15 مارس 2026

ينمو الاقتصاد الرقمي في ليبيا بشكل متسارع مع تزايد المعاملات الإلكترونية التي قد تخطت 50%، لكنه يواجه تحديات أبرزها ضعف البنية التحتية للاتصالات وفرض رسوم إضافية على المستخدمين، وطالب خبراء بإلغاء هذه الرسوم وتحفيز الدفع الرقمي لمواجهة أزمة السيولة وإعادة السيطرة على الكتلة النقدية.

يشهد الاقتصاد الرقمي في ليبيا تحولاً متسارعاً يعكس تغيراً واضحاً في أنماط المعاملات المالية والسلوك الاستهلاكي، مدفوعاً بتوسع استخدام المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع عبر الهاتف المحمول، وفق مؤشرات رسمية صادرة عن مركز الاتصال الحكومي التي سجلت نمواً ملحوظاً في المعاملات الرقمية.

أكد المستشار الاقتصادي وحيد الجبو، في تصريحات إعلامية أن الإقبال المتزايد على خدمات الدفع الإلكتروني في ليبيا يعود إلى التسهيلات الكبيرة التي توفرها هذه الخدمات، إذ تتيح للمواطن إنجاز معاملاته المصرفية دون الحاجة إلى الوقوف في طوابير طويلة أو إهدار الوقت، فضلاً عن تقليل تكاليف التنقل.

وأوضح أن الدفع الإلكتروني أسهم في اختصار الوقت والجهد، ما جعله خياراً مفضلاً لدى شريحة واسعة من المواطنين، مشيراً إلى أن المعاملات الرقمية تشهد نمواً متزايداً وقد تكون تجاوزت نسبة 50% من إجمالي التعاملات، رغم أن هذه النسبة لا تزال محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة.

وبيّن الجبو أن النسبة المتبقية من المواطنين الذين لا يستخدمون الدفع الإلكتروني تعود أسبابها إلى عدة عوامل، منها عدم امتلاك بعضهم للهواتف الذكية، أو نقص المعرفة بكيفية استخدام التطبيقات، إضافة إلى صعوبات فنية تتعلق بالتعامل مع الأنظمة الرقمية مثل إدخال البيانات أو التعامل مع الأرقام السرية.

وفيما يخص تأثير أزمة السيولة، أكد أن المحافظ الإلكترونية تعد أحد الحلول التي أسهمت في التخفيف من حدة الأزمة، إذ تمكن المواطنين من إجراء معاملاتهم دون الحاجة إلى سحب الأموال النقدية، ما يقلل الضغط على السيولة المتداولة.

أما بشأن تقييم تجربة التحويلات عبر الهاتف المحمول والتطبيقات المصرفية، فأوضح الجبو أنها لم تصل بعد إلى مستوى الكفاءة الكاملة، مشيراً إلى وجود مشكلات متكررة في شبكة الاتصالات مثل ضعف التغطية أو الضغط على الشبكة أو الأعطال الفنية، ما يؤدي أحياناً إلى فشل عمليات التحويل ويضع المواطنين في مواقف محرجة أثناء إتمام عمليات الدفع.

وشدد على أن تطوير خدمات الدفع الإلكتروني يتطلب تحسين البنية التحتية لقطاع الاتصالات وضمان استقرار الشبكة وجودتها، بما يكفل سرعة إنجاز المعاملات ويعزز الثقة في الأنظمة المصرفية الرقمية.

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي رمزي الجدي في تصريح خاص، إن الحديث عن التحول الرقمي في ليبيا لا يمكن فصله عن أزمة السيولة التي بدأت ملامحها منذ عام 2014، حين تحولت مسألة الحصول على النقد إلى معاناة يومية للمواطنين في ظل طوابير أمام المصارف وسقوف سحب متدنية واتساع نشاط السوق الموازي خارج المنظومة المصرفية.

وأوضح أن التحول الرقمي الذي جرى تطبيقه تمثل أساساً في نقل جزء من المعاملات المالية من التداول النقدي إلى وسائل الدفع الإلكتروني، سواء عبر البطاقات المصرفية أو التحويلات الإلكترونية أو نقاط البيع أو المحافظ الإلكترونية.

وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي إلى جانب شركة “معاملات للخدمات المالية” وشركة “تداول للتقنية” لعب دوراً في توسيع شبكة نقاط البيع وتشجيع استخدام الدفع الإلكتروني في المحال التجارية والصيدليات وحتى في بعض المؤسسات الحكومية، معتبراً أن هذه الإجراءات أسهمت نسبياً في تخفيف الضغط على السيولة النقدية.

لكن الجدي أكد أن هذا التحسن ظل سطحياً وغير عميق، إذ إن كل عملية دفع إلكتروني كانت تمثل ديناراً موجوداً أصلاً داخل المصرف، ما أعاد جزءاً من الكتلة النقدية إلى النظام المصرفي دون أن يكون ذلك نتيجة سياسة نقدية متكاملة.

ولفت إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الرسوم المفروضة على المعاملات الإلكترونية، حيث يتحمل المواطن عمولات أو تكاليف إضافية عند استخدام البطاقة أو إجراء تحويل، في حين لا تترتب مثل هذه التكاليف على الدفع النقدي.

وأوضح أن هذه المفارقة خلقت فرقاً سعرياً فعلياً بين الدينار النقدي والدينار المصرفي، بحيث أصبح سعر السلعة عند الدفع نقداً يختلف عن سعرها عند الدفع عبر البطاقة أو التحويل، وهو ما أعاد إنتاج منطق السوق الموازي الذي تسعى الدولة إلى محاربته.

وتساءل الجدي: “إذا كان الهدف هو الانتقال إلى اقتصاد أقل اعتماداً على النقد، فلماذا تفرض رسوم إضافية على من يستخدم الوسائل الإلكترونية؟ أليس من المفترض أن تكون هذه الوسائل أقل تكلفة لتحفيز المواطنين على استخدامها؟”.

وأكد أن التحول الرقمي يحتاج إلى حوافز وثقة وتكامل في السياسة النقدية، لا إلى أعباء إضافية تعكس ذهنية إدارية قصيرة المدى تبحث عن إيراد سريع بدل إصلاح هيكلي حقيقي .

واقترح قلب المعادلة عبر إلغاء جميع الرسوم على العمليات الرقمية، بحيث تكون أي معاملة عبر البطاقة أو التحويل دون تكلفة إضافية على التاجر أو المستهلك، مقابل فرض عمولة على الإيداع والسحب النقدي، حتى يصبح الدينار الإلكتروني أقل تكلفة من الدينار النقدي.

وبيّن أن النقد مكلف للدولة من حيث الطباعة والنقل والتأمين، كما أنه يغذي الاقتصاد الموازي ويضغط على إدارة السيولة، وبالتالي من المنطقي أن يكون الخيار الأعلى تكلفة هو الكاش، لا الدفع الإلكتروني.

وختم الجدي بالقول إن ليبيا لا تعاني من نقص حقيقي في العملة بقدر ما تعاني من سوء توزيع وإدارة للكتلة النقدية، مؤكداً أن الاقتصاد الرقمي ليس رفاهية تقنية، بل أداة لاستعادة السيطرة على الدورة المالية داخل الدولة، غير أن تحقيق ذلك يتطلب قراراً سياسياً ونقدياً واضحاً من المصرف المركزي بإلغاء الرسوم على المعاملات الإلكترونية وفرض تكلفة على التعاملات النقدية.

وفي سياق متصل، عقد وزير الدولة للشؤون الاقتصادية في ليبيا، سلامة الغويل، في الآونة الأخيرة اجتماعاً مع فريق العمل الاقتصادي المشكل من رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عبد الحميد الدبيبة.

وأوصى المجتمعون بضرورة تشكيل لجنة للتحول الرقمي بإشراف وزير الدولة للشؤون الاقتصادية رئيس فريق العمل الاقتصادي، وبعضوية وكيل وزارة التخطيط والمدير العام لصندوق الاستثمار الداخلي.

ليبيا.. عقيلة صالح يتهم المجلس الرئاسي بمحاولة سرقة المال العام

اقرأ المزيد