30 مارس 2026

في لحظة سياسية تسبق جولة لقاءات ليبية – أمريكية مرتقبة، فجر مفتي ليبيا الصادق الغرياني جدلاً بتصريحات حادة ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متجاوزاً حدود النقد السياسي إلى خطاب أيديولوجي صريح يعيد تعريف الاصطفافات في المنطقة.

هذه التصريحات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الليبي الداخلي، ولا عن ديناميات الصراع الإقليمي، ولا عن حسابات التفاوض المقبلة، فهل نحن أمام موقف عقائدي خالص، أم رسالة سياسية محسوبة التأثير؟ أم ربما محاولة لإعادة تشكيل ميزان الضغط قبيل مفاوضات حساسة؟

خطاب ديني بمضامين جيوسياسية

في مداخلته عبر برنامج “الإسلام والحياة”، لم يكتفِ الغرياني بانتقاد ترامب، بل أعاد تأطير الصراع الدولي ضمن ثنائية دينية واضحة “المسلمون” مقابل “غيرهم”، مع رفض صريح لفكرة الحياد، التي اعتبرها “من صفات النفاق”.

يقتصر هذا الطرح لا على بعد وعظي، بل يحمل دلالات سياسية عميقة، فحين يصف الغرياني إيران بأنها “بلد إسلامي” وأنها من “أهل القبلة”، فهو لا يقدم فتوى فقهية فقط، بل يضفي شرعية دينية على تموضع سياسي في قلب الصراع الأمريكي – الإيراني .

الأهم أن هذا الخطاب يأتي مترافقاً مع هجوم مباشر على ترامب، الذي صوره الغرياني بوصفه امتداداً لـ”الجبابرة” في التاريخ، في إحالة دينية ذات شحنة رمزية عالية، ويتحول النقد من مستوى السياسة إلى مستوى الشرعية الأخلاقية، بل وحتى الدينية.

توقيت حساس قبل مفاوضات واشنطن

ما يمنح هذه التصريحات وزناً استثنائياً هو توقيتها، حيث تتزامن مع تحركات أمريكية مكثفة لإعادة ترتيب المشهد الليبي، عبر دعم توحيد المؤسسة العسكرية، ورعاية حوار سياسي شامل، والضغط نحو انتخابات .

الولايات المتحدة التي تبنّت مؤخرا نهج “الحياد الإيجابي”؛ تسعى إلى تثبيت الاستقرار في ليبيا باعتبارها شريكاً إقليمياً مهماً، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب والطاقة، فأي تصعيد خطابي من شخصية مؤثرة مثل الغرياني لا يمكن فصله عن مسار هذه الجهود.

التصريحات تقرأ أحياناً في واشنطن باعتبارها مؤشراً على وجود تيار داخل الغرب الليبي لا ينظر بعين الرضا إلى الانخراط الأمريكي، أو على الأقل يريد إعادة تعريف شروطه.

الغرياني والدبيبة.. تقاطع لا تطابق

لا يمكن فهم دلالات موقف الغرياني دون التوقف عند علاقته برئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، فهو أحد أبرز الحلفاء الأيديولوجيين غير الرسميين للحكومة في غرب ليبيا، لكن علاقته بها ليست علاقة تبعية، بل دعم انتقائي مشروط.

الغرياني سبق أن دعم مواقف حكومية في مواجهة خصوم الشرق، لكنه في الوقت نفسه لم يتردد في انتقاد الحكومة في ملفات الفساد أو السياسات الخارجية، ما يعني أن تصريحاته ضد ترامب لا يمكن اعتبارها انعكاساً مباشراً لسياسة رسمية، لكنها في الوقت ذاته لا تنفصل تماماً عن البيئة السياسية التي يتحرك فيها، فالغرياني ليس صوتاً حكومياً، لكنه ليس خارج المجال السياسي المؤثر أيضاً.

رسائل متعددة الاتجاهات

يمكن قراءة تصريحات الغرياني على ثلاثة مستويات متداخلة:

  1. رسالة داخلية عبر إعادة تعبئة القاعدة الاجتماعية ذات التوجه الإسلامي، خصوصاً في ظل تراجع الزخم الثوري، ومحاولة إعادة إحياء خطاب “الهوية” في مواجهة ما يُنظر إليه كضغوط خارجية.
  2. رسالة إقليمية فالاصطفاف، ولو خطابياً، إلى جانب إيران في مواجهة الولايات المتحدة يعكس تقاطعاً مع تيارات أوسع في المنطقة ترى في الصراع مع واشنطن صراعاً حضارياً أو دينياً.
  3. رسالة تفاوضية من خلال رفع سقف الخطاب قبيل المفاوضات، بما يمنح الأطراف القريبة من هذا التيار هامشاً أوسع للمناورة، أو على الأقل يضع قيوداً سياسية على أي تنازلات محتملة.

هل يعزز المفاوضات أم يعطلها؟

السؤال الجوهري هل جاء هذا التصعيد لدعم المفاوضات أم لإرباكها؟

من زاوية أولى، يمكن القول إن رفع سقف الخطاب قبل التفاوض هو تكتيك معروف، يهدف إلى تحسين شروط التفاوض، فحين يظهر أحد الأطراف تشدداً أيديولوجياً، فإنه يرسل إشارة بأنه ليس مستعداً لتقديم تنازلات سهلة.

لكن من زاوية أخرى يؤدي هذا الخطاب أحياناً إلى نتائج عكسية، فالولايات المتحدة، التي تدعي سعيها إلى بناء توافق ليبي، يمكن أن ترى في هذه التصريحات مؤشراً على هشاشة الشريك في الغرب الليبي، أو على وجود قوى غير منضبطة تعرقل أي اتفاق.

إن توصيف الصراع بلغة دينية حادة يضعف فرص بناء أرضية مشتركة تقوم على المصالح السياسية، ويعيد إنتاج الانقسامات بدل تجاوزها.

البعد الأيديولوجي حين يتقدم على الوطني

واحدة من أبرز الإشكاليات في خطاب الغرياني هي أولوية البعد الأيديولوجي على المصلحة الوطنية، فحين يتم تأطير الصراع في ليبيا ضمن سياق “أمة” أوسع، يصبح من السهل تهميش الاعتبارات المحلية لصالح اعتبارات عابرة للحدود.

هذا ما يظهر في تأكيده على وجوب “الولاء للمسلمين” في أي صراع، وهو موقف، بغض النظر عن مشروعيته الدينية، يطرح تحديات سياسية في دولة تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي.

هذا الطرح يحمل إمكانية إضعاف قدرة ليبيا على التفاوض بوصفها دولة ذات سيادة، ويحولها إلى ساحة لتجاذبات أيديولوجية لا تخدم بالضرورة استقرارها.

انعكاسات محتملة على العلاقات الأمريكية–الليبية

من غير المرجح أن تؤدي تصريحات الغرياني وحدها إلى تغيير جذري في العلاقات الأمريكية–الليبية، لكنها يمكن أن تترك آثاراً ملموسة على مستوى الثقة.

واشنطن ستنظر بقلق إلى تنامي خطاب ديني معاد، خاصة إذا ترافق مع تأثير سياسي فعلي، وهذا ما سيدفعها إلى إعادة تقييم شركائها، أو إلى تشديد شروطها في أي تفاهمات قادمة.

في المقابل، هناك احتمال في أن تستفيد أطراف أخرى، داخلية أو إقليمية، من هذا التوتر لتعزيز مواقعها، سواء عبر تقديم نفسها كبديل أكثر “اعتدالاً”، أو عبر توظيف الخطاب في سياق صراعات أوسع.

بين العقيدة والسياسة

تصريحات الصادق الغرياني ضد ترامب تعبير عن تداخل معقد بين الدين والسياسة في ليبيا، فهي في آن واحد خطاب عقائدي، وأداة ضغط، ورسالة سياسية متعددة الأبعاد.

لكن التحدي الأكبر يكمن في أثر هذا الخطاب على مسار الدولة الليبية نفسها، فبينما تسعى البلاد إلى الخروج من الانقسام، سيؤدي تغليب البعد الأيديولوجي إلى إعادة إنتاج الانقسامات بصيغة جديدة.

وفي لحظة تحتاج فيها ليبيا إلى براغماتية سياسية عالية، يبدو أن صوت العقيدة، كما يقدمه الغرياني، لا يزال قادراً على إعادة تشكيل المشهد، حتى وإن جاء ذلك على حساب تعقيدات الواقع.

والسؤال المفتوح هل كان هذا التصعيد خطوة محسوبة في لعبة التفاوض، أم تعبيراً عن رؤية تتقدم فيها العقيدة على الدولة؟ الإجابة ستتضح في واشنطن أو حتى على الأرض الليبية نفسها.

بقلم: نضال الخضري  

تركيا تعزز حضورها في ليبيا.. وزير التجارة يزور طرابلس الشهر المقبل

اقرأ المزيد