12 يناير 2026

بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، تعود الجزائر لتنتفض ضد مستعمرها السابق، مؤكدة أن الجرح الكولونيالي لم يندمل بعد، فبمصادقة البرلمان على قانون يجرم الاستعمار الفرنسي ويصفه بـ”جريمة دولة”، فتحت الجزائر صفحة جديدة من المواجهة مع باريس. إنها معركة الذاكرة والسيادة، لا البارود والسلاح.

القانون الذي أقره “المجلس الشعبي الوطني” يوم 24 كانون الأول 2025، لا يكتفي بتوصيف الاحتلال الفرنسي كجريمة ضد الإنسانية، بل يحمل الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية عن المآسي التي تسبب فيها، ويلزم الحكومة الجزائرية بالسعي إلى اعتراف واعتذار رسميين وتعويض شامل عن الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك تنظيف مواقع التفجيرات النووية وتسليم خرائط الألغام والتجارب الكيماوية، وبهذا النص، تعلن الجزائر عمليا أن ماضيها ليس صفحة قابلة للطي، وأن الذاكرة الوطنية “غير قابلة للمحو أو المساومة”، كما قال رئيس البرلمان إبراهيم بوغالي.

وراء هذا “الفعل السيادي بامتياز”، كما وصف رسميا، تختبئ أزمة أعمق في العلاقات الجزائرية–الفرنسية، تغذيها ثلاثة مسارات متداخلة؛ الذاكرة والسيادة والموقع الجيوسياسي، وهذه المسارات تفسر لماذا اختارت الجزائر هذا التوقيت تحديدا لتصعيد لهجتها تجاه باريس، ولماذا قرأت فرنسا الخطوة بوصفها “مبادرة عدائية واضحة» تمس ب”إرادة استئناف الحوار”.

من الماضي الاستعماري إلى حروب الذاكرة

منذ استقلال الجزائر عام 1962، ظل ملف الذاكرة أحد أثقل الأحجار في طريق المصالحة مع فرنسا، فالاستعمار الفرنسي، الذي امتد 132 عاما، لم يكن استعمارا تقليديا بقدر ما كان مشروعا استيطانيا يهدف إلى إحلال شعب مكان آخر، كما وصفه وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في مؤتمر “تجريم الاستعمار في إفريقيا” عام 2024.
عمليات القتل الجماعي والتعذيب والإعدامات خارج القانون وتهجير السكان، وتجارب نووية في الصحراء ما بين 1960 و1966، وكلها جراح لم تندمل بعد، ولا تزال تترك آثارا مادية وبشرية إلى اليوم.

الجزائر الرسمية ترى أن كل محاولات باريس لتسوية الملف بقيت رمزية ومتحفظة، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وإن وصف الاستعمار عام 2017 بأنه “جريمة ضد الإنسانية”، فإنه تراجع لاحقا عن فكرة الاعتذار، مكتفيا بتوصيات مؤرخين، مثل تقرير بنجامان ستورا (2021)، الذي دعا إلى “مصالحة الذاكرة” دون اعتذار رسمي، لكن تلك المقاربة الرمزية لم تقنع الجزائر، خصوصا بعد أن سمح البرلمان الفرنسي سابقا بسن قانون يمجد “الدور الإيجابي للاستعمار” عام 2005، فيما اعتبرته الجزائر “إهانة للتاريخ ولضحاياها”.

لم يتوقف التراشق الرمزي بين العاصمتين، وكلما اقتربت باريس بخطوة من الاعتراف، ابتعدت بخطوتين عن الاعتذار، وعندما تحاول الجزائر تهدئة اللهجة، أعاد الفرنسيون فتح جراح الذاكرة بتصريحات استفزازية، وليس أدل على ذلك من سؤال ماكرون عام 2021 عن “وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار”، وهو ما أثار موجة غضب عارمة في الجزائر الرسمية والشعبية.

قانون الذاكرة: أداة سيادة أم ورقة ضغط؟

من الناحية القانونية، لا يلزم القانون الجديد فرنسا بشيء، فأثره القانوني محلي فقط، رغم أنه لحظة قطيعة في العلاقة التاريخية مع فرنسا.

لا تمتلك الجزائر أدوات قانونية مباشرة لإجبار باريس على الاعتذار أو دفع تعويضات، ما لم تلجأ إلى محاكم دولية أو اتفاقات ثنائية، لكن في السياسة، الرمزية تكون أبلغ من القانون، فالتشريع الجزائري الجديد ليس مجرد نص بل إعلان نية ورسالة سياسية إلى الداخل والخارج.

داخليا يعيد القانون توحيد الطيف السياسي حول سردية وطنية جامعة، في وقت تمر فيه الجزائر بمرحلة اقتصادية ودبلوماسية دقيقة، حيث أشادت جميع القوى السياسية، من جبهة التحرير الوطني إلى حركة البناء الوطني، بالخطوة بوصفها “انتصارا للذاكرة الوطنية”، و”وفاء لدماء الشهداء”، و”مكسبا سياديا”، فهي لحظة توحيد نادرة في مشهد سياسي كثير الانقسام.

خارجيا فالقانون يمثل ورقة ضغط تفاوضية بامتياز، فالعلاقات الجزائرية – الفرنسية تمر بأزمة حادة منذ اعتراف باريس، في صيف 2024، بخطة الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية، وهي خطوة رأت فيها الجزائر اصطفافا استراتيجيا مع خصمها الإقليمي، وجاءت بعدها سلسلة من التوترات؛ من تقليص التأشيرات، وخفض التمثيل الدبلوماسي، وسجن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال قبل أن يعفى عنه بتدخل ألماني، ويبدو أن الجزائر أرادت أن تذكر باريس بأن ملف الذاكرة سلاح تفاوضي ثقيل يمكن إعادة تفعيله عند الحاجة.

القانون ليس فقط استدعاء للماضي، بل استثمار في الذاكرة لخدمة الحاضر، فهو يضع فرنسا في موقف دفاعي أخلاقي، ويعزز الموقف التفاوضي الجزائري في الملفات العالقة؛ من الهجرة والتأشيرات إلى التعاون الأمني والاقتصادي في الساحل وإفريقيا.

رمزية اللحظة: الجزائر المنتصرة وصوت الجنوب العالمي

في الداخل الجزائري، لم ينظر إلى القانون كفعل انتقام، بل كـ”تصحيح للتاريخ”، فوزير المجاهدين عبد المالك تاشريفت قال أمام البرلمان إن النص “يثبت الحقيقة التاريخية ويصون الذاكرة الوطنية”، وإن على فرنسا “تحمل مسؤوليتها التاريخية والاعتراف بما اقترفته”، وأما المؤرخ محمد لحسن زغيدي فاعتبره “ردا برلمانيا وفيا موجها لأعداء الجزائر وللعالم أجمع” ومؤكدا أن “روح نوفمبر لن تموت”.

الخطاب الرسمي هنا يربط بين الذاكرة والسيادة، واستحضار الشهداء وبناء الدولة الحديثة، ويبدو أن السلطة الجزائرية تسعى لترسيخ صورة “الجزائر المنتصرة” التي لا تفاوض على ماضيها، ولا تقبل أن تختزل ثورتها في كتب التاريخ الفرنسي.

لكن للقانون أيضا بعد قاري، فقبل أسابيع من التصويت عليه، نظمت الجزائر مؤتمرا دوليا حول تجريم الاستعمار في إفريقيا، ودعت فيه إلى “الاعتراف الرسمي بجرائم الاستعمار وتعويض القارة عن المظالم التاريخية”، وتسعى الجزائر في هذا الإطار لقيادة سردية إفريقية جديدة ضد الموروث الكولونيالي، مستثمرة رصيدها التاريخي كثورة ألهمت عشرات حركات التحرر في القارة، فتتحول قضية الذاكرة من ملف ثنائي مع فرنسا إلى قضية أممية تتقاطع مع العدالة التاريخية للشعوب الإفريقية.

فرنسا في موقف دفاعي

رد باريس على القانون لم يتأخر، وجاء بعبارات دبلوماسية مشوبة بالمرارة، فوصفت وزارة الخارجية الفرنسية الخطوة بأنها “مبادرة عدائية واضحة” تمس بإرادة استئناف الحوار، وحذرت من “نتائج عكسية”، والمتحدث باسم الخارجية باسكال كونفافرو رفض “التعليق على السياسة الداخلية لدول أجنبية”، لكنه عبر في نفس الوقت عن “الأسف” لما سماه “تسييسا للذاكرة”.

وأشار بيان الوزارة إلى أن فرنسا “ستواصل العمل على استئناف حوار جاد مع الجزائر، لا سيما في المسائل الأمنية والهجرة”، ما يعكس إدراك باريس أن القطيعة التامة ليست خيارا واقعيا في ظل تشابك المصالح.

من زاوية فرنسية، القانون يعد تصعيدا غير ضروري في وقت تحاول فيه باريس إعادة بناء نفوذها المتآكل في إفريقيا بعد تراجعها في مالي والنيجر وتشاد، ومن شأن هذه المواجهة أن تعمق العزلة الفرنسية في القارة، حيث تزداد نبرة الخطاب المناهض للاستعمار في عواصم إفريقية عدة، وتبدو باريس حذرة في ردها، حريصة على ألا تستفز أكثر مما ينبغي.

ذاكرة لا تموت

القانون الجديد رغم طابعه الرمزي، يفتح بابا واسعا أمام جدل قانوني وسياسي طويل، فهو يصف جرائم الاستعمار بأنها “لا تسقط بالتقادم ما يسمح نظريا بملاحقة قانونية أمام الهيئات الدولية استنادا إلى اتفاقيات مثل نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب لعام 1968، لكنه يحمل الدولة الجزائرية أيضا مسؤولية حماية الذاكرة داخليا، إذ يفرض عقوبات بالسجن بين خمس وعشر سنوات على كل من “يمجد الاستعمار أو يروج له”، ويصنف “الحركيين” (الجزائريين الذين تعاونوا مع الجيش الفرنسي) ضمن خانة “الخيانة العظمى”.

يدمج القانون بين البعد الرمزي والوظيفة الردعية، والتاريخ والسياسة، في مسعى لتثبيت هوية وطنية لا تقبل الإنكار، وكأن الجزائر تقول لفرنسا إن ذاكرة الدم لا تمحى، وإن كتابة التاريخ لا تكون في باريس بل في الجزائر العاصمة.

الذاكرة كاستراتيجية تفاوض

لا يمكن قراءة تصعيد الجزائر الأخير بمعزل عن حسابات القوة والموقع التفاوضي، فالقانون رغم أنه مكتوب بلغة التاريخ لكنه يخاطب المستقبل، وتدرك الجزائر أن استعادتها لمكانتها الإقليمية تمر عبر تحرير العلاقة مع فرنسا من عقدة التبعية، وإعادة تعريفها على أسس الندية والاحترام المتبادل.
تجريم الاستعمار ليس فقط محاكمة للماضي، بل أيضا مناورة سياسية محسوبة تعيد ضبط إيقاع العلاقة الثنائية قبل أي مفاوضات اقتصادية أو أمنية جديدة.

ستسعى فرنسا إلى امتصاص الصدمة بالرموز واللجان المشتركة، لكن يبدو أن الجزائر هذه المرة قررت أن تفاوض من موقع الذاكرة لا من موقع الحاجة، فهي لحظة تحول في العلاقة بين الضحية والجلاد؛ فبعد ستين عاما من الاستقلال، تعلن الجزائر أن زمن الصمت انتهى، وأنها لم تعد تكتفي بسماع الاعتذار الضمني، بل تطلبه صراحة، لا انتقاما، بل كي تكتب تاريخها بيدها.

بقلم مازن بلال

لجنة رباعية ليبية تونسية جزائرية إيطالية تبحث برنامج العودة الطوعية للمهاجرين

اقرأ المزيد