شكّل قرار المحكمة الفدرالية في المنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا، الصادر في 20 فبراير 2026، بإسقاط الدعوى الأخيرة المرفوعة ضد المشير خليفة حفتر، محطة مفصلية في مسار قانوني امتد قرابة سبع سنوات، تداخلت فيه الاعتبارات القضائية مع رهانات سياسية عابرة للحدود.
الحكم الذي صدر بقبول طلب الحكم المستعجل وإنهاء الإجراءات دون محاكمة كاملة، أعاد رسم حدود الاشتباك بين القانون والسياسة، وأغلق الساحة الأمريكية أمام محاولات تحويلها إلى منصة إدانة دولية، وانتقل ملف الدعاوى من طور الضغط المفتوح إلى مرحلة الإغلاق القضائي، بعد أن أخفقت محاولات تثبيت مسؤولية قانونية وفق المعايير الفدرالية الصارمة.
مع انقضاء هذا المسار، يجد خصوم القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية أنفسهم أمام فراغ استراتيجي يستدعي إعادة الحسابات، في ظل سقوط أحد أبرز الرهانات التي عُوِّل عليها لتقييد الدور السياسي والعسكري للمشير خارج الحدود الليبية، فالمحكمة خلصت، بعد مراجعة المذكرات والدفوع وسلسلة الجلسات، إلى عدم توافر أساس قانوني كافٍ يسمح باستمرار الدعوى وفق المعايير الفدرالية، وهذا التعبير القانوني المختصر يحمل في طياته دلالة أعمق، فما طُرح لم يرقَ إلى مستوى الإثبات القضائي الصارم الذي يتطلبه النظام الأمريكي، مهما كان الضجيج السياسي والإعلامي المصاحب.

من ساحات القتال إلى قاعات المحاكم
بدأت القضايا عام 2019، مستندة إلى “قانون حماية ضحايا التعذيب ” (TVPA)، وإلى وقائع تعود إلى العمليات العسكرية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، واعتمد المدّعون على فرضية أن حمل حفتر للجنسية الأمريكية يفتح الباب لاختصاص القضاء الفدرالي.
غير أن مسار التقاضي أظهر أن حمل الجنسية وحده لا يكفي لإقامة دعوى ناجحة، ما لم تُستوفَ شروط الولاية القضائية الشخصية، وتُقدَّم أدلة مباشرة ومتماسكة تربط القائد العسكري بوقائع محددة وفق المعايير الإثباتية الأمريكية، وهنا اصطدم الخصوم بجدار القانون البارد، حيث لا تكفي السرديات السياسية أو البيانات الحقوقية لتكوين ملف قضائي مكتمل الأركان.
صحيح أن بعض الأحكام السابقة شهدت قرارات غيابية أو ترتيبات إجرائية مؤقتة، إلا أن المسار العام انتهى إلى إسقاط آخر الدعاوى أمام محكمة الدرجة الأولى، وإغلاق الملف الأمريكي عملياً في هذه المرحلة.

القضاء بين السياسة والمعيار القانوني
خلال سنوات التقاضي، حاول خصوم المشير نقل الصراع الليبي إلى الساحة الأمريكية، مستندين إلى خطاب حقوقي مكثف، وإلى تحالفات ضغط داخل واشنطن، لكن القضاء الأمريكي، رغم استقلاله عن السلطة التنفيذية، يبقى محكوماً بقواعد إجرائية صارمة لا تخضع لتوازنات الرأي العام أو المزاج السياسي.
نوقشت في أروقة المحاكم مسائل الاختصاص، والحصانة، وطبيعة النزاع المسلح في ليبيا، وحدود مسؤولية القادة العسكريين، وفي كل مرة، كان عبء الإثبات هو الفيصل، فالقضاء الفدرالي لا يبني أحكامه على افتراضات عامة أو توصيفات سياسية، بل على أدلة قابلة للفحص والتدقيق وفق معيار “الترجيح المعقول”.
القرار الأخير يعكس، في جوهره، انتصاراً للمنهج القانوني على منطق التسييس، وهو ما يفسر الإشادة التي صدرت عن مصادر قانونية بعمل فريق الدفاع، الذي اعتمد على دفوع موثقة والتزام صارم بالقواعد الإجرائية.

رهان تدويل النزاع… وسقوطه
كان الهدف الأوسع لخصوم القيادة العامة يتمثل في تدويل النزاع، وتحويله إلى ملف قانوني مفتوح في العواصم الغربية، بما يترتب عليه من عزلة سياسية وربما قيود دبلوماسية، إلا أن فشل المسار الأمريكي يطرح سؤالاً حول حدود هذه الاستراتيجية.
فالمحاكم الأمريكية، رغم أهميتها الرمزية، ليست ساحة مفتوحة لتصفية النزاعات السياسية، والأنظمة القضائية الغربية عموماً تتطلب معايير إثبات مرتفعة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بنزاعات مسلحة خارج أراضيها، وهذا الفشل لا يعني اختفاء الاتهامات أو السجالات، لكنه يعني أن تحويلها إلى أحكام قضائية نافذة ليس مساراً سهلاً، بل مسار محفوف بشروط دقيقة، كثيراً ما تتجاوز قدرة الحملات الإعلامية على تلبيتها.

التوقيت السياسي ودلالاته
لا يمكن فصل القرار عن السياق الليبي الداخلي، فالمشهد السياسي لا يزال منقسماً، والعملية الانتخابية مؤجلة، وموازين القوى متحركة، وطوال سنوات استُخدمت الدعاوى القضائية كأداة ضغط ضمن صراع أوسع على الشرعية والتموضع في مرحلة ما بعد الحرب.
إغلاق الملف الأمريكي في هذا التوقيت يمنح المشير حفتر هامش حركة أوسع في أي ترتيبات سياسية مقبلة، ويُضعف ورقة كان خصومه يعوّلون عليها لتقييد حضوره الخارجي، كما أنه يبعث برسالة ضمنية مفادها أن الرهان على القضاء الخارجي بديلاً عن التنافس السياسي الداخلي ليس خياراً مضمون النتائج.
ماذا بعد إخفاق المسار الأمريكي؟
السؤال المطروح الآن: ماذا سيفعل أعداء القيادة العامة بعد سقوط آخر دعوى في الولايات المتحدة؟
السيناريوهات المحتملة متعددة:
- إعادة التموضع في أوروبا فيسعى بعض الخصوم إلى تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية في محاكم أوروبية، وإن كان هذا المسار لا يقل تعقيداً عن نظيره الأمريكي.
- الضغط عبر المؤسسات الدولية من خلال مجلس حقوق الإنسان أو آليات الأمم المتحدة اللذان يشكلان منصات بديلة لطرح الاتهامات، وإن كانت توصياتهما تفتقر إلى قوة التنفيذ المباشر.
- التركيز على الساحة الداخلية كرهان على إعادة تشكيل التحالفات السياسية داخل ليبيا، ومحاولة تقليص نفوذ القيادة العامة عبر أدوات سياسية لا قضائية.
- الحرب الإعلامية وهي أداة لا تقل حضوراً عن المسارات القانونية، لكنها تبقى محدودة الأثر ما لم تسندها قرارات قضائية أو سياسية ملزمة.
غير أن كل هذه الخيارات تصطدم بحقيقة أساسية أن الصراع الليبي، مهما تعددت ساحاته، يبقى في جوهره صراعاً على الشرعية داخل الحدود الوطنية.

بين القانون والسيادة
قرار المحكمة الفدرالية يكرّس، في أحد أبعاده، مبدأ سيادة القانون بمعناه الإجرائي، فلا محاكمة دون اختصاص، ولا إدانة دون دليل كافٍ، لكنه في بعد آخر يعيد الاعتبار لفكرة أن النزاعات الوطنية المعقدة لا تُحل دائماً في قاعات محاكم أجنبية.
بالنسبة لخصوم المشير حفتر، يشكل هذا الحكم انتكاسة استراتيجية، أما بالنسبة للقيادة العامة، فهو يعزز سردية مفادها أن الاتهامات الموجهة إليها لم تثبت قضائياً في أهم ساحة قانونية راهن عليها المعارضون.

خلاصة المشهد
سبع سنوات من المرافعات والمذكرات والضغوط انتهت إلى قرار حاسم بإسقاط الدعوى الأخيرة، وفي ميزان القانون، لا يُقاس الصخب السياسي، بل تُوزن الأدلة، وما لم يُثبت وفق المعايير القضائية يبقى في نطاق الادعاء.
ربما لا يكون هذا الفصل الأخير في سجال طويل، لكنه بلا شك محطة مفصلية، حيث سقط رهان أساسي لخصوم المشير في الولايات المتحدة، وتبقى أمامهم خيارات محدودة ومعقدة.
يتضح أن معركة الشرعية في ليبيا لن تُحسم في واشنطن ولا في فرجينيا، بل في الداخل الليبي نفسه، حيث تتقاطع صناديق الاقتراع، إن أُنجزت، مع موازين القوة على الأرض، ويبدو أن خصوم المشير مطالبون بإعادة حساباتهم، بعدما أخفقت محاولاتهم في تحويل القضاء الأمريكي إلى ساحة حسم لصراع متعلق بليبيا ومصالح شعبيها.
بقلم مازن بلال
الخارجية الأمريكية: العقبات أمام الاستثمار الأجنبي في ليبيا تفوق إمكاناتها الواعدة
