05 أبريل 2025

ظهرت اللجنة الاستشارية الأممية كمبادرة لتسهيل العملية السياسية، لكنها حاولت تعديل قواعد اللعبة الانتخابية لصالح حكومة الوحدة الوطنية منتهية الصلاحية، ما يعكس استمرار الأزمة البنيوية في ليبيا، حيث تُفرض الحلول من الخارج، بينما الأولوية بالنسبة لليبيين هي التوافق الداخلي.

خلفية الصراع الانتخابي

منذ فشل تنظيم الانتخابات في ديسمبر 2021، تبلور خلاف حول القوانين الانتخابية، لكنه في جوهره ليس مجرد مسألة تشريعية، بل تعبير عن صراع سياسي حول مستقبل السلطة في ليبيا، وجاء تشكيل لجنة 6+6 التي تضم ممثلين عن مجلسي النواب والدولة واستطاعت التوصل إلى توافق بشأن القوانين الانتخابية، وكان يُفترض أن يفتح ذلك الباب أمام الانتخابات، غير أن حكومة طرابلس والمتحالفين معها في الغرب الليبي أبدوا تحفظا على بعض بنود تلك القوانين خشية خسارة الانتخابات أمام مرشحين من الشرق الليبي أو شخصيات من النظام السابق.

بعد أربع سنوات جاء إعلان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل) في فبراير 2025 عن تشكيل لجنة استشارية من 30 عضوا (تم الكشف عن 20 منهم فقط)، بدعوى تجاوز العقبات القانونية، غير أن هذه اللجنة ينظر إليها كوسيلة لتقويض ما توصلت إليه لجنة 6+6، وإعادة التفاوض على القوانين الانتخابية، بما يتلاءم مع مصلحة الأطراف التي تعجز عن ضمان فوزها وفق القواعد الحالية.

هذه اللجنة ليست معنية بإعداد دستور جديد، كما حاولت البعثة تقديمها، بل جوهرها إعادة ضبط المشهد الانتخابي، ما دفع أطرافا محلية، مثل المجلس الأعلى للدولة، إلى انتقادها، واعتبار تشكيلها إقصاء للمؤسسات الليبية. كما عبّرت روسيا عن رفضها، معتبرة أن اللجنة تفتقر للشفافية، في حين أيّدت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي هذه الخطوة.

مصير اللجنة: إعادة إنتاج الأزمة؟

ما يخشاه الليبيون أن تتحول اللجنة إلى مجرد منصة جديدة لتعميق الانقسام، أو وسيلة للمماطلة بهدف تمديد الوضع الراهن، فالتجارب السابقة، مثل منتدى الحوار السياسي، انتهت إلى حلول مؤقتة عززت الانقسام بدلاً من إنهائه، ونجاح اللجنة مرهون بإعادة الاعتبار لتوافقات 6+6، ووقف الضغوط الغربية التي تسعى إلى تفصيل قوانين انتخابية تناسب طرفا دون آخر، ويبدو تشكيل اللجنة ومنذ طرحه من قبل نائبة رئيس البعثة الأممية في ليبيا، ستيفاني خوري، موضع شك، كما أنه طرح انتقادات ليس فقط على المستوى الليبي بل أيضا ضمن الحالة الدولية عموما، فاقتراح خوري يحمل جملة من الأمور يمكن تخليصها بنقطتين:

  1. غموض المعايير وانتقادات روسيا

أثار إعلان تشكيل اللجنة انتقادات واسعة؛ كان أبرزها ما صدر من روسيا، حيث وصفت العملية بأنها “تفتقر إلى الشفافية”، وفقا لتصريحات وزير خارجيتها سيرغي لافروف، ويتقاطع هذا الموقف مع تحفظات داخلية ليبية، مثل تلك التي عبر عنها المجلس الأعلى للدولة الذي انتقد “عدم التشاور” مع المؤسسات الليبية في اختيار الأعضاء، ووفق الوثائق التي تسربت من البعثة الأممية فإن المعايير في الاختيار اعتمدت “المهنية والخبرة القانونية”، لكن غياب التفاصيل الدقيقة حول آلية التقييم يترك مجالا للتشكيك في نزاهة الاختيار، خاصة مع وجود أعضاء سبق لهم المشاركة في مبادرات أممية سابقة، مثل “منتدى الحوار السياسي”، مما يعزز الانطباع بإعادة تدوير النخب نفسها.

  1. الانقسام الداخلي: ترحيب ورفض

ضمن المشهد الليبي انقسمت المواقف تجاه اللجنة ما بين الترحيب الذي ظهر عبر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي اعتبرها “فرصة لتجديد الشرعية”، كما أيدتها جماعات مثل “الإخوان المسلمون” التي ترى فيها وسيلة لتعزيز حضورها السياسي، والرفض الذي عبر عنه المجلس الأعلى للدولة، بزعامة محمد تكالة، حيث انتقد التشكيل ووصفه بأنه “غير متوازن”، في إشارة إلى غياب تمثيل كافٍ لبعض المناطق أو التيارات.

ويعكس هذا الانقسام صراعا أوسع على مفاهيم الشرعية ففي الغرب الليبي حيث حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية هناك قبول واضح نتيجة المصالح الغربية، وعلاقة الحكومة مع الأمم المتحدة والحكومات في أوروبا وواشنطن، بينما في الشرق يظهر تعامل آخر يسعى إلى المصالح الليبية ولجعل ليبيا نقطة توازن إقليمي في شمال إفريقيا.

صراع المصالح الدولية

الإشكاليات في الداخل الليبي تجاه اللجنة لها أبعاد كثيرة، لأن الخلافات حولها تمتد إلى الساحة الدولية، فهناك بالدرجة الأولى دعم غربي لعمل اللجنة، حيث رحبت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي باللجنة، وتم اعتبارها خطوة نحو “استقرار ليبيا”، وهو ما يتوافق مع سعيهم لتعزيز نفوذهم عبر دعم حكومة طرابلس، وعلى المقلب الآخر عبّرت موسكو عن شكوكها في جدوى اللجنة، وربطت ذلك بانتقاداتها المستمرة لـ “فشل البعثة الأممية” في تحقيق نتائج ملموسة، وهو موقف يعكس مخاوفها من تهميش دور الليبيين لصالح القوى الغربية، وهذا الاستقطاب الدولي يزيد من تعقيد المهمة، فاللجنة وفق التصورات القائمة داخل المشهد الليبي يتم استخدامها كأداة في الصراع الجيوسياسي، بدلا من أن تكون منصة محايدة لحل الخلافات.

يضاف إلى ذلك عامل آخر مرتبط بوظيفة اللجنة، حيث أكدت البعثة الأممية أنها “ليست هيئة لاتخاذ القرارات”، بل ستقدم توصيات فنية تُرفع إليها لـ “البناء عليها لاحقا”، وهذا التقييد في مهامها يطرح تساؤلات حول مدى تأثير مخرجات اللجنة، خاصة في ظل تاريخ من المبادرات التي لم تُترجم إلى حلول عملية، فاللجنة ستعمل تحت “سقف زمني محدد”، لكن غياب آلية واضحة لتنفيذ المقترحات يهدد بتحويلها إلى مجرد “ورشة نقاش” تكرس الأزمة بدلا من حلها.

إشكالية التمثيل وفرص النجاح

أشارت البعثة إلى التزامها بتمثيل النساء بنسبة 30% في اللجنة، وهو ما تحقق بوجود 7 نساء بين الأعضاء الـ20 المعلنين، ورغم أهمية هذه الخطوة في مجتمع محافظ، إلا أن بعض الناشطات الليبيات عبرن عن خشيتهن من أن يكون التمثيل “شكليا”، دون منح النساء دورا فعالا في صنع القرار، هذا يطرح تحديا أمام اللجنة في إثبات جدواها كأداة للإصلاح الشامل، وليس مجرد استجابة لضغوط دولية حول المساواة بين الجنسين.

عمليا إذا نجحت اللجنة في تقديم مقترحات توافقية حول القوانين الانتخابية، مثل حل إشكالية “أهلية المرشحين” أو “آلية الإشراف على الانتخابات”، فإن هذا الأمر يمكن أن يسهل من العملية الانتخابية، لكن الأداء العام حتى الآن في تشكيلها على الأقل يطرح المخاطر بدلا من مسألة نجاحها في حل الخلافات، ففشلها يعني تعميق الانقسامات الداخلية والدولية ويحولها إلى “ورقة تفاوض” بين الأطراف المتنازعة، دون تحقيق تقدم ملموس.

بقلم مازن بلال

اقرأ المزيد