05 فبراير 2026

رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان قال إن موعد القضاء على التمرد بات قريباً، في إشارة إلى قوات الدعم السريع، مؤكداً أن السودان دخل مرحلة حاسمة لا تقبل أنصاف الحلول ولا العودة إلى صيغ التعايش السابقة.

وجاءت تصريحات البرهان في توقيت سياسي وعسكري بالغ الحساسية، تزامن مع إعلان أمريكي عن توصل الآلية الرباعية الدولية إلى وثيقة سلام قيل إنها تحظى بقبول طرفي النزاع، في مشهد يعكس بوضوح حجم التباين بين خطاب الحسم الميداني الذي تتبناه القيادة العسكرية، ومساعي التسوية السياسية التي تقودها أطراف إقليمية ودولية.

وحمل خطاب البرهان أمام حشد جماهيري في منطقة التكينة بولاية الجزيرة دلالات متعددة، إذ عكس من جهة ثقة القيادة العسكرية في مسار العمليات الجارية على الأرض، ومن جهة أخرى سعى إلى إعادة تعبئة الشارع ومنحه دوراً مباشراً في سردية الحرب.

ولم يكن الخطاب موجّهاً إلى الخصم وحده، بل إلى الداخل السوداني، في محاولة لترسيخ شرعية ما وصف بـ”المعركة الوطنية” باعتبارها دفاعاً عن الدولة ووحدتها، لا مجرد صراع بين قوتين مسلحتين على السلطة.

وبدت لغة البرهان حاسمة وقاطعة، لا تفتح أي نافذة لاحتمال التسوية مع قوات الدعم السريع، وهو ما يعكس تحولاً في رؤية المؤسسة العسكرية للصراع، من كونه أزمة سياسية قابلة للاحتواء إلى كونه صراع وجود لا يقبل المساومة.

كما أن إشادته بما سماه “المقاومة الشعبية” في منطقة التكينة تشير إلى توجه واضح لتكريس الحرب بوصفها حرباً شعبية دفاعية تستند إلى دعم مجتمعي، وليس مجرد قرار عسكري فوقي.

ولم يكن اختيار التكينة مسرحاً لهذا الخطاب أمراً عابراً، إذ إن المنطقة التي خضعت سابقاً لسيطرة قوات الدعم السريع تحولت في الخطاب الرسمي إلى رمز لانطلاق المقاومة من الداخل.

ويهدف هذا التوظيف الرمزي إلى ترسيخ قناعة بأن المجتمع المحلي يقف خلف الجيش، ونزع أي مشروعية اجتماعية عن قوات الدعم السريع، وتقديم الحرب على أنها استجابة لإرادة شعبية قبل أن تكون خياراً عسكرياً، في سياق تحصين القرار العسكري داخلياً رغم الكلفة الإنسانية العالية واستمرار معاناة المدنيين.

وفي المقابل، يعكس إعلان مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، عن التوصل إلى وثيقة سلام مقبولة من طرفي النزاع مساراً موازياً تقوده قوى إقليمية ودولية ترى أن الحل العسكري وحده لن يكون كافياً لإنهاء الأزمة السودانية.

وتمثل الآلية الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، ثقلاً سياسياً مؤثراً، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الوثائق، بقدر ما يكمن في قدرتها على الصمود أمام تعقيدات الواقع الميداني.

ويظل السؤال الجوهري مرتبطاً بمدى قابلية أي اتفاق للتطبيق على الأرض، وتوفر إرادة حقيقية لدى الأطراف المسلحة للالتزام به، إضافة إلى قدرة الوسطاء الدوليين على تقديم ضمانات تنفيذ فعالة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تزامن الخطاب العسكري مع الإعلان الأمريكي على أنه محاولة من القيادة السودانية لتحسين شروط التفاوض، أو توجيه رسالة مفادها أن السلام، إن تحقق، يجب أن يُبنى على معادلة انتصار واضح، لا على تسوية متوازنة.

وفي السياق ذاته، جاءت تصريحات نائب قائد الجيش وعضو مجلس السيادة الانتقالي شمس الدين كباشي لتكمل المشهد، لكنها حملت بعداً مختلفاً يركز على مرحلة ما بعد “التحرير”، إذ شدد على أن الهدف لا يقتصر على استعادة السيطرة العسكرية، بل يمتد إلى تأمين عودة المواطنين إلى مناطقهم في كردفان ودارفور، وبدء مسار إعادة الإعمار والتعافي والتنمية.

ويسعى هذا الخطاب إلى طمأنة الداخل والخارج بأن المؤسسة العسكرية تمتلك تصوراً يتجاوز البعد الأمني، ويربط النصر العسكري بأفق مدني واقتصادي أوسع.

وفي ضوء هذه المعطيات، يقف السودان عند مفترق طرق حاسم، فسيناريو الحسم العسكري يبدو مدفوعاً بخطاب تعبوي وتقدم ميداني نسبي ودعم شعبي في بعض المناطق، لكنه يظل محفوفاً بمخاطر إطالة أمد الصراع وتوسيع رقعته.

وأما سيناريو التسوية السياسية، فرغم ما يحظى به من دعم إقليمي ودولي، فإنه يصطدم بانعدام الثقة بين الأطراف وبسقف الخطاب العسكري المرتفع، ما يجعل فرصه رهينة لتغيرات ميدانية لم تنضج بعد.

وبين هذين المسارين، يُرجح أن تشهد المرحلة المقبلة مزيجاً من التصعيد العسكري والمناورة السياسية، في وقت تظل فيه الوقائع على الأرض العامل الحاسم في رسم مستقبل السودان، بين حسم تفرضه القوة، أو تسوية تُنتزع تحت ضغط السلاح والإنهاك، في مشهد مفتوح على جميع الاحتمالات.

أزمة إنسانية في الكفرة الليبية.. نداء استغاثة مع تزايد أعداد النازحين

اقرأ المزيد