في لحظة فارقة من تاريخ الدولة الليبية، بلغت أزمة السلطة القضائية مستوى غير مسبوق من التعقيد، ليس فقط بسبب تضارب التأويلات القانونية، بل لأن الصراع بات يمس جوهر الشرعية الدستورية ومفهوم سيادة القانون.
التطورات الأخيرة المرتبطة بالإجراءات الأحادية المنسوبة إلى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، وضعت المؤسسة القضائية في قلب تجاذب سياسي يهدد بتقويض ما تبقى من ثقة عامة في حيادها واستقلالها.
والقراءة المتأنية للمشهد تكشف أن الأزمة لا تدور في فراغ، بل تتقاطع مع مسار سياسي أوسع تقوده مبادرات في شرق البلاد، حيث يسعى مجلس النواب الليبي إلى إعادة إطلاق العملية الانتخابية، وترتيب الإطار القانوني والدستوري المنظم لها، ووفق هذا السياق يصبح السؤال أكثر عمقا: هل نحن أمام خلاف قانوني مشروع حول الصلاحيات، أم أمام إعادة تشكيل لموازين القوى تحت غطاء إجرائي؟

من الحكم الدستوري إلى صراع مقر المجلس الأعلى
التصعيد الأخير ارتبط بتنفيذ حكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، قضى بعدم دستورية قرار مجلس النواب رقم 5 لسنة 2022 بشأن تعيين رئيس المحكمة العليا، وهذا الحكم أعاد فتح النقاش حول تعديلات قانون النظام القضائي، وحدود سلطة السلطة التشريعية في تسمية المناصب السيادية.
غير أن الإشكال لم يكن في الحكم ذاته، بل في كيفية توظيفه، فحين أُعلن عن تسلم مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس استنادا إلى تنفيذ الحكم، وُصفت الخطوة من قبل المجلس القائم بأنها “اقتحام” وفرض لمنطق الأمر الواقع، في المقابل، اعتبر مؤيدو التنفيذ أن احترام حجية الأحكام القضائية هو جوهر دولة القانون.
المفارقة هنا أن الخلاف لم يعد حول مضمون الحكم، بل حول شرعية الجهة التي تتولى ترجمته إلى واقع مؤسسي، وهو ما يعكس خللا أعمق في بنية الانتقال السياسي، حيث تتداخل السلطات وتتنازع التأويلات في ظل غياب مرجعية دستورية مستقرة.

حدود الصلاحيات… وتوسيع التأويل
الإطار القانوني الناظم يقوم على الإعلان الدستوري لعام 2011، والاتفاق السياسي لعام 2015، وخريطة طريق 2021، غير أن هذه النصوص، وإن رسمت ملامح توزيع السلطات، لم تحسم بدقة إشكالية التداخل بين المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة من جهة، والسلطة التشريعية من جهة أخرى.
تحركات المنفي فُسرت باعتبارها تفعيلا لصلاحيات سيادية في ظل فراغ دستوري، بينما قرئت مواقف تكالة على أنها دفاع عن دور المجلس الأعلى للدولة الاستشاري، غير أن ما يثير التساؤل هو أن أي إعادة تشكيل في قمة الهرم القضائي دون توافق تشريعي واضح تضعف منطق الفصل بين السلطات.
في المقابل، يتمسك مجلس النواب بحقه الأصيل في التشريع وتنظيم الهياكل القضائية، استنادا إلى كونه الجهة المنتخبة الوحيدة المتبقية، ومن هذا المنظور، فإن قراراته، حتى وإن خضعت للطعن، تظل جزءا من مسار مؤسسي واضح، لا من إجراءات استثنائية تُتخذ بقرارات منفردة.

القضاء والانتخابات: معركة التوقيت
لا يمكن فصل أزمة القضاء عن رهانات الانتخابات المؤجلة، فالشرق الليبي، عبر مجلس النواب وحكومة الاستقرار، أبدى استعدادا للمضي نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية، باعتبارها المخرج الوحيد من دوامة الأجسام الانتقالية.
وأي ارتباك في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء أو شرعية المحكمة العليا يفتح الباب أمام طعون تُستخدم لتعطيل الاستحقاق الانتخابي، فالقضاء هو الجهة التي ستفصل في النزاعات الانتخابية، وأي تشكيك في شرعيته يُقوض العملية برمتها.
في هذا السياق، تبدو الإجراءات الأحادية، مهما كانت دوافعها، وكأنها تعيد إنتاج حالة الغموض القانوني، بدل أن تمهد لأرضية مستقرة للانتخابات، وكلما تأجل الحسم، طال أمد المرحلة الانتقالية، واستمرت مراكز القوة القائمة في ممارسة صلاحيات واسعة دون تفويض انتخابي مباشر.

تقاطع المال والقضاء
التوتر القضائي يتزامن مع صراع مالي حاد، فرئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، أعلن اتفاقا ماليا يمنح المصرف المركزي في طرابلس سلطة حصرية على سقوف الإنفاق، في مواجهة ما وصفه بـ”الإنفاق الموازي” في الشرق، الذي قال إنه تجاوز 303 مليارات دينار.
هذا الصراع المالي ليس تفصيلا تقنيا؛ إنه جزء من معركة الشرعية، فمن يملك سلطة ضبط المال العام يملك نفوذا سياسيا مضاعفا، ومن هذه الزاوية يصبح القضاء عنصرا حاسما في ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك.
إذ إن أي حكم يتعلق بشرعية الإنفاق أو دستورية القرارات المالية يعيد رسم المشهد، وإعادة تشكيل القضاء أو الطعن في بنيته المؤسسية لا يمكن عزله عن هذا السياق الأوسع.

سمعة القضاء على المحك
أخطر ما في الأزمة ليس الانقسام ذاته، بل الرسالة التي تبعثها إلى الرأي العام، فحين يتبادل قضاة الاتهامات بفرض الأمر الواقع، أو يُستدعى النائب العام للتدخل في نزاع داخلي، تتآكل صورة القضاء كسلطة فوق التجاذبات.
كما أن احتمالية صدور قرارات متعارضة من هيئات تدعي الشرعية ذاتها تهدد بإدخال البلاد في ازدواجية قضائية، تنعكس على الأحكام الجنائية، والعقود الاقتصادية، وحتى النزاعات الإدارية اليومية.
وفي بلد يعاني أصلا انقساما جغرافيا وسياسيا، فإن انقسام القضاء يعني عمليا انقسام الدولة.
بين منطق الضرورة ومنطق الدولة
يدافع البعض عن الإجراءات الأخيرة باعتبارها ضرورة في ظل انسداد الأفق السياسي، غير أن منطق الضرورة، إذا لم يُقيد بضوابط واضحة، يتحول إلى قاعدة دائمة وهنا يكمن الخطر.
فالدولة لا تُبنى على تأويلات موسعة للصلاحيات، بل على احترام توازن السلطات، وإذا كان مجلس النواب اتخذ بعض القرارات، فإن الطعن بها يجب أن يتم عبر آليات دستورية واضحة، لا عبر خطوات أحادية تُفهم على أنها التفاف على مسار سياسي أوسع.
في المسار العام تبدو المبادرات الرامية إلى إجراء انتخابات شاملة خطوة في اتجاه إعادة الشرعية إلى مصدرها الأصلي في صندوق الاقتراع، أما إبقاء المشهد في حالة سيولة قانونية، فإنه يمنح أفضلية لمن يملك السيطرة الفعلية على مؤسسات العاصمة، دون أن يحسم مسألة التفويض الشعبي.

هل نحن أمام نقطة تحول؟
أزمة القضاء اليوم ليست مجرد خلاف إداري أو صراع على مقر؛ إنها اختبار لقدرة ليبيا على إعادة تعريف الشرعية خارج منطق الغلبة، فإذا جرى احتواء الأزمة عبر حوار مؤسسي يضمن احترام الأحكام القضائية ويصون دور السلطة التشريعية، فتتحول إلى فرصة لإعادة ضبط التوازن.
أما إذا استمرت الإجراءات الأحادية، وتحول القضاء إلى ساحة صراع مفتوح، فإن الخسارة لن تكون لطرف دون آخر، بل لفكرة الدولة نفسها.
لا يمكن لأي سلطة أن تحكم بلا مرجعية قانونية تحظى بإجماع وطني، لكن الطريق إلى ذلك يمر عبر احترام المؤسسات المنتخبة، والالتزام بمسار انتخابي واضح، وتحويل القضاء إلى حكم بين السلطات لا أداة في يدها.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل ليبيا تدور في حلقة مفرغة، حيث يتغذى الانقسام من ذاته، وتبقى العدالة معلقة بين نصوص متنازع عليها ووقائع تُفرض بقوة السياسة.
بقلم مازن بلال
ليبيا.. أب يحتجز طفله المصاب بالتوحد 10 سنوات في ظروف قاسية
