، يومها لم يكن الموقف الليبي “استفزازا”، بل تطبيقا لمبدأ بسيط بأن احترام القواعد الوطنية شرط لأي علاقة متوازنة، واضطر الأوروبيون في النهاية إلى قبول الأمر الواقع، ونيامي تكرر المبدأ ذاته، ولكن مع واشنطن.
الانعكاسات الاقتصادية: انكماش محدود وتأثير رمزي
اقتصاديا سيبقى تأثير القرار محدودا في الأرقام، لكنه كبير في الرمزية، فواشنطن خفضت دعمها التنموي للنيجر منذ الانقلاب، كما توقفت معظم المشاريع المشتركة في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة، إلا أن الحظر الجديد يكرس القطيعة الرسمية في مجالات السياحة والاستثمار الخاص.
الشركات الأمريكية التي كانت تدرس العودة إلى السوق النيجيرية ستتراجع حتما، لكن الأهم أن القرار يوجه رسالة إلى المستثمرين المحليين بأن الاعتماد على الذات لم يعد خيارا بل ضرورة، فالمجلس العسكري الحاكم تبنى منذ 2024 موازنة تعتمد كليا على الموارد الوطنية، بعد أن كانت 40% من الميزانية تأتي من المانحين الغربيين.
ويرى اقتصاديون في نيامي أن الحظر لن يؤثر جذريا في الاقتصاد المحلي، لأن التبادل التجاري مع الولايات المتحدة كان ضعيفا أصلا مقارنة مع الصين وروسيا وتركيا، غير أن “رمزية الاستقلال الاقتصادي” أقوى من أي أرقام.
تراجع التعاون الأمني: فراغ استراتيجي أم فرصة جديدة؟
الجانب الأكثر حساسية في الأزمة هو الأمن، فلسنوات كانت النيجر تعد الحليف الموثوق لواشنطن في الحرب على الجماعات المسلحة في الساحل، وكانت قاعدة “أغاديز” مركزا لعمليات الطائرات المسيرة ومراقبة تحركات الجماعات المتطرفة عبر الصحراء الكبرى.
الانسحاب الأمريكي ثم الحظر المتبادل يعنيان نهاية مرحلة كاملة من الشراكة الأمنية، فتراجعت عمليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوقف التدريب المشترك، وتحولت نيامي نحو شركاء جدد.

اتجهت النيجر في العامين الأخيرين إلى تنويع تحالفاتها الأمنية، ووطدت علاقاتها مع دول “تحالف الساحل” (مالي وبوركينا فاسو)، وتطوير تعاون مع روسيا في مجالات التدريب والمعدات، وهذه التحولات ليست مجرد تبديل في الشركاء، بل انتقال إلى نموذج أمني جديد يقوم على السيادة الكاملة والرفض المعلن للتدخلات الخارجية المشروطة.
لكن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر؛ فانسحاب الولايات المتحدة ترك فراغا استخباراتيا وتقنيا يصعب ملؤه سريعا، كما أن التوازن بين الشركاء الجدد والقدامى سيظل تحديا قائما في بيئة مضطربة مثل الساحل.
البعد الرمزي: النيجر ترفع رأس إفريقيا
في الجوهر لا يتعلق قرار نيامي بمسألة التأشيرات فقط، بل بمكانة إفريقيا في النظام الدولي الجديد، فالقارة التي تعاملت سابقا مع الغرب من موقع التابع، بدأت اليوم ترفع صوتها، من مالي إلى بوركينا فاسو، ومن تشاد إلى النيجر، وتتشكل “لغة دبلوماسية جديدة” تضع السيادة في مقدمة الأولويات، وتتعامل مع القوى الكبرى من منطلق الندية.
رد النيجر، رغم أنه وصف في واشنطن بالخطوة “غير الودية” يقرأ في إفريقيا على أنه تأكيد للكرامة الوطنية، حيث أكد أحد المسؤولين النيجريين في حديث محلي بانهم تعاموا “بأن الاحترام لا يطلب، بل يفرض”.
ربما تصبح نيامي مثالا لدول أخرى تشعر بأنها تعامل بمعايير مزدوجة، فبينما ترفع واشنطن شعار “الشراكة مع إفريقيا”، فإن سياساتها القائمة على العقوبات وحظر التأشيرات تبدو امتدادا لذهنية الوصاية القديمة، وقرار النيجر يكسر هذه الحلقة.
بين المعاملة بالمثل والندية السياسية
رد نيامي لا يهدف إلى قطيعة شاملة مع الولايات المتحدة، بل إلى إعادة ضبط العلاقة، فالمبدأ الذي تبنته الحكومة “من يعاملنا كأنداد نعامله كشريك، ومن يعاملنا باستعلاء نرد عليه بالمثل”، وهم ما يمثل تحولا في الثقافة السياسية الإفريقية التي طالما ارتبطت بالامتثال لا بالرد.
المفارقة أن واشنطن، التي اعتادت فرض العقوبات، تجد نفسها الآن في موضع من يعاقب، والخسارة هنا ليست مادية فحسب، بل رمزية ودبلوماسية، فصورة القوة العظمى التي لا تقابل إلا بالطاعة بدأت تتصدع، فالنيجر، الدولة التي كانت إلى الأمس القريب تعتمد على المساعدات الخارجية، أصبحت اليوم تصوغ قواعدها الخاصة في التعامل مع الآخرين.
درس في السيادة من قلب الساحل
في المحصلة، يمكن القول إن قرار النيجر بحظر دخول الأمريكيين هو أكثر من مجرد رد على إجراء إداري، فهو بيان سياسي يعلن عن ولادة مرحلة جديدة في إفريقيا، حيث لم تعد “المساعدات” تمنح شرعية، ولا “التحالفات” تفرض الخضوع.
إنه أيضا تذكير للولايات المتحدة بأن النفوذ لا يقاس بعدد القواعد ولا بحجم المساعدات، بل بقدرة الشركاء على الشعور بالاحترام، فحين تعامل الدول باستخفاف، حتى الأصغر بينها قادرة على رد يربك الكبار.
الرسالة التي خرجت من نيامي إلى واشنطن في نهاية 2025 كانت واضحة؛ “احترام السيادة لم يعد اختيارا، والمعاملة بالمثل هي اللغة الجديدة للعلاقات الدولية”، وما بين الرمزية والسياسة، قدمت النيجر درسا بليغا في أن السيادة لا تستجدى، بل تمارس، حتى لو كان الثمن تأشيرة.
بقلم: مازن بلال
تدخلات السفارة الأمريكية: هل تهدد استقرار المصرف المركزي الليبي؟
