12 يناير 2026

أعلنت إسرائيل في السادس والعشرين من ديسمبر 2025 اعترافها رسميا بإقليم “أرض الصومال” كدولة مستقلة ذات سيادة، لتصبح أول دولة تقدم على خطوة كهذه منذ إعلان الإقليم انفصاله عن جمهورية الصومال عام 1991.

هذا القرار، الذي وقع في “إعلان القدس” بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله (عيرو)، تجاوز في دلالاته حدود الاعتراف الدبلوماسي، ليشكل زلزالا جيوسياسيا في منطقة تعيش أصلا على صفيح ساخن من التوترات والحروب.

أزمة سيادة جديدة.. ومخاوف التفكك

من وجهة نظر مقديشو، يمثل الاعتراف الإسرائيلي عدوانا مباشرا على وحدة وسيادة الصومال، فالحكومة الفيدرالية في بيانها الصادر يوم 27 ديسمبر وصفت الخطوة بأنها “هجوم متعمد على سيادة الدولة” و”سابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الإفريقي”، كما دعت جامعة الدول العربية إلى اجتماع طارئ لتأكيد الرفض العربي والإسلامي لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الصومال.

ويخشى مراقبون أن يؤدي الاعتراف الإسرائيلي إلى تقويض جهود إعادة بناء الدولة الصومالية التي شهدت في العام الأخير بعض بوادر الاستقرار، من بينها إجراء أول انتخابات بلدية منذ عقود، فالاعتراف يمنح الإقليم الانفصالي غطاء سياسيا يشجع أقاليم أخرى على المطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي الكامل، ما يعيد البلاد إلى دوامة النزاعات التي خرجت منها بصعوبة.

أبعاد جيوسياسية واستراتيجية

التحرك الإسرائيلي لم يكن مفاجئا في سياقه الأوسع، فتل أبيب، وفق تقارير إسرائيلية وإفريقية متقاطعة، نسجت خلال السنوات الماضية علاقات سرية مع حكومة هرغيسا، تخللتها زيارات غير معلنة وتفاهمات أمنية، وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن جهاز “الموساد” أدار الملف مباشرة، تحت عنوان “الاعتراف مقابل الموقع الاستراتيجي”، إذ يتيح ميناء بربرة المطل على خليج عدن لإسرائيل موطئ قدم قرب مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

إسرائيل، التي تواجه تصاعد التهديدات في البحر الأحمر من قبل جماعة الحوثي، تنظر إلى “أرض الصومال” بوصفها موقعا مثاليا لتعزيز منظومتها الأمنية والاستخباراتية، وتأمين طرق التجارة والطاقة التي تمر عبر البحر الأحمر نحو قناة السويس، فالاعتراف ليس مجرد بادرة سياسية، بل امتداد لعقيدة “الطوق الجنوبي” التي تقوم على تثبيت حضور إسرائيلي على ضفتي البحر الأحمر.

مصر على خط الأزمة: دفاع عن البحر الأحمر ووحدة الصومال

جاء الموقف المصري سريعا وحازما، حيث رفضت القاهرة الاعتراف الإسرائيلي جملة وتفصيلا، مؤكدة دعمها الكامل لوحدة وسيادة الصومال، ووزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، أجرى اتصالات مع نظرائه في الصومال وتركيا وجيبوتي لتنسيق موقف موحد، فيما وصف عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، الخطوة بأنها “محاولة إسرائيلية لمد نفوذها جنوب البحر الأحمر، ما يهدد الأمن الإقليمي مباشرة”.

من منظور الأمن القومي المصري، يحمل الاعتراف الإسرائيلي تداعيات استراتيجية عميقة، فأي وجود إسرائيلي محتمل في موانئ بربرة أو زيلع يعني اقتراب نفوذ تل أبيب من الممر الملاحي المؤثر في قناة السويس، ما يجعل مصر أمام تحد مزدوج؛ الحفاظ على سيادة الصومال كعمق استراتيجي للبحر الأحمر، ومنع أي ترتيبات عسكرية جديدة تعيد رسم خرائط السيطرة البحرية في المنطقة.

التحالفات الخفية: إسرائيل وإثيوبيا

تتلاقى الخطوة الإسرائيلية مع مصالح قوى إقليمية أخرى، ولا سيما إثيوبيا التي تسعى منذ عقود لتأمين منفذ بحري بعد فقدانها سواحلها عقب استقلال إريتريا عام 1993، وترى أديس أبابا في الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” خطوة تمهد لتفعيل اتفاقها الموقع في يناير 2024 مع الإقليم، الذي يمنحها منفذا بحريا في ميناء بربرة لمدة خمسين عاما.

وأثار هذا الاتفاق، حينها، اعتراضات حادة من مقديشو والقاهرة اللتين اعتبرتاه انتهاكا صارخا لسيادة الدولة الصومالية ومخالفة للقانون الدولي، وتخشى العواصم العربية والإفريقية أن يؤدي الاعتراف الإسرائيلي إلى تقوية الموقف الإثيوبي في هذا الملف، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في خليج عدن والبحر الأحمر على نحو يهدد التوازن الإقليمي القائم.

القرن الإفريقي.. ساحة صراع مفتوح

الاعتراف الإسرائيلي يضيف طبقة جديدة من التوتر فوق مشهد إقليمي بالغ التعقيد، فإلى الجنوب، لا تزال الحرب السودانية تهدد بامتدادها نحو البحر الأحمر، بينما تتصاعد التهديدات الحوثية للسفن التجارية في مضيق باب المندب، ما اضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، وفي الداخل الصومالي، تنشط حركة “الشباب” المتطرفة وتنظيم “داعش” المحلي، ما يجعل أي تموضع أجنبي في المنطقة محفزا للعنف.

ولعل أخطر ما في الوضع أن التهديدات تجاوزت البر لتصل البحر، ففي 28 ديسمبر 2025، أعلن زعيم الحوثيين أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيعد “هدفا عسكريا مشروعا”، وهو تصريح ينذر بتحول التوتر إلى مواجهة مفتوحة تمتد من اليمن إلى السواحل الصومالية.

أبعاد قانونية ودبلوماسية

من الناحية القانونية، لا يغير الاعتراف الإسرائيلي الوضع الدولي لأرض الصومال، التي لا تزال تعد جزءا من جمهورية الصومال وفق قرارات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي على أن الاعتراف “يتعارض مع المبادئ التأسيسية للاتحاد ويمثل سابقة تهدد السلم القاري”.

لكن إسرائيل تراهن على خلق أمر واقع تدريجي، شبيه بما فعلته في علاقاتها مع جنوب السودان عام 2011، حين استثمرت في ملف الانفصال عبر الدعم الاقتصادي والأمني قبل الاعتراف الرسمي الدولي، والفارق أن الصومال عضو فعال في المنظومتين العربية والإفريقية، ويتمتع بدعم سياسي متزايد، ما يجعل الطريق أمام أي اعتراف دولي جديد أكثر وعورة.

زيارة ساعر.. الاعتراف يتحول إلى تموضع فعلي

لم تكد تمضي أيام قليلة على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” حتى انتقل هذا الاعتراف من حيز الإعلان السياسي إلى التنفيذ الميداني؛ عبر زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرغيسا، في خطوة عكست رغبة تل أبيب في تثبيت وجودها داخل الإقليم الانفصالي، وفتح مسار جديد من العلاقات المباشرة مع سلطاته.

الزيارة جاءت متزامنة مع انعقاد مجلس السلم والأمن الإفريقي برئاسة مصر لدعم وحدة الصومال، ما أضفى عليها طابعا تصعيديا وأثار موجة رفض عربية وإفريقية واسعة، إذ اعتبرتها مقديشو “انتهاكا صارخا لسيادة الدولة”، فيما وصفتها جامعة الدول العربية بأنها “محاولة فاشلة لشرعنة الانفصال وخلق واقع جديد في القرن الأفريقي”.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه مصادر إسرائيلية عن إمكان انضمام “أرض الصومال” إلى اتفاقات أبراهام، يحذر خبراء أفارقة من أن الزيارة تمهد لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في ميناء بربرة، وربما لخطط تتصل بملف التهجير الفلسطيني نحو شرق إفريقيا، وهو ما تنفيه سلطات الإقليم وتعده “تعاونا دبلوماسيا واقتصاديا بحتا”.

التحرك المصري جاء سريعا عبر تصعيد دبلوماسي في مجلس السلم والأمن الإفريقي، حيث أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن الخطوة الإسرائيلية تمثل “سابقة خطيرة تهدد استقرار القارة”، داعيا إلى موقف إفريقي موحد يرفض الاعتراف ويؤكد دعم وحدة الصومال.

وتبدو زيارة ساعر نقطة تحول في الأزمة، إذ تنقل الاعتراف من مجرد موقف سياسي إلى مشهد ميداني متشابك يعيد ترتيب خرائط النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

تداعيات اقتصادية وأمنية

أي زعزعة في القرن الإفريقي ستنعكس فورا على الملاحة الدولية، ولا سيما قناة السويس التي تمر عبرها 12% من التجارة العالمية، وحذر خبراء في صندوق النقد الدولي من أن استمرار التوتر في خليج عدن سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ويضغط على اقتصاديات الدول الساحلية، وفي مقدمتها مصر والسعودية وجيبوتي.

كما أن تحويل “أرض الصومال” إلى ساحة نفوذ جديدة لإسرائيل يعني فتح الباب أمام سباق تسلح بحري جديد، ربما يشمل تركيا وإيران وإثيوبيا، في ظل انكشاف الجغرافيا البحرية وتعدد القواعد الأجنبية في جيبوتي وإريتريا والسودان.

البعد الفلسطيني ومخاوف التهجير

تزامن الاعتراف الإسرائيلي مع تصاعد النقاش حول مخططات تهجير الفلسطينيين من غزة إلى دول إفريقية، منها الصومال والسودان، وهو ما أثار شكوكا إضافية حول الدوافع الإسرائيلية، فالحكومة الصومالية أعلنت رفضها القاطع لأي مخطط من هذا النوع، معتبرة أنه “انتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني”، وهو موقف أكدت عليه القاهرة والجامعة العربية أيضا.

عمليا فإن المشهد الراهن مفتوح على عدة سيناريوهات:

  1. تصعيد مضبوط فتبقى العلاقات الإسرائيلية-الصومالية عند حدود الرمزية السياسية دون تموضع عسكري معلن، مع استمرار الخطاب الحوثي التحذيري دون ترجمة عملية.
  2. تصعيد ميداني عبر انتقال التوتر إلى عمليات محدودة ضد مصالح إسرائيلية في خليج عدن، ما يشعل أزمة ملاحية جديدة.
  3. تشابك أزمات القرن الإفريقي من خلال دخول إثيوبيا بثقلها لتفعيل اتفاق بربرة، ما يفتح نزاعا حدوديا جديدا مع الصومال، ويدفع أطرافا عربية لدعم مقديشو.
  4. احتواء دبلوماسي عبر تدخل جماعي عربي-إفريقي بقيادة مصر وتركيا وجيبوتي لاحتواء الأزمة، ومن خلال مبادرة وساطة تعيد التأكيد على وحدة الصومال وتضبط التمدد الإسرائيلي.

جغرافيا الانكشاف وأمن البحر الأحمر

الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” ليس حدثا عابرا في التاريخ الدبلوماسي للمنطقة، بل نقطة انعطاف في مسار تنافس القوى على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فالموانئ أصبحت أدوات نفوذ، والاعترافات أوراق ضغط، والجغرافيا نفسها تحولت إلى ساحة صراع.

لكن بين هرغيسا ومقديشو، وتل أبيب والقاهرة، ثمة سؤال جوهري يتجاوز الجغرافيا والسيادة، فهل سيبقى القرن الإفريقي ساحة تنافس للقوى الخارجية، أم سيعاد إليه حقه في تقرير مصيره بعيدا عن هندسة النفوذ الخارجي؟

المستقبل مرهون بقدرة الفاعلين الإقليميين على تحويل هذا الاعتراف من أزمة إلى فرصة لإعادة تعريف أمن البحر الأحمر وفق مبدأين واضحين، الأول احترام وحدة الدول، ومنع عسكرة الممرات البحرية، وإذا لم يتحقق فإن خريطة القرن الإفريقي مرشحة لمزيد من التصدع، والعالم لاضطراب جديد في واحد من أكثر مناطقه حساسية.

بقلم مازن بلال

مدرب ليفربول.. فريمبونغ أحد أوراقنا لتعويض غياب صلاح في كأس إفريقيا

اقرأ المزيد