لم يعد ممكناً قراءة اغتيال علي لاريجاني بوصفه حادثة أمنية معزولة أو مجرد ضربة نوعية ضد مسؤول كبير في الدولة الإيرانية، لأن الرجل قُتل في سياق حرب أمريكية - إسرائيلية مفتوحة على إيران، دخلت أسبوعها الثالث منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026.
اتخذت منذ أيامها الأولى طابعا يتجاوز استهداف البنى العسكرية إلى ضرب بنية القيادة نفسها، فهذه الحرب لم تبدأ فقط بالقصف والرد الصاروخي، بل ارتبطت منذ لحظتها الأولى باستراتيجية واضحة لتفكيك الحلقة العليا في النظام الإيراني، من اغتيال علي خامنئي إلى تصفية قادة سياسيين وأمنيين وعسكريين، وصولا إلى علي لاريجاني بوصفه أحد العقول القادرة على الربط بين مقتضيات الحرب وحسابات الدولة.

لاريجاني: أكثر من مسؤول أمني
تكمن أهمية لاريجاني من المكانة التي كان يحتلها داخل النظام، فلم يكن مجرد أمين للمجلس الأعلى للأمن القومي، بل ممثلا لنمط خاص من رجال الجمهورية الإسلامية، فكان محافظاً من داخل البنية العقائدية، لكنه براغماتي في إدارة السلطة، وقادرا على التحرك بين الدوائر المتنافسة من دون أن يتحول إلى خصم لأي منها.
هذه السمات تجعل غيابه يتجاوز مسألة “خسارة رجل نافذ” إلى فقدان آلية توازن، فالرجل الذي شغل مناصب من الثقافة إلى الإعلام والملف النووي ورئاسة البرلمان، ثم عاد إلى قلب صناعة القرار الأمني، كان يعرف كيف يمرر القرار من غرفة الأمن إلى حيز السياسة، ومن منطق التعبئة إلى لغة الدولة.

الحرب الأمريكية – الإسرائيلية واستراتيجية استنزاف القيادة
فاستهداف لاريجاني في حرب الولايات المتحدة ضد طهران لم يقع في فراغ، بل في سياق حملة أوسع غايتها إنهاك الدولة الإيرانية من الأعلى، عبر تعميم الشعور بأن مواقع الصف الأول لم تعد محمية، وأن مركز القرار نفسه صار قابلا للاختراق والاصطياد.
هذه هي الرسالة السياسية الأعمق في العملية، ليس فقط أن واشنطن وتل أبيب قادرتان على قتل مسؤول كبير، بل إنهما قادرتان على نزع الإحساس بالحصانة عن النخبة الحاكمة برمتها، فيصبح اغتيال لاريجاني جزءا من حرب تستهدف إرادة النظام بقدر ما تستهدف قدراته.

الضربة المباشرة: تعميق أزمة التوازن داخل النظام
تتبدى التداعيات المباشرة داخل المشهد الإيراني، وأولها أن غياب لاريجاني يعمق أزمة التوازن داخل بنية الحكم في لحظة حرب، وهي لحظة ترتفع فيها تلقائيا مكانة الأجهزة الأكثر تنظيما والأشد انضباطاً، وبالتحديد الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية.
الأنظمة التي تدخل حربا وجودية تميل إلى تقليص السياسة لصالح الأمن، وإلى رفع شأن الفاعلين القادرين على إدارة التعبئة والسيطرة والانضباط، ولاريجاني كان من القلة التي تسمح ببقاء السياسة داخل المعادلة، حتى وهو يعمل من داخل مؤسسة أمن قومي، والفراغ الذي يتركه ليس إداريا، لأن الدولة تستطيع ملء المناصب، لكنه فراغ في النمط القيادي نفسه، والقدرة على التوفيق، وامتصاص التوتر بين الأجنحة، وصياغة خطاب يجمع بين الصلابة والبراغماتية.

الفراغ القيادي وصعود منطق التشدد
التداعي الثاني هو أن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية تدفع النظام الإيراني، إلى تسليم مركز الثقل للتيار الأكثر تشددا فإسرائيل والولايات المتحدة تراهنان، وفق خطابهما المعلن، على أن ضرب الصف الأول سيؤدي إلى إرباك النظام وربما فتح المجال أمام تآكله الداخلي.
غير أن التجربة الإيرانية تقول شيئا آخر، فحين يستهدف المحافظ البراغماتي، لا يصعد عادة من هو أقرب إلى التسوية، بل من يرى أن التسوية نفسها كانت وهما مكلفا، ويتحول اغتيال لاريجاني من نجاح عسكري مباشر إلى هدية سياسية غير مقصودة للتيار الذي يعتقد أن التفاوض مع واشنطن ليس أداة إدارة أزمة، بل مسار تدريجي إلى الخسارة.

منطق الحرب حين يبتلع منطق الدولة
ظهر الاغتيال ضمن تأثير مباشر على عملية صنع القرار خلال الحرب وجعله بالغ الخطورة، فقبل اغتياله كان لاريجاني يؤدي وظيفة نادرة، حيث يملك شرعية داخلية كافية ليقنع المتشددين بضرورات التكتيك، وخبرة دبلوماسية كافية ليفهم أن الحرب لا تُدار فقط بالصواريخ بل أيضاً بإشارات التهدئة وقنوات الاتصال.
مع غيابه، يصبح القرار أكثر خشونة، لا لأن البدائل معدومة، بل لأن البدائل الأرجح ستنبثق من بيئة أكثر التصاقا بالمؤسسة العسكرية والأمنية، وهذا لا يعني أن إيران ستتخلى فورا عن الحسابات السياسية، لكن الحسابات ستصاغ من الآن فصاعدا في إطار أكثر ضيقا، حيث يعلو منطق الصمود والردع على منطق المساومة والتدرج.

التداعيات الإقليمية: ارتفاع مخاطر سوء التقدير
يضاعف هذا التحول مخاطر سوء التقدير إقليميا، فإيران اليوم لا تواجه حربا على أراضيها فقط، بل تتعامل مع جبهة متشعبة تمتد إلى الخليج، والطاقة، والملاحة، والقواعد الأمريكية، وتوازنات العراق ولبنان وسوريا، وفي مثل هذا المناخ، تصبح الحاجة إلى شخصيات تفكر بمنطق “إدارة الردع” لا بمنطق “التصعيد المفتوح” أكبر من أي وقت مضى.
جاء اغتيال لاريجاني ليضعف هذا النمط من التفكير، ويجعل احتمالات الانزلاق إلى ردود أكثر حدة ومباشرة أعلى، فالفراغ الذي خلفه لا يتعلق فقط بما يجري داخل طهران، بل بكيفية إعادة صياغة السلوك الإيراني في الإقليم كله.

الأثر الدولي: تضييق باب التفاوض
على الصعيد الدولي فإن الأثر الأهم يتمثل في تراجع فرص التفاوض، فالحرب لا تلغي بالكامل إمكان الاتصال، لكن استهداف شخصية من طراز لاريجاني يضرب أحد الجسور القليلة التي كانت تسمح بوجود مخاطب موثوق داخليا وخارجيا في آن.
كل تسوية تحتاج إلى رجل يملك ثقة الدولة وثقة المؤسسات وثقة الحد الأدنى من الوسطاء الدوليين، ولاريجاني كان من هذا الصنف، واغتياله في هذه اللحظة لا يبدو فقط استهدافا لمسؤول كبير، بل لاحتمال سياسي كان يمكن أن يستخدم لاحقا في إنتاج مخرج تفاوضي أو تهدئة مشروطة.

هل يتجه النظام إلى الانهيار؟
لا يجوز القفز إلى استنتاج أن النظام الإيراني يتجه إلى الانهيار الوشيك، فالجمهورية الإسلامية راكمت، منذ 1979، خبرة طويلة في امتصاص الصدمات، وبنت شبكات مؤسسية تجعلها قادرة على تعويض الأفراد بسرعة نسبية، إلا أن قدرة النظام على الاستمرار ليست هي نفسها قدرته على الحفاظ على التوازن، واغتيال لاريجاني في سياق الحرب الأمريكية – الإسرائيلية لن يسقط النظام، لكنه يخرج من هذه المرحلة أكثر تعبئة وأقل مرونة، وأكثر خضوعا لمنطق الجبهة الدائمة.
اغتيال علي لاريجاني، بوصفه عملية نفذتها إسرائيل في إطار حرب تخوضها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، لا يعني فقط تصفية رجل دولة نافذ، بل إصابة أحد آخر الجسور بين منطق الدولة ومنطق الحرب داخل الجمهورية الإسلامية، ما يعني أن الحادثة ليست مجرد خسارة في الصف الأول، بل تسريع لتحول بنيوي داخل النظام نفسه، حيث تتراجع البراغماتية المحافظة لمصلحة التشدد الأمني، وإذا كان هدف الحرب إضعاف إيران، فإن مفارقتها المحتملة أنها تفضي إلى إيران أكثر انغلاقا، وأقل قابلية للتفاوض، وأكثر اقتناعا بأن البقاء لا يُدار بالسياسة إلا بقدر ما تخدم الحرب.
المعنى الأعمق لاغتيال لاريجاني يظهر في ضرب وظيفة سياسية كانت تساعد النظام على إدارة التوازن بين العقيدة والمصلحة، والصمود والمساومة، والدولة والجبهة، ومع اختفاء هذا النوع من الشخصيات، لا تصبح إيران بالضرورة أضعف، بل تصبح أكثر خشونة، وأقل قابلية للاحتواء، وأكثر ميلا إلى ترجمة الضغوط الخارجية بمنطق داخلي يقول إن زمن السياسة يضيق، وإن الحرب باتت اللغة الأعلى في بنية الحكم.
بقلم مازن بلال
تحليل – منتدى طرابلس للحد من الهجرة.. ودوامة “الحلول الصعبة”
