شهد الشرق الليبي خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة في مختلف جوانب الحياة، بعد فترة طويلة من الفوضى الأمنية والانفلات المؤسسي التي أعقبت أحداث عام 2011. ففي مناطق سيطرة القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر، برز عامل الاستقرار الأمني كأحد أبرز المتغيرات التي أعادت تشكيل الواقع اليومي والاقتصادي والخدمي في مدن الشرق.
كان المشهد الأمني في مدن مثل بنغازي ودرنة وأجدابيا قبل سنوات عنواناً للفوضى والاغتيالات وانتشار الجماعات المسلحة. ومع انطلاق العمليات العسكرية التي قادها الجيش الليبي، تمكّنت القوات من تفكيك عدد كبير من التنظيمات المتطرفة، وتأمين المدن والطرق الحيوية، ما ساهم في عودة الشعور النسبي بالأمان لدى السكان، وفتح المجال أمام استعادة النشاط المدني والمؤسسي.
ومثّلت إعادة إعمار بنغازي نموذجاً واضحاً لهذا التحول، حيث أُعيد فتح أحياء كانت مغلقة لسنوات، وأُنجزت مشاريع طرق وجسور ومبانٍ عامة، إلى جانب عودة المؤسسات الحكومية والجامعات والمستشفيات إلى العمل. كما شهدت مدن أخرى كطبرق والبيضاء والمرج تحسناً في الأداء البلدي وانتظاماً أكبر في العمل الإداري.
وساهم الاستقرار الأمني في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وانتعشت حركة التجارة والنقل بين المدن، وبدأت الاستثمارات الأجنبية بالتدفق إلى السوق الليبية. كما انعكس ذلك على الحياة اليومية للمواطنين.

ورغم استمرار التحديات، شهدت قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم تحسناً كبيراً في مناطق الشرق، وقد ساعد تأمين وتطوير الموانئ والمطارات والطرق الرئيسية في ضمان وصول الإمدادات واستمرار الخدمات الأساسية.
وشهد مستوى الدخل في الشرق الليبي تحسناً ملحوظاً، الأمر الذي جاء مدفوعاً بعودة المهن الحرة إلى النشاط، مثل التجارة، والنقل، والورش، والخدمات، والمقاولات.
ولعبت مشاريع إعادة إعمار بنغازي ودرنة دوراً مهماً في تحسين مستوى الدخل، إذ وفّرت فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لشرائح واسعة من العمال والمهندسين وأصحاب الشركات الصغيرة. وأسهم قطاع البناء في تحريك قطاعات أخرى مرتبطة به، مثل النقل ومواد البناء والخدمات، ما عزّز الدورة الاقتصادية المحلية.

في المقابل، لا يزال الغرب الليبي يعاني من تعدد مراكز القوة وغياب سلطة أمنية موحدة، ما انعكس سلباً على الاقتصاد ومستوى الدخل. فالصدامات المتكررة، وعمليات الإغلاق، والابتزاز، أدت إلى تعطّل الأعمال التجارية، وإغلاق مؤسسات، وتكبّد أصحاب المهن الحرة خسائر متواصلة.
عند مقارنة القدرة الشرائية، يتضح أن المواطن في الشرق الليبي يتمتع باستقرار نسبي في دخله، ما يسمح له بالتخطيط والإنفاق المنتظم، في حين يواجه المواطن في الغرب حالة من عدم اليقين الدائم، حيث يمكن لأي توتر أمني أن يوقف مصدر دخله في أي لحظة.
كما أن استقرار الطرق والموانئ في الشرق ساعد في انتظام تدفق السلع، بينما يعاني الغرب من اضطراب في الإمدادات خلال فترات التوتر، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتقلبها.
ولا يكمن الفارق الأساسي بين الشرق والغرب في حجم الموارد أو الرواتب، بل في بيئة العمل. فالاستقرار الأمني في الشرق خلق مناخاً يسمح بتحسّن تدريجي في الدخل، بينما تواصل الفوضى في الغرب تقويض أي تحسّن اقتصادي محتمل.
الفاو: جائحة الجراد الصحراوي تمتد إلى شمال إفريقيا
