01 مارس 2026

بدأت الجزائر إعادة محاكمة 92 متهماً في “ملف حرائق القبائل” بعد نقض المحكمة العليا أحكاماً قاسية شملت الإعدام، ونفى المتهمون تورطهم في الحرائق التي أودت بـ65 شخصاً وقتل جمال بن سماعيل، وأعلنوا انفصالهم عن حركة “ماك” الانفصالية منذ 2019.

في أجواء من القلق والترقب، باشرت “الغرفة الجنائية” بمجلس قضاء الجزائر (محكمة الاستئناف)، اليوم الأحد، إعادة محاكمة 92 متهماً (52 موقوفاً و40 في حالة سراح) فيما يُعرف إعلامياً بـ”ملف حرائق القبائل 2021″، بعد أن نقضت المحكمة العليا الأحكام القاسية التي صدرت عام 2022 ضد عشرات المشتبه بهم في أحداث مروعة هزت الرأي العام الجزائري.

أكد مصدر قضائي أن المحكمة قررت تأجيل الجلسة إلى “الدورة الجنائية” المقبلة، التي تبدأ أواخر مارس وتختتم في نهاية يونيو، وذلك بناء على طلب محامين أشاروا إلى “غياب عدة أوراق تخص الملف”، دون تقديم تفاصيل إضافية حول المستندات المفقودة.

يتفرع “ملف حرائق القبائل” إلى ثلاث قضايا رئيسية: إضرام النار في الغطاء النباتي، مما أسفر عن مقتل 65 شخصاً بين مدنيين وعسكريين، وإتلاف ممتلكات عقارية وحقول وبساتين وأراضٍ زراعية في المنطقة الواقعة شرق العاصمة.

وتتعلق القضية الثانية بقتل الشاب جمال بن سماعيل والتنكيل به بشبهة إشعال النار، فيما تختص القضية الثالثة بتلقي المتهمين “توجيهات من حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل وزعيمها فرحات مهني، بهدف إشعال النيران فيها”.

عشية المحاكمة، أصدر المتهمون نشاك ياسين، حجاز أزواو، قداش يوسف، ولعسكري محمد، بياناً عبر محاميهم، أكدوا فيه الطعن في الوقائع المنسوبة إليهم.

وجاء في البيان: “نؤكد أننا لم نشارك، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر، في حرائق الغابات التي مست المنطقة، ولا في الأفعال التي أدت إلى الوفاة المأساوية لجمال بن إسماعيل. ويعود للجهة القضائية المختصة أن تقيّم، بكل سيادة، عناصر الإثبات المدرجة في الملف، وأن تحدد المسؤوليات المحتملة”.

وفيما يخص تهمة “الانتماء لحركة ماك” (حركة الحكم الذاتي في القبائل)، أفاد البيان بأن المتهمين “أنهوا كل صلة بها سنة 2019. وقد غادرنا هياكلها بسبب توجهها الانفصالي، وكذلك لتمسكنا العميق بنضال يكون في إطار لا يمس بالأمة ولا بوحدتها ولا بالمصلحة الوطنية. ومنذ ذلك التاريخ، لم نقم بأي نشاط أو التزام من شأنه أن يربطنا بالوقائع محل المتابعة”.

وعبر المتهمون عن “تعاطفهم العميق مع عائلة جمال بن إسماعيل، ومع جميع عائلات ضحايا الحرائق”، معتبرين أن “هذه الأحداث تسببت في ألم عظيم لا يسعنا إلا أن نحييه بكل احترام وخشوع”.

وجددوا تمسكهم باحترام قوانين ومؤسسات الجمهورية، معربين عن ثقتهم في “سير محاكمة عادلة، قائمة على المبدأ الأساسي لقرينة البراءة وعلى التمحيص بدقة في الأدلة”.

في تقدير المحامين وعائلات المتهمين، وكذلك في أوساط السياسة والإعلام، يُعد نقض الأحكام ومعاودة المحاكمة مؤشراً قوياً على استعداد القضاء الجزائري للنظر في القضية من زوايا أخرى، مما يبعث على ارتياح بشأن إمكانية إجراء محاكمة عادلة أخيراً، بعد سنوات من التصعيد القانوني والإعلامي.

من جانبه، أصدر حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية”، الذي يملك أهم قواعده النضالية في منطقة القبائل، بياناً قال فيه إن القضية “كانت محاطة منذ البداية بشحنات سياسية وإعلامية، ومحاولات لاستغلال الألم لأهداف تتجاوز البحث عن الحقيقة”.

وشدد الحزب على أن “العدالة في دولة القانون تُمارس بهدوء، مع احترام حقوق الدفاع، والسعي الدقيق للحقيقة”.

وحض المحكمة على “إظهار استقلال وعدالة القضاء الجزائري، وإصدار حكم يحقق الإنصاف، ويعيد الحق للضحايا وعائلاتهم، وللمتهمين، وفق الوقائع”، مشيراً إلى أن “الألم يجب ألا يولد الظلم، والمأساة يجب ألا تتحول إلى ذريعة للتعسف. الطريق الشريف للأمة هو الحقيقة والعدل والقانون”.

تعود أحداث القضية إلى 21 أغسطس 2021، حين اجتاحت حرائق مدمرة منطقة القبائل، مخلفة عشرات القتلى. وفي ظل جهود التضامن، توجه الفنان التشكيلي جمال بن سماعيل من مليانة (120 كلم غرب العاصمة) للمساعدة في إخماد الحرائق.

بعد قضاء ليلة أولى، اتهمه السكان بإشعال الحرائق. وأثناء توجهه مع شابين آخرين، اعترضتهم حشود غاضبة، ففر الثلاثة. تمكنت الشرطة من حمايته في البداية، لكن جمعاً كبيراً توجه إلى مقر الاحتجاز، حيث سحب جمال من مركبة الشرطة وجر إلى ساحة البلدة، حيث تعرض للتعذيب ثم أحرق حياً وقطع رأسه، في مشهد صدم الرأي العام الجزائري والعربي.

كانت محكمة الجنايات قد أحالت 102 شخصاً إلى المحاكمة بتهم منها “أفعال إرهابية وتخريبية”، و”القتل العمد مع سبق الإصرار”، و”التحريض على العنف وخطاب الكراهية”، و”الانتماء إلى حركة انفصال مصنفة إرهابية”.

وفي الدرجة الأولى، صدر حكم بإعدام 49 متهماً، والسجن من سنتين إلى 10 سنوات على 28 آخرين، والبراءة لـ17 شخصاً.

وبعد الطعن، عادت القضية إلى “غرفة الجنايات” في أكتوبر 2022، حيث صدر حكم نهائي بإعدام 36 متهماً، والسجن 20 سنة لستة آخرين، و10 سنوات لمتهم واحد، وتبرئة 26 آخرين، إضافة إلى أحكام أخرى بالسجن تتراوح بين 3 و7 سنوات، وفرض تعويض 20 مليون دينار جزائري لعائلة الضحية.

أثار الحكم غضب عائلات المتهمين الذين كانوا متجمعين أمام المحكمة، حيث توقعوا قراراً “أكثر رحمة”، خصوصاً بحق المحكوم عليهم بالإعدام.

وقبل أيام من النطق بالحكم، كانت العائلات قد أرسلت رسالة إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون تطلب فيها مراجعة القرار، بينما استدعى صراخ المتهمين وبكاء الحاضرين تدخل قوات الأمن وإخلاء القاعة أثناء الجلسة.

الجزائر تقترح 30 نوفمبر يوماً إفريقياً لتكريم ضحايا الاستعمار

اقرأ المزيد