كشف تقرير أصدره المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، في 13 فبراير الجاري، عن ارتكاب انتهاكات جسيمة في مدينة الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع وميليشيات متحالفة معها، موثقا سقوط آلاف الضحايا المدنيين خلال فترة قصيرة.
واعتمد التقرير على مقابلات ميدانية مع أكثر من 140 ضحية وشاهد في الولاية الشمالية وشرق تشاد، وأشار إلى توثيق مقتل نحو 4400 شخص داخل أحياء المدينة، إضافة إلى 1600 آخرين قتلوا أثناء محاولات الفرار نتيجة القصف ونيران القناصة، ما يرفع حصيلة الضحايا خلال أول 72 ساعة من الهجوم إلى قرابة 6000 قتيل، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي قد يكون أعلى.
وأوضح التقرير أن الهجمات استهدفت المدنيين بصورة ممنهجة، خصوصًا من مكونات عرقية بعينها، وعلى رأسها مجتمع الزغاوة، لافتًا إلى أن عمليات القتل شملت إعدامات ميدانية طالت رجالًا ومراهقين، تحت ذرائع تتعلق باتهامات بالتعاون مع القوات النظامية، في نمط اعتبره التقرير مؤشرًا على حملة تطهير عرقي منسقة.
وسلط المفوض السامي الضوء على حادثة وقعت في 26 أكتوبر 2025، عندما تعرض تجمع كبير للنازحين داخل سكن تابع لجامعة الفاشر لقصف بأسلحة ثقيلة، ما أدى، بحسب شهادات، إلى مقتل مئات الأشخاص في وقت وجيز، في هجوم وصف بأنه استهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر بين المدنيين.
وفي جانب آخر، أكد التقرير أن العنف الجنسي استُخدم على نطاق واسع وبصورة منهجية، موثقا حالات اغتصاب واعتداءات جنسية واختطاف نساء وفتيات بغرض الابتزاز المالي، إضافة إلى انتهاكات خلال عمليات التفتيش، ما اعتبره دليلا على استخدام هذه الجرائم كسلاح لإرهاب المجتمعات المحلية.
وكشف التقرير أيضا عن وجود مرافق احتجاز سرية داخل المدينة، تمارس فيها أعمال تعذيب وسوء معاملة في ظروف قاسية، مع تسجيل وفيات يومية نتيجة تدهور الأوضاع الصحية، مشيرا إلى تحويل أحد مرافق الرعاية الصحية المخصصة للأطفال إلى مركز احتجاز، في وقت لا يزال فيه مصير آلاف المفقودين مجهولًا.
وأكد المفوض السامي وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الانتهاكات تشمل هجمات متعمدة على المدنيين والبنية التحتية، واستخدام التجويع كسلاح، واستهداف العاملين في المجالين الطبي والإنساني، إضافة إلى تجنيد الأطفال والزجّ بهم في الأعمال القتالية، في انتهاك واضح للاتفاقيات الدولية.
وأشار التقرير إلى أن الهجوم جاء بعد حصار استمر نحو 18 شهرا، قيد دخول الغذاء والدواء إلى المدينة، ومهد لاجتياح واسع رافقته عمليات تدمير ونهب منظم للممتلكات العامة والخاصة، وعمليات اختطاف للمدنيين مقابل فدى مالية.
وشدد تورك على ضرورة فتح تحقيقات مستقلة وموثوقة لتحديد المسؤوليات الجنائية، بما في ذلك مسؤولية القادة، داعيا إلى استخدام جميع الآليات المتاحة للمحاسبة، سواء عبر القضاء الوطني أو الولاية القضائية العالمية أو المحكمة الجنائية الدولية.
كما دعا الدول المؤثرة إلى التحرك لفرض احترام حظر السلاح ومنع تدفق المعدات العسكرية إلى أطراف النزاع، معتبرا أن استمرار الإمداد بالسلاح يغذي دوامة العنف ويزيد من مخاطر تكرار المأساة.
وختم المفوض السامي تقريره بالتأكيد على أن ما جرى في الفاشر يمثل اختبارا خطيرًا لإرادة المجتمع الدولي في إنهاء الإفلات من العقاب، داعيًا إلى وقف فوري للأعمال القتالية، وإطلاق مسار سياسي يقود إلى حكم مدني، على أن تكون حماية المدنيين وحقوق الإنسان في صلب أي تسوية مستقبلية.
على هامش القمة الإيطالية-الإفريقية.. الدبيبة يبحث مع وزير الخارجية التشادي ملفات القارة السمراء الشائكة
