جاء اغتيال سيف الإسلام القذافي ليشكل لحظة فاصلة في المسار الليبي المأزوم، فهو استهدف شخصية جدلية ذات وزن سياسي ورمزي، وجرى في توقيت بالغ الحساسية، فأعاد فتح أسئلة عميقة حول طبيعة الصراع على السلطة، وحدود اللعبة السياسية، ومنطق الإقصاء الذي يحكمها.
سيف الإسلام الذي عاد إلى الواجهة بوصفه مرشحاً رئاسياً محتملاً، ويحمل مشروعاً يقوم، نظرياً على المصالحة وإعادة دمج أنصار النظام السابق في العملية السياسية، سقط قتيلاً في الزنتان، في عملية محكمة التفاصيل، توحي بأن الهدف لم يكن تصفية فرد، بل تعطيل مسار، وكسر احتمال، وإغلاق نافذة كانت تُربك حسابات أطراف عدة في الداخل والخارج.
توقيت الاغتيال: السياسة حين تفشل الأدوات الأخرى
لا يمكن فصل توقيت الاغتيال عن السياق القانوني والسياسي الذي سبقه مباشرة، فقبل أيام فقط، خرج محامي سيف الإسلام، خالد الزايدي، بتصريح علني يفند فيه مزاعم خالد المشري بشأن عدم أحقية موكله في الترشح للرئاسة، مستنداً إلى أحكام قضائية نهائية أكدت، وفق روايته، سلامة الموقف القانوني لسيف الإسلام، وأن الأحكام الغيابية لا تسقط الحقوق السياسية.

التصريح بكل أبعاده القانونية حمل دلالة سياسية واضحة، فسيف الإسلام لم يعد فقط اسماً من الماضي، بل بات احتمالا ًواقعياً في أي استحقاق قادم، في بلد تُستخدم فيه النصوص القانونية أداة للإقصاء الانتقائي، بدا هذا التطور كسراً لقواعد اللعبة غير المعلنة، وربما شكل الشرارة التي جعلت بقاء الرجل حياً سياسياً مخاطرة غير مقبولة لبعض الأطراف.
الزنتان: المكان الذي يختصر التوازنات
اختيار الزنتان مسرحاً للاغتيال ليس تفصيلاً عابراً، فالمدينة تقع ضمن الجغرافيا السياسية للغرب الليبي، وتخضع لتوازنات محلية معقدة، حيث لا تحضر الدولة بقدر ما تحضر شبكات النفوذ والسلاح، فالزنتان ليست خاضعة بالكامل لسلطة حكومة طرابلس، لكن الواقع الميداني يشير إلى أن الحركة داخل فضائها الجغرافي سهل لكل الميلشيات في الغرب الليبي.
هذا العامل لا يرقى إلى مستوى الاتهام المباشر، لكنه يفرض سؤال القدرة، فمن يملك إمكانية تنفيذ عملية دقيقة، في منطقة معروفة، ضد شخصية محروسة، ثم الانسحاب من دون اشتباك واسع أو آثار فورية؟ السؤال هنا ليس “من أطلق النار”، بل “من وفر البيئة”.

اللواء 444: النفي وحدود المسؤولية
تصدر اسم اللواء 444 قتال المشهد الإعلامي سريعاً، باعتباره فصيلاً عسكرياً تابعاً لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، فاللواء أصدر بيان نفي قاطع، مؤكداً عدم وجود أي انتشار له في الزنتان، وعدم تلقيه أوامر بملاحقة سيف الإسلام.

هذا النفي لا يُغلق الملف سياسياً، بل يعكس مأزق الدولة الليبية نفسها، فتعدد القوى المسلحة، وغياب التسلسل الواضح للمسؤولية، واستحالة الفصل بين ما هو “رسمي” وما هو “وظيفي” ففي مثل هذا السياق، لا تعود المسؤولية مرتبطة بالفاعل المباشر فقط، بل بمن استفاد من النتيجة.
من المستفيد؟ سؤال السياسة لا الجنائيات
بغياب سيف الإسلام القذافي، ينكمش المشهد السياسي الليبي عملياً إلى معادلة محدودة الخيارات، تُدار داخل دوائر نفوذ قائمة، ولا تُبدي استعداداً حقيقياً لقبول فاعلين جدد خارج أطرها، حيث كان سيف الإسلام يمثل “الطرف المزعج” القادر نظرياً على كسر حالة الانغلاق، مستنداً إلى كتلة اجتماعية صامتة في مناطق واسعة من الغرب والجنوب، وإلى رمزية النظام السابق لدى شرائح ترى في ما بعد عام 2011 مساراً مفتوحاً على الفوضى أكثر مما هو مشروع دولة.
وتزداد دلالة الاغتيال حين يُقرأ في سياق العلاقة المعقدة بين هذا الحضور الشعبي وبين مراكز القرار في الغرب الليبي، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية، ويُنظر إلى أي صعود غير مضبوط باعتباره عنصر تهديد للاستقرار الهش القائم على توازنات الأمر الواقع، فوجود شخصية قادرة على حشد تأييد شعبي خارج القنوات الرسمية، ومن دون الاندراج في منظومة التحالفات السائدة، كان كفيلا ًبإرباك ترتيبات قائمة على الاحتواء لا على التنافس المفتوح.

اغتياله أزال هذا الإرباك من المعادلة، فلم يعد هناك فاعل يهدد إعادة توزيع الأوراق، ولا شخصية تملك في آن واحد شرعية شعبية محتملة، وقابلية لتحويل هذا الثقل إلى ورقة ضغط سياسية داخل فضاء الغرب الليبي نفسه، فلا يبدو الاغتيال في صالح طرف محدد بقدر ما يخدم منطقاً أوسع، يقوم على تحييد المفاجآت، وضبط المجال السياسي، وإبقاء إدارة الأزمة ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، بدل المجازفة بمسار سياسي مفتوح النتائج.
الشعبية المقلقة ومعضلة المصالحة
تشير معظم القراءات الميدانية قبل الاغتيال إلى أن سيف الإسلام القذافي كان يحظى بقبول معتبر داخل دوائر اجتماعية وسياسية في الغرب الليبي، وهو “قبول” لا يقوم بالضرورة على ولاء تنظيمي صلب، بقدر ما يعكس حالة تململ واسعة من النخب القائمة، ورغبة كامنة في إعادة إنتاج السلطة خارج الأطر التي تشكلت بعد عام 2011.
هذه الشعبية، حتى لو لم تكن كافية لضمان فوز انتخابي مباشر، فهي كفيلة بفرضه فاعلاً لا يمكن تجاهله في أي مسار سياسي جاد، أو في أي تسوية يُراد لها أن تحظى بغطاء اجتماعي أوسع.
وهنا تتبدى المفارقة بوضوح، فالرجل الذي ارتبط اسمه بخطاب “المصالحة” جرى اغتياله لأن هذه المصالحة، لو تحولت من شعار إلى عملية سياسية فعلية، كانت ستفرض إعادة ترتيب داخل موازين القوة في الغرب الليبي نفسه، وتحدي صيغ تقاسم النفوذ القائمة، سواء بين الفاعلين السياسيين أو بين البُنى الأمنية والعسكرية، فالمصالحة مقبولة طالما بقيت خطابا أخلاقياً عاماً، لكنها تصبح عبئاً غير مرغوب فيه حين تهدد بالتحول إلى أرقام، وشرعيات، وتمثيل فعلي داخل صناديق الاقتراع.
البعد الدولي: عقدة غير مرغوب بها
لا يمكن تجاهل العامل الدولي، فـ”سيف الإسلام” مثل حالة إشكالية، فهو مرشح يملك شعبية، وخاضع لملاحقة قضائية دولية قائمة، وفي نفس الوقت خارج شبكات السيطرة التقليدية في الغرب الليبي، وبالنسبة لقوى خارجية تبحث عن استقرار قابل للإدارة”، فإن وجود شخصية كهذه يعقد الحسابات، وفي مثل هذه المعادلات، غالباً ما تُزال العقد بدل حلها، ويُختصر المسار عبر إنهاء الفاعل بدل إدماجه.
لا يمكن التعامل مع اغتيال سيف الإسلام القذافي بوصفه حادثاً أمنياً منفصلاً عن سياقه، بل يبدو أقرب إلى فعل سياسي محسوب جرى ضمن منظومة توازنات دقيقة لا تحتمل عناصر خارجة عن السيطرة، فالعملية بتوقيتها وطريقتها، توحي بمحاولة واعية لإعادة ترتيب المجال السياسي عبر إقصاء متغير بات يُنظر إليه بوصفه غير قابل للاحتواء داخل الصيغ السائدة لإدارة النفوذ والشرعية.

الأثر الأعمق للجريمة يتمثل في تكريس منطق الإقصاء، وتقويض ما تبقى من ثقة في العملية السياسية، حين يُغتال مرشح محتمل بعد تأكيد حقه القانوني في الترشح، وتصبح الانتخابات واجهة شكلية، وتتحول السياسة إلى إدارة صراع بالقوة.
لا يُنهي اغتيال سيف الإسلام مسار شخص بقدر ما يُقصي احتمالاً سياسياً كان مطروحاً، ويُغلق باباً كان يمكن أن يفضي إلى مسار مختلف، وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات، فإن أخطر ما في هذه النهاية أنها لا تفسر الماضي فقط، بل تُقفل المستقبل، وتؤكد أن ليبيا ما زالت تُدار خارج السياسة، وبعيداً عن إرادة الناخبين.
بقلم: نضال الخضري
بعد مفاوضات.. تعليق مؤقت لإغلاق الموانئ النفطية
