في الدول المستقرة، تتحول مقابلة مطولة مع رأس السلطة التنفيذية إلى بيان سياسي متكامل يحدد ملامح المرحلة، أما في ليبيا، فمرَت مقابلة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على منصة “أثير” بفتور واضح، رغم تناولها ملفات محورية.
تناول المنفي قضايا حساسة كاغتيال سيف الإسلام، والمصالحة، والعدالة الانتقالية، والاستفتاء، ووحدة القضاء، والنفط والفساد، غير أن هذا التباين لا يفسَر بضعف المحتوى، بل بطبيعة الموقع الذي يصدر عنه الخطاب، وبالهوة المتسعة بين اللغة السياسية المعلنة وميزان القوة الفعلي على الأرض.
فالبرود الذي استقبلت به النخب والرأي العام هذه المقابلة لا يعكس فتوراً إعلامياً عابراً، بل يعكس تبدلاً في معايير الحكم على الفاعلين السياسيين في ليبيا، فلم يعد السؤال ماذا قيل، بل من يملك القدرة على تحويل ما قيل إلى قرار نافذ، وقراءة مقابلة المنفي لا ينبغي أن تتوقف عند بلاغتها أو اتساقها، بل عند شروطها السياسية وحدودها التنفيذية، وعند العلاقة الملتبسة بين خطاب دولة مكتمل الصياغة، وسلطة لم تكتمل أدواتها بعد.
هذا البرود لم يكن نتيجة ضعف في الصياغة، بل انعكاساً لتحول أعمق، ففي ليبيا اليوم، لم يعد الخطاب مهما ارتفع سقفه مصدراً للقوة، بل مؤشراً على حدودها، فالمشكلة لم تعد في نقص الأفكار، بل في غياب القدرة على تحويلها إلى وقائع سياسية مُلزمة.
اغتيال سيف الإسلام: توصيف أخلاقي أم مساءلة سياسية؟
اعتبر المنفي أن اغتيال سيف الإسلام القذافي استهداف مباشر لمسار المصالحة الوطنية ومحاولة لإجهاض أي تقارب بين الأطراف، وهذا توصيف يبدو منطقياً في سياق هش، لكنه يطرح سؤالاً مُلحاً، هل كان الاغتيال رسالة لإفشال المصالحة، أم أنه قبل كل شيء دليل إضافي على عجز الدولة عن احتكار العنف؟

حين يُقر رئيس المجلس الرئاسي بأن الضحية كان يقيم في مدينة مفتوحة جغرافياً وتحت حراسة محدودة، فإن الخطاب ينتقل، دون قصد، من إدانة الجريمة إلى كشف ضعف البنية الأمنية، وفي هذه النقطة يفقد التوصيف السياسي بعض ثقله، لأن المصالحة لا تُضرب فقط بخطابات التحريض، بل أيضاً بفشل الدولة في ضمان الحد الأدنى من الأمن.
الأخطر أن تحويل الاغتيال إلى “رسالة سياسية” يخفف، ولو ضمنياً، من مركزية سؤال المسؤولية التنفيذية، فالدولة التي لا تستطيع حماية شخصية سياسية مثيرة للجدل كانت جزءاً من المشهد الانتخابي قبل سنوات، كيف ستقنع الليبيين بأنها قادرة على حماية مسار وطني شامل يعيد ترتيب الذاكرة الجماعية؟
المراسيم الثلاثة: إصلاح من أعلى في دولة منقسمة
قدَم المنفي نفسه بوصفه صاحب مبادرة مؤسسية عبر ثلاثة مراسيم: تنفيذ حكم الدائرة الدستورية بشأن بطلان إنشاء محكمة دستورية بقرار من مجلس النواب، انتخاب مؤتمر للمصالحة الوطنية بتمثيل بلدي، وإنشاء مفوضية عليا للاستفتاء والاستعلام الوطني.
من حيث الشكل، تبدو هذه المراسيم محاولة لاستعادة زمام المبادرة، لكن من حيث السياق، تبدو أقرب إلى إصلاح يُفرض من أعلى في بنية سياسية لا تعترف أصلاً بمرجعية موحدة.

ففي ليبيا، لا تكمن الأزمة في نقص الأجسام أو المبادرات، بل في تضخمها، وكل أزمة تنتج كياناً جديداً، وكل انسداد يولد آلية بديلة، وهكذا تتراكم المؤسسات دون أن تتراكم السلطة الفعلية، وحين يُنشئ المجلس الرئاسي مفوضية جديدة، لا يسأل الليبيون عن وجاهة الفكرة، بل عن قدرتها على الصمود أمام الانقسام الحكومي القائم، وعن مصدر تمويلها، وعن الجهة التي ستنفذ نتائجها.
الإشكال هنا ليس قانونياً بقدر ما هو سياسي، فالشرعية في ليبيا لم تعد تستمد من النصوص وحدها، بل من القدرة على فرضها في واقع متعدد المراكز.
“الاحتكام إلى الشعب”: من الشعار إلى الإشكالية
يركز المنفي على فكرة محورية: إعادة القرار إلى الشعب عبر الانتخابات أو الاستفتاءات أو الاستطلاعات، ظاهرياً، تبدو هذه مقاربة ديمقراطية صافية، لكن التجربة الليبية منذ 2012 تُظهر أن الاحتكام إلى الصندوق لم يكن يوماً مشكلة إجرائية بحتة، بل معركة حول قواعد اللعبة نفسها.

الاستفتاء في دولة مستقرة يفترض أن يكون تتويجاً لمسار مؤسساتي، أما في دولة منقسمة، فيتحول إلى آلية جديدة لإعادة إنتاج الانقسام إذا لم يسبق باتفاق سياسي شامل حول نتائجه وآليات تنفيذها.
إضافة إلى ذلك، فإن تحويل “الاعلام الوطني” إلى أداة رقمية لإشراك الشباب يحمل بُعداً حداثياً جذاباً، لكنه يصطدم بواقع اجتماعي وسياسي لا يزال محكوماً بالولاءات المحلية والسلاح وشبكات المصالح، فالتقنية لا تعوَض غياب التوافق، ولا تُنتج تلقائياً شرعية تنفيذية.
بعبارة أخرى، الاحتكام إلى الشعب يصبح شعاراً مطمئناً حين تعجز النخب عن الاتفاق، لكنه لا يغني عن مسؤوليتها في بناء أرضية مشتركة قبل العودة إلى المواطنين.
النفط والفساد: لغة الدولة وحدود السيطرة
في ملف النفط، استخدم المنفي مفردات واضحة مثل النفط أمن قومي، ولا وسطاء خارج الإطار الرسمي، وأي ترتيبات موازية تستوجب المساءلة، وهذه لغة دولة مركزية تعرف مصالحها، غير أن الواقع الليبي يُظهر أن ملف النفط كان دوماً ساحة لتقاطع القوة العسكرية بالسياسة والاقتصاد.

الإشارة إلى وجود تقارير محلية ودولية حول شبهات فساد، دون تسمية محددة أو جدول زمني واضح للمعالجة، تُبقي الخطاب في دائرة العموميات التي تأتي في سياق تآكل الثقة، لا تُطمئن الرأي العام، بل تُعمق شعوره بأن مكافحة الفساد ملف يُدار بالتصريحات لا بالمحاسبة.
اللافت أن المنفي يتحدث عن “عدم الحاجة إلى وسطاء”، بينما يعرف الجميع أن الترتيبات الموازية لم تكن يوماً مجرد خطأ إداري، بل تعبيراً عن توازنات قوة معقَدة، وهنا يتجلى التناقض عبر خطاب سيادي قوي، في مقابل قدرة محدودة على إعادة هندسة تلك التوازنات.
المجلس الرئاسي بين الرمزية والفاعلية
منذ انتخابه في 2021، جاء المجلس الرئاسي كحل توافقي مؤقت يقود إلى انتخابات، ومع تعثر الاستحقاق، تحولت الحالة المؤقتة إلى وضع دائم، وفقدت المؤسسات الانتقالية جزءاً كبيراً من زخمها الأخلاقي.
في هذا السياق، تبدو مبادرات المنفي محاولة لإعادة تعريف دور المجلس؛ من هيئة رمزية لإدارة التوازنات إلى فاعل يقود تسوية تاريخية، غير أن المشكلة تكمن في أن بقية الأطراف لا تتصرف كما لو أن المجلس يمتلك مركز قيادة فعلياً.

الفاعلون الحقيقيون يتعاملون مع المجلس باعتباره جزءاً من المشهد، لا مرجعيته العليا، وأي مبادرة لا تحظى بدعم صريح من هذه القوى تبقى عرضة للتجاهل أو التعطيل.
يمكن فهم سبب الفتور الشعبي والإعلامي تجاه تصريحات المنفي بخبرة الليبيين عبر سنوات الحرب؛ فلا يقيسون السياسي ببلاغته، بل بقدرته على تغيير الوقائع، وإذا لم تُترجم المبادرات إلى خطوات ملموسة تُعيد توحيد مؤسسة أو تُغلق ثغرة أمنية أو تُطلق مساراً انتخابياً فعلياً، فإنها توضع سريعاً في أرشيف التصريحات.
المصالحة كملاذ أخير
أكثر ما يميز خطاب المنفي هو تمسكه بالمصالحة كضرورة وطنية غير قابلة للتأجيل، لكن المصالحة ليست مجرد دعوة لضبط الخطاب أو انتخاب مؤتمر تمثيلي؛ إنها عملية معقدة تبدأ بالاعتراف المتبادل، وتمر بالعدالة الانتقالية، وتنتهي بإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل يطمئن الجميع.

وفي هذا المسار تحديداً، تبدو مبادرات المجلس الرئاسي وكأنها تحاول تسريع الخطوات دون حسم الأسئلة الثقيلة، فمن يتحمل المسؤولية عن إخفاقات المرحلة الانتقالية؟ وكيف تضمن عدالة لا تتحول إلى انتقام ولا إلى عفو شامل بلا مساءلة؟ وكيف تدمج القوى المسلحة في بنية دولة موحدة؟
الأسئلة أكبر من المقابلة، وربما أكبر من المجلس نفسه، لكن ما تكشفه المقابلة بوضوح هو فجوة متزايدة بين خطاب دولة مكتمل الملامح، وواقع سلطة لا تزال موزعة ومحدودة التأثير.
بين النية والقدرة
لا يمكن إنكار أن المنفي قدم رؤية تبدو منسجمة نظرياً من المصالحة الشاملة، واحتكام إلى الشعب، ووحدة قضائية، وشفافية في النفط، غير أن السياسة في ليبيا لم تعد ساحة للنوايا الحسنة، بل لاختبار القدرة على التنفيذ في بيئة معقدة.

ليبيا لا تعاني نقصاً في الخطابات الكبرى، بل في السلطة القادرة على تجسيدها، وبين خطاب مصالحة طموح وواقع انقسام مستمر، تبدو مبادرات المنفي أقرب إلى محاولة لإعادة إنتاج دور سياسي متآكل، أكثر منها نقطة انعطاف فعلية في مسار الدولة.
بقلم: نضال الخضري
ليبيا.. انطلاق رالي “تي تي” الصحراوي في ودان
