20 يناير 2026

نشر سيف الإسلام معمر القذافي في منتصف يناير 2026، مادة وثائقية مطولة بعنوان “الاستقلال الناقص”، أثارت جدلاً داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الليبية.

المادة، المدعومة بمراجع تاريخية ووثائق رفعت عنها السرية، لا تكتفي بإعادة النظر في لحظة استقلال ليبيا عام 1951، بل تهدم السردية التقليدية برمتها، لتطرح سؤالاً أعمق، فهل ولدت ليبيا دولة مستقلة حقاً، أم كانت منذ اللحظة الأولى كياناً وضع في حضانة القوى الغربية، ثم أعيد تسويقه كاستقلال وطني؟

يستند سيف الإسلام في قراءته إلى سردية متماسكة بأن الاستقلال الليبي لم يكن ثمرة كفاح وطني خالص، بل نتيجة مباشرة لتوازنات الحرب الباردة بين واشنطن ولندن وباريس من جهة، والاتحاد السوفييتي من جهة أخرى.

ما أُعلن عنه في الرابع والعشرين من ديسمبر 1951 لم يكن استقلالا ًبقدر ما كان اتفاق هدنة بين القوى الكبرى على أرض ليبيا، أفرزت دولة بلا سيادة، وحكومة مقيدة، ودستوراً صاغه الأجانب لضمان استمرار النفوذ الغربي في جنوب المتوسط.

من ملاعب الغولف إلى وثائق الاستقلال

في مقدمة المادة، يستدعي سيف الإسلام نصوصاً منسية من مؤلفات رودولفو غراتسياني وغيره من المؤرخين الإيطاليين، ليؤكد أن الأمير إدريس السنوسي الذي صار لاحقاً ملكاً، تخلى عن مسار الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي في سنواته الأخيرة، مفضلاً حياة الهدوء في القاهرة ومجالس الغولف على ساحات القتال.

ويذهب أبعد من ذلك حين يورد رسالة منسوبة إلى الشهيد عمر المختار، يشكو فيها من تقاعس إدريس عن دعم المجاهدين بالسلاح والمؤن، وهذه الإشارة ليست تفصيلاً عرضياً في السرد، بل ركيزة رمزية لأن التاريخ بالنسبة لسيف الإسلام ليس مجرد تسلسل للأحداث، بل بنية أخلاقية، والخيانة الأولى، خيانة الجهاد، هي التي مهدت، في رأيه، لخيانة الاستقلال.

بهذه الرؤية يصبح إعلان 1951 ليس لحظة خلاص وطني، بل تتويجاً لتسوية كبرى بين الإمبراطوريات المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي رأت في ليبيا رقعة استراتيجية ينبغي تحييدها من أي نفوذ سوفييتي محتمل.

كانت واشنطن ولندن تخشيان من تحول البلاد إلى قاعدة للبحرية الحمراء في المتوسط، خاصة وأن موسكو كانت تضغط لفرض وصاية ثلاثية على الأراضي الليبية، وهي خطة يمكن أن تمنحها موطئ قدم في “المياه الدافئة” وتعطيها أوراقاً جيوسياسية.

لعبة الأمم: استقلال أم صفقة جيوسياسية؟

في قراءة سيف الإسلام، جاءت ولادة الدولة الليبية من رحم صفقة دقيقة؛ الغرب يمنح ليبيا “استقلالاً شكلياً” مقابل القبول ببقاء قواعده العسكرية وضمان امتيازاته الاقتصادية والنفطية، وتحولت بنغازي وطرابلس إلى محطات دائمة للقوات البريطانية والأمريكية، وجرى توزيع المستشارين الأجانب في الوزارات الليبية كما لو أنهم أوصياء على دولة قاصر.

تظهر الوثائق التي يستشهد بها أن الدستور الليبي لم يكن من صياغة لجنة الستين كما يُروج، بل كُتب تحت إشراف مباشر من أدريان بيلت، ممثل الأمم المتحدة، وبمعاونة خبراء أجانب ومصريين اخُتيروا بعناية لإضفاء شرعية عربية على عملية يرعاها الغرب، وكانت النتيجة نظاماً ملكياً محافظاً، مكرساً لتأمين مصالح القوى الغربية أكثر من تمثيل إرادة الشعب الليبي.

أما القواعد العسكرية، قاعدة ويلس الأمريكية وقاعدة العدم البريطانية، فحصلت على حصانات مطلقة، لا تخضع للقضاء الليبي، وتمتعت بصلاحيات داخل الأراضي الوطنية، وفي المقابل، كانت الخزانة الليبية تعتمد على إيجارات تلك القواعد وعلى معونات سنوية من بريطانيا، وحتى بعد اكتشاف النفط في أواخر الخمسينيات، استمر هذا الارتهان المالي والسياسي، ما دفع سيف الإسلام إلى القول إن “الاستقلال كان مشروطا ًبالبقاء في بيت الطاعة الغربي”.

إدريس السنوسي بين البراغماتية والاتهام بالخيانة

الجزء الأكثر إثارة في طرح سيف الإسلام هو اتهامه الصريح للملك إدريس السنوسي بـ”خيانة عمر المختار”، وببيع الاستقلال الليبي مقابل ضمان العرش، ويستند في ذلك إلى مصادر إيطالية وبريطانية تشير إلى اتصالات مبكرة بين السنوسيين والقوى الاستعمارية، وإلى دور إدريس في إجهاض التيار الوطني المعارض للنفوذ الأجنبي، ممثلاً بجمعية عمر المختار وحزب المؤتمر الوطني بقيادة بشير السعداوي.

كان السعداوي، كما تذكر الوثائق البريطانية، الصوت الوطني الأوضح في المطالبة باستقلال حقيقي خال من القواعد الأجنبية، لكن النظام الملكي تعامل معه بوصفه خطراً على “الاستقرار”، فحل حزبه ونُفي إلى الخارج، أما الجمعية التي حملت اسم المختار فتم حلها هي الأخرى، وجرى التضييق على أعضائها حتى غادروا البلاد.

يتجلى المشهد الذي يرسمه سيف الإسلام بملك يستمد سلطته من الخارج، ومعارضة وطنية تسحق باسم “الاستقلال”، ودولة جديدة تدار عملياً من مكاتب السفارتين الأمريكية والبريطانية في طرابلس وبنغازي.

من الوصاية المقنعة إلى الثورة الحقيقية

في هذا السياق، يرى سيف الإسلام أن التحول الحقيقي نحو السيادة لم يبدأ إلا في الأول من سبتمبر 1969، حين قاد الضباط الأحرار بقيادة معمر القذافي ثورة الفاتح التي ألغت اتفاقيات القواعد وطردت المستشارين والمستوطنين الإيطاليين، بالنسبة له كانت تلك اللحظة بمثابة “الاستقلال الثاني” — استقلال فعلي انتزع من الخارج لا وهب من الأمم المتحدة.

وليس من قبيل المصادفة، في رأيه، أن الغرب لم يغفر لذلك النظام تمرده على الوصاية القديمة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، دخلت ليبيا في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وتجلت في سلسلة من المواجهات العسكرية والدبلوماسية، من قصف طرابلس عام 1986 إلى حرب أوزو مع فرنسا، وصولاً إلى التدخل الدولي في 2011 الذي أنهى حكم معمر القذافي وأعاد البلاد إلى دائرة النفوذ الخارجي.

ذاكرة التاريخ وهاجس العودة إلى الوصاية

يميل سيف الإسلام إلى توسيع القراءة من المحلي إلى الكوني، فالتاريخ الليبي، كما يراه، ليس سوى مرآة مصغرة لصراع دائم بين الشرق والغرب على النفوذ في جنوب المتوسط، وليبيا، بمواردها وموقعها، لم تكن يوماً لاعباً مستقلاً بل ملعباً تتقاطع فوقه مصالح الآخرين.

و يستحضر سيف الإسلام السياق الراهن، فبعد 2011، تحولت ليبيا إلى مسرح جديد لتقاطع القواعد الأجنبية، تماما كما كانت بعد 1951، فالولايات المتحدة تعود عبر اتفاقيات أمنية جديدة، وإيطاليا وفرنسا تتنافسان على الطاقة، فيما تسعى موسكو إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي في المتوسط عبر الشراكات العسكرية والاقتصادية مع أطراف ليبية، بالنسبة لسيف الإسلام هذا ليس سوى إعادة إنتاج لتاريخ الوصاية الأولى، وكأن الدائرة أغلقت على نفسها.

لكن قراءة سيف الإسلام، رغم اتساقها الوثائقي، تثير سؤالاً معقداً، فهل يمكن اختزال الحقبة السنوسية في مجرد خيانة؟ أم أن الملك إدريس مارس براغماتية سياسية قاسية تفرضها موازين القوى آنذاك؟

كانت ليبيا الخارجة من الاستعمار الإيطالي دولة فقيرة، منقسمة، بلا جيش ولا مؤسسات، محاطة بجوار مضطرب، وفي ظل هذه المعادلة، كان قبول القواعد الأجنبية ثمناً باهظاً وحتمياً لبقاء كيان الدولة الوليدة، فما يراه سيف الإسلام خضوعاً يراه البعض واقعية سياسية في لحظة هشاشة مطلقة.

التاريخ كمعركة سرديات

المفارقة الأعمق أن سيف الإسلام، وهو يعيد قراءة استقلال ليبيا من موقع الابن الذي ورث عبء سردية أبيه، يستخدم التاريخ كسلاح سياسي معاصر، فمقاله الوثائقي ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو أيضاً بيان انتخابي مموه، يعيد تعريف الشرعية الوطنية على أساس مناهضة الوصاية الخارجية.

حين يقول إن “الاستقلال الحقيقي انتهى عام 2011″، فهو لا يتحدث عن الماضي، بل عن الحاضر؛ عن ليبيا ما بعد القذافي التي تغرق مجدداً في انقساماتها وتحت وصاية القوى الدولية، ويتحول التاريخ إلى أداة لمساءلة الراهن فالسيادة يمكن الحديث عنها في ظل تعدد الحكومات، وتنازع القواعد الأجنبية، وتحول السفراء إلى صناع قرار؟

ما بين الاستقلالين

قراءة سيف الإسلام ليست دعوة إلى تمجيد الماضي، بل إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقلال ذاته الذي يراه حالة سيادة اقتصادية واستقلال قرار وطني، فيعيد إحياء سؤال مركزي في الفكر العربي الحديث، فهل يمكن لدولة ما أن تكون مستقلة حقا ًفي نظام دولي يقوم على التبعية البنيوية؟

ربما يتهم سيف الإسلام بالمبالغة أو بتسييس التاريخ لخدمة طموحاته السياسية، لكن لا يمكن إنكار أن أطروحته تلامس جوهر الأزمة الليبية المعاصرة؛ غياب السيادة بوصفه العلة المزمنة التي رافقت ليبيا منذ ميلادها الحديث.

فمن “استقلال الصدفة” سنة 1951، إلى “استقلال الثورة” عام 1969، وصولاً إلى “الاستقلال المجهض” بعد 2011، يبقى السؤال واحداً متى تصبح ليبيا صاحبة قرارها؟

ربما كان سيف الإسلام محقاً حين كتب أن الاستقلال الأول كان ناقصاً، لكن الأخطر اليوم أن يكون الاستقلال الثاني مهدداً بالضياع، فالتاريخ، كما يعرف جيداً، لا يعيد نفسه إلا حين تعجز الشعوب عن قراءته.

بقلم نضال الخضري

حكومة الدبيبة: إدارة الآداب العامة تم تأسيسها في أغسطس

اقرأ المزيد