تواجه السواحل الليبية تصاعدا مقلقا في مستويات التلوث البحري، وسط مخاوف متزايدة من تداعياته على الثروة السمكية والأمن الغذائي، في وقت تتزايد فيه الشهادات الميدانية التي تتحدث عن تدهور غير مسبوق في البيئة البحرية، وصل في بعض المناطق إلى ما يشبه “مقابر للأسماك” في الأعماق.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أعادت مشاهد وثقها بحارة وغواصون ليبيون النقاش حول حجم الأزمة البيئية إلى الواجهة، بعدما رصدوا مؤشرات تلوث حاد قبالة سواحل مدينة زوارة، غرب البلاد.
وأفاد أفراد من الفريق بأنهم لاحظوا، على مسافات بعيدة نسبيا عن الشاطئ، تغيرا واضحًا في خصائص المياه، من حيث العكارة وانخفاض مستوى الرؤية، بما يعكس امتداد التلوث إلى عمق البحر، لا بقائه محصورا قرب الساحل.
ووفق روايات ميدانية، فإن الصورة في القاع كانت أكثر قتامة، إذ عثر على كميات كبيرة من الأسماك النافقة متناثرة على الرمال، إلى جانب شباك صيد مهملة ومخلفات بلاستيكية، فضلا عن دلائل تشير إلى استخدام وسائل صيد مدمرة، أبرزها المتفجرات، وهذه المشاهد، بحسب الغواصين، لا تعكس حادثا عارضًا، بل نمطًا متكررا من الاعتداء على البيئة البحرية.
وصيادون محليون من زوارة يؤكدون بدورهم أن ما جرى توثيقه في الأعماق ينسجم مع ما يلاحظونه يوميا خلال رحلات الصيد.
ويشير بعضهم إلى تغير لون المياه في مناطق معينة، وظهور روائح غير مألوفة، فضلًا عن فقدان البحر صفاءه المعهود حتى في الظروف الجوية المستقرة، وهي ظواهر لم تكن مألوفة في السابق.
ويرى الصيادون أن الصيد الجائر باستخدام المتفجرات يمثل أحد أخطر أسباب التدهور البيئي، إذ لا يقتصر تأثيره على الأسماك المستهدفة، بل يمتد إلى تدمير النظام البيئي بأكمله.
وغالبا ما تعقب هذه العمليات مشاهد نفوق جماعي للأسماك، يطفو بعضها على السطح، بينما يستقر الجزء الأكبر في القاع، ما يفسر حجم الخسائر غير المرئية.
ومن جانبه، يحذر مختصون في علوم البيئة من أن التلوث البحري في ليبيا بلغ مستويات تنذر بالخطر، مشيرين إلى أن المشكلة لا تقتصر على ممارسات الصيد غير القانونية.
وتكشف دراسات محلية عن تصريف كميات ضخمة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة في البحر، خصوصا قبالة العاصمة طرابلس، عبر عشرات المخارج، ما يؤدي إلى ارتفاع التلوث البكتيري واتساع رقعة المياه الملوثة داخل البحر.
وتظهر التحاليل البيئية، بحسب الخبراء، أن المناطق القريبة من مخارج الصرف تسجّل مستويات عالية من التلوث الميكروبي، وهو ما ينعكس سلبا على جودة المياه وصلاحيتها للأنشطة البحرية، ويرتبط بنفوق الأسماك وتراجع التنوع البيولوجي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يشير مختصون إلى أن التلوث النفطي بات عاملا إضافيًا يفاقم الأزمة، مع تسجيل تركيزات مرتفعة من القطران ومركبات الهيدروكربون في مناطق ساحلية عدة، تتجاوز المعدلات المعروفة في البحر المتوسط.
كما يلفتون إلى الأثر البيئي لمحطات تحلية المياه المنتشرة على الساحل، التي تتسبب في رفع درجات حرارة المياه المحيطة بها، ما يؤدي إلى انخفاض الأكسجين المذاب، ودفع الكائنات البحرية إلى الهجرة أو النفوق.
ويحذر خبراء البيئة من أن أخطر نتائج هذا التلوث تكمن في تراكم المعادن الثقيلة داخل أجسام الكائنات البحرية، مثل الرصاص والنيكل، الأمر الذي لا يهدد الثروة السمكية فحسب، بل ينعكس أيضًا على صحة الإنسان، في ظل تسويق واستهلاك أسماك قد تكون ملوثة.
مصر.. وفاة يوسف ندا القيادي الإخواني ومؤسس بنك التقوى
