16 يناير 2026

منذ إعلان رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي تعيين الداعية والسياسي علي الصلابي مستشارا لشؤون المصالحة الوطنية، لم يستقبل القرار في الأوساط الليبية بوصفه إجراء إداريا عابرا، بل أثار موجة من التساؤلات والتأويلات.

التكليف بدا، في نظر شريحة واسعة من المتابعين، أقرب إلى رسالة سياسية مشفرة منه إلى خطوة إجرائية ذات طابع إداري، لما تحمله من دلالات تتجاوز حدود التعيين ذاته، وتمس جوهر مفهوم “المصالحة” الذي يفترض أن يكون جامعا لا مقصيا.

المفارقة بين الخطاب والممارسة

في بلد أنهكته الانقسامات والحروب المتتالية منذ أكثر من عقد، لم يعد مصطلح “المصالحة الوطنية” ترفا سياسيا أو شعارا للاستهلاك المحلي، بل حاجة وجودية تمس بنية الدولة والمجتمع على حد سواء، والطريقة التي يدار بها هذا الملف الحساس في ليبيا، تكشف عن مفارقة مؤلمة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

فالمصالحة بمفهومها الحقيقي ليست ترفا ولا تختزل في تعيين مستشار أو لجنة، بل هي مسار طويل يتطلب اعترافا بالمسؤوليات، وإنصافا للضحايا، وبناء لثقة مجتمعية تمكن من تجاوز منطق الغلبة والثأر.

بدا اختيار شخصية خلافية مثل علي الصلابي خطوة تناقض جوهر هذا المفهوم، ويمكن أن تبدل مفهوم المصالحة من جسر يوصل بين الضفتين المتنازعتين إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، تحت غطاء رسمي.

الحياد المفقود في هندسة المصالحة

تفترض المصالحة حدا أدنى من الحياد، وقدرة على الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، فهي ليست تسوية فوقية بين مراكز السلطة، بل عقد اجتماعي جديد بين الضحية والفاعل، وبين الدولة والمجموعات المسلحة، وبين المركز والأطراف المهمشة.

وفي ليبيا جرى تفريغ هذا المفهوم من مضمونه، وتحويله إلى لافتة سياسية تُرفع عند اشتداد الأزمات، أكثر مما تُعبر عن مشروع وطني متماسك، وقرار تكليف الصلابي يُعزز الانطباع بأن المصالحة تُدار اليوم كملف نفوذ لا كمسار وطني، وأنها باتت رهينة الحسابات الضيقة، لا الاعتبارات الجامعة.

خلفية مثقلة بالتناقضات

من الصعب، حتى على أكثر المراقبين تساهلا، تجاهل الخلفية السياسية والفكرية التي تحيط بعلي الصلابي، فهو أحد أبرز الوجوه الفكرية المقربة من تيار الإسلام السياسي في ليبيا، وله علاقات موثقة منذ ما قبل 2011 مع جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك مع شخصيات بارزة من الجماعة الليبية المقاتلة، من بينهم عبد الحكيم بلحاج.

هذه الارتباطات، وإن كانت لا تدين الصلابي قانونيا بالضرورة، إلا أنها جعلت اسمه محملا بإرث من الجدل والانقسام، خاصة في الشرق الليبي، حيث ارتبطت تلك الجماعات بسنوات من العنف والاغتيالات وتفكك مؤسسات الدولة.

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن لشخصية  خلافية يُنظر إليها، بحق أو بغيره، كجزء من مرحلة الانقسام، أن تكون هي المعنية بترميم جراحها؟

قوائم لا تمحى بسهولة

يزداد المشهد تعقيدا حين يستحضر أن الصلابي مدرج منذ عام 2017 على قوائم الدول الأربع (السعودية، الإمارات، مصر، البحرين) بوصفه داعما وممولا للإرهاب، فضلا عن إدراجه من قبل مجلس النواب الليبي ضمن القوائم ذاتها.

هذه المعطيات ليست مجرد تفصيل هامشي يمكن تجاوزه بخطاب سياسي توافقي، بل تمثل وقائع قانونية وسياسية لم تُلغ حتى اليوم، وتعيينه يبدو أقرب إلى تحد مباشر لفكرة المصالحة ذاتها، ورسالة مفادها أن هذا الملف لم يعد معنيا ببناء الثقة العامة بقدر ما هو منصة لإعادة تدوير الوجوه القديمة.

دلالة التوقيت السياسي

توقيت القرار زاد من شبهة الرسائل السياسية، حيث تسرب خبر التعيين بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة تصنيف ثلاث منظمات مرتبطة بجماعة الإخوان كتنظيمات إرهابية، وفي علم السياسة، التوقيت هو النص الحقيقي لأي قرار.

ففي حين كان المزاج الدولي يتجه إلى تضييق الخناق على التيارات الإسلامية المسلحة، بدا تعيين الصلابي وكأنه إشارة معاكسة للتيار الدولي، ومحاولة لإعادة تثبيت حضور هذا التيار داخل بنية القرار الليبي تحت لافتة “المصالحة الوطنية”.

هذه التطورات تعيد إلى الواجهة السؤال القديم؛ فهل المصالحة مشروع وطني جامع، أم مجرد أداة لإعادة ترتيب التحالفات داخل معسكر سياسي واحد؟

شبكة المصالح أم مشروع الدولة؟

لا يمكن فصل القرار عن شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية المعقدة التي تحيط بالصلابي، حيث ارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، ومع بعض الدوائر العائلية والسياسية المحيطة به.

وتشير وثائق ودراسات متعددة إلى أن الصلابي شارك في يونيو 2011، إلى جانب الصادق الكبير وإبراهيم الدبيبة، في تأسيس مؤسسة “إسناد” الخيرية، في لحظة سياسية وأمنية كانت الحدود فيها ضبابية بين العمل الخيري والعمل السياسي.

فالقرار يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة، أو لفتح قناة توازن جديدة بين المنفي والدبيبة، أكثر من كونه خطوة جدية نحو مصالحة وطنية شاملة تشمل الشرق والجنوب والضحايا والمهمشين.

العائلة: عبء سياسي

تتعقد الصورة أكثر حين يستحضر السياق العائلي، فشقيقه إسماعيل الصلابي كان من قادة كتيبة “راف الله السحاتي” وسرايا الدفاع عن بنغازي، وذكر اسمه ضمن مجلس شورى ثوار بنغازي، أما شقيقه الآخر، أسامة الصلابي، فيُعد من القيادات البارزة في جماعة الإخوان المسلمين.

أما أبو يحيى الليبي، الذي يرتبط اسمه بهذه الدائرة الفكرية، فكان الرجل الثاني في تنظيم القاعدة قبل مقتله عام 2012.

هذه الوقائع، مهما اختلفت التأويلات بشأنها، تجعل من الصعب تسويق علي الصلابي كوجه “توافقي” قادر على طمأنة شرائح واسعة من الليبيين، لا سيما في المناطق التي دفعت ثمنا باهظا جراء العنف المسلح والنزاعات الأيديولوجية.

مصالحة بلا ثقة

منذ إطلاق المجلس الرئاسي، في أبريل 2021، مبادرته للمصالحة الوطنية بدعم من الاتحاد الإفريقي وبعثة الأمم المتحدة، لم يتحقق أي اختراق ملموس في هذا الملف، بل إن الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، وصفت العملية صراحة بأنها “مسيسة ومحدودة التأثير”.

وفي هذا المناخ، يأتي تعيين شخصية مثيرة للجدل ليعمق فقدان الثقة، فالمصالحة ليست عملية رمزية تدار بالأسماء اللامعة، بل عملية مؤسساتية تحتاج إلى مصداقية، وعدالة انتقالية، وآليات واضحة للاعتراف بالضحايا وتعويضهم، بعيدا عن الحسابات السياسية الفئوية.

حين تفرغ المصالحة من معناها

في المحصلة، لا يمكن قراءة تعيين علي الصلابي إلا بوصفه مرآة لأزمة أعمق في فهم الدولة الليبية لطبيعة المصالحة الوطنية، فبدل أن تكون جسرا نحو المستقبل، تحولت إلى ساحة صراع على النفوذ، وإلى غطاء لإعادة تدوير التحالفات القديمة داخل بنية الدولة.

المصالحة ليست بيانا يُعتمد ولا منصبا يُمنح، بل مسار صعب يتطلب شجاعة سياسية، ومصارحة تاريخية، ووجوها قادرة على حمل ثقل الذاكرة الليبية دون أن تكون جزءا من مآسيها.

وما لم يدرك صانعو القرار هذه الحقيقة البسيطة، ستظل كلمة “المصالحة” في ليبيا شعارا بلا مضمون، يستدعى في كل أزمة، ثم يُفرغ من معناه مع كل تعيين جديد.

بقلم مازن بلال

اجتماعات أممية في طرابلس مع قيادات أمنية قبل جلسة مجلس الأمن

اقرأ المزيد