في بلد لم ينجح بعد في ترميم مؤسساته منذ 2011، لا تقرأ حوادث الاختطاف كوقائع أمنية معزولة، بل مؤشرات على طبيعة السلطة الفعلية، فاختطاف مهدي عبد العاطي يعكس نمطاً متكرراً من توظيف الأدوات الأمنية في إدارة الصراع السياسي، وإعادة ضبط المجال العام عبر الردع المباشر للأصوات الناقدة.
وتكتسب حادثة اختطاف الناشط السياسي مهدي عبد العاطي في مصراتة دلالات تتجاوز شخصه، لتطال بنية الحكم في غرب ليبيا، وحدود حرية التعبير، والأهم طبيعة العلاقة المعقدة بين المدينة وحكومة عبد الحميد الدبيبة.
الاختطاف ليس مجرد واقعة أمنية عابرة، بل اختبار فعلي لمدى تماسك الحاضنة الاجتماعية والسياسية التي يستند إليها رئيس الحكومة، ولمدى قدرتها على استيعاب النقد الداخلي أو احتوائه دون اللجوء إلى أدوات قسرية، وتفتح الحادثة الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة التوازنات داخل مصراتة نفسها، وما إذا كانت لا تزال قادرة على لعب دور الوسيط الضابط، أم أنها باتت جزءاً من شبكة السلطة التي تعيد إنتاج الأزمة بدل احتوائها.

صوت ناقد في بيئة ضيقة
مهدي عبد العاطي ليس مجرد اسم عابر في المشهد الليبي، بل يُصنّف ضمن الشخصيات المرتبطة بملفات حساسة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو حتى الاقتصادي، وتختلف الروايات حول خلفيته الدقيقة، لكن ما هو ثابت أنه كان على تماس مع دوائر نفوذ متعددة، الأمر الذي جعله عرضة للاستهداف في بيئة تتسم بتصفية الحسابات أكثر من الاحتكام إلى مؤسسات الدولة.
في ليبيا اليوم، الانتماء أو القرب من أي شبكة نفوذ، سواء كانت حكومية، عسكرية، أو حتى اقتصادية يمكن أن يتحول من مصدر قوة إلى عامل خطر، خاصة في ظل غياب جهاز قضائي موحد وقادر على فرض سلطته، فعبد العاطي لم يكن مجرد ناشط عابر على هامش المشهد، بل أحد الأصوات التي رفعت سقف النقد تجاه الحكومة، خصوصاً في ملفات شديدة الحساسية مثل الفساد المالي، وتهريب الوقود، وتدهور الإيرادات النفطية، وفي تسجيلاته وتصريحاته، أشار بشكل مباشر إلى ما وصفه بـ”اختفاء أموال” وغياب الشفافية حول الإيرادات، وفتح أسئلة عن مصيرها وآليات إدارتها .
ذهب عبد العاطي أبعد من ذلك حين ربط بين تراجع الإيرادات وتنامي شبكات التهريب؛ متحدثاً عن “صهاريج تعبئة وخطوط تهريب واضحة” تمتد عبر الجنوب، في ظل عجز الدولة عن الضبط والمساءلة.
كما انتقد ما اعتبره انهياراً ممنهجاً في البنية النفطية، وتدهوراً في أداء المؤسسة الوطنية للنفط، مشيراً إلى غياب الصيانة وتأخر المرتبات وتآكل القدرة الإنتاجية .
هذه اللغة المباشرة، التي تمزج بين الاتهام والتشخيص، وضعت عبد العاطي في موقع تصادمي مع السلطة، في بيئة لا تحتمل كثيراً من النقد العلني، خصوصاً حين يلامس شبكات المصالح الاقتصادية.

عملية الاختطاف: ما وراء الشكل الأمني
المعطيات المتداولة تشير إلى أن عملية اختطافه لم تكن ارتجالية، بل نفذت عبر تحرك منظم لآليات تابعة لجهاز الأمن الداخلي، مع تنسيق بين طرابلس ومصراتة، قبل نقل المختطف خارج المدينة فوراً، وهذه التفاصيل، إن صحت، تعني أن ما جرى أقرب إلى “اعتقال خارج القانون” وليس إلى عملية أمنية رسمية.
اللافت أن الجهات الحكومية لم تقدم رواية واضحة أو مبرراً قانونياً للاحتجاز، رغم حديثها عن “شكاوى” ضد الناشط، وهذا التناقض دفع شخصيات سياسية، مثل عضو مجلس الدولة سعيد ونيس، إلى التساؤل فيما إذا كانت الحكومة حريصة على تطبيق القانون، فلماذا تتجاهل تنفيذ أحكام قضائية أخرى، من بينها إعادة وزير النفط إلى منصبه؟
ويتبدى هنا خلل جوهري في انتقائية تطبيق القانون، بما يحوله من إطار ضابط إلى أداة سياسية.

مصراتة بين الهوية والسلطة
تطرح الحادثة سؤالاً أكثر حساسية، فما هو موقف مصراتة الحقيقي من “ابنها” عبد الحميد الدبيبة؟ فتقليدياً، لعبت المدينة دوراً مركزياً في معادلات القوة غرب ليبيا، وشكلت حاضنة سياسية وأمنية لعدد من القيادات، بينها الدبيبة، غير أن اختطاف ناشط من داخل المدينة، ووسط صمت أو تردد في الموقف الرسمي المحلي، يكشف عن تحول في العلاقة.
بيانات الأعيان والقبائل، مثل قبيلة الزروق، التي أدانت الواقعة واعتبرتها “انتهاكاً للحريات الأساسية”، تعكس وجود تيار محلي رافض لما جرى، لكن هذا الرفض لم يترجم إلى ضغط سياسي حاسم، ما يوحي بأن المدينة نفسها باتت منقسمة بين ولاءات متعددة، أو أنها عاجزة عن فرض موقف موحد، فلم تعد مصراتة كتلة سياسية صلبة، بل فضاء متشظياً، تتنازعه شبكات نفوذ متداخلة.
الأمن كأداة سياسية
أخطر ما تكشفه القضية تحوّل الأجهزة الأمنية إلى أدوات ضمن الصراع السياسي، فالاتهامات التي وجهها ناشطون، مثل أسامة الشحومي، لنائب رئيس جهاز الأمن الداخلي في المنطقة الغربية بالوقوف خلف العملية، تعزز هذا الانطباع .
فإذا كانت الأجهزة تتحرك خارج الأطر القانونية، وبأوامر سياسية، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية كحام للدولة، وتتحول إلى ذراع لضبط المجال العام وإعادة تشكيله وفق مصالح السلطة، وهذا النمط ليس جديداً في ليبيا، لكنه يكتسب دلالة إضافية من خلال عودته في بيئة تدّعي الانتقال نحو الاستقرار والمؤسسات.

حرية التعبير تحت الاختبار
تتجاوز القضية البعد الأمني إلى سؤال حرية التعبير، فعبد العاطي لم يُعرف بحمله للسلاح أو انخراطه في نشاط مسلح، بل بخطاب نقدي يركز على الفساد وسوء الإدارة، والناشط الحقوقي ناصر الهواري وصف الواقعة بأنها دليل على “استمرار نهج إسكات الأصوات المناهضة للفساد”، بينما اعتبرتها مؤسسات حقوقية “جريمة إخفاء قسري وانتهاكاً جسيماً لسيادة القانون”.
وفي هذه البيئة يصبح الاختطاف رسالة مزدوجة، فهو ليس فقط لمعاقبة فرد، بل لردع كل من يفكر في تبني خطاب مشابه، فخطورة الحادثة أنها تعيد تعريف حدود المسموح والممنوع في المجال العام.
الاقتصاد السياسي كخلفية خفية
لا يمكن فصل ما جرى عن السياق الاقتصادي الأوسع، فتصريحات عبد العاطي ركزت على ملفات تمس جوهر الاقتصاد الليبي من النفط والإيرادات وسعر الصرف.
وفي بلد يعتمد بشكل شبه كلي على العائدات النفطية، فإن أي حديث عن فساد أو تهريب في هذا القطاع يهدد توازنات قائمة، ويصطدم بشبكات مصالح عميقة، وربما لا يكون استهدافه مرتبطا فقط بموقف سياسي، بل أيضا بموقعه داخل هذا الاشتباك الاقتصادي، فالقضية تقع عند تقاطع السياسة والاقتصاد، حيث يصبح الصوت النقدي خطراً مضاعفاً.

صمت الجمهور… دلالة مقلقة
أحد أكثر الجوانب إثارة للانتباه هو ما أشار إليه بعض السياسيين من “صمت الجمهور”، الذي لا يعني بالضرورة قبولاً، بل يعكس حالة من الإحباط أو الخوف، أو حتى فقدان الثقة بجدوى التفاعل، ففي مجتمعات تعيش أزمات ممتدة، يتحول الخوف إلى آلية بقاء، ويصبح الصمت خياراً عقلانياً، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات.
اختطاف مهدي عبد العاطي ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة تعكس طبيعة المرحلة في غرب ليبيا التي تعيش واقعاً يظهر في سلطة هجينة، وأجهزة أمنية مسيسة، واقتصاد ريعي تحكمه شبكات غير شفافة.
لكن خصوصية هذه الحادثة تكمن أنها وقعت في مصراتة، المدينة التي طالما قُدمت كركيزة للاستقرار النسبي في الغرب الليبي، ما يعني أن التصدعات لم تعد محصورة في الأطراف، بل وصلت إلى قلب المجال السياسي والاجتماعي.
السؤال لم يعد من اختطف عبد العاطي؟ بل هل ما زالت هناك دولة قادرة على منع مثل هذه الحوادث؟ وإلى أن يعاد بناء منظومة قانونية وأمنية موحدة، تبقى مثل هذه الوقائع مرشحة للتكرار، لا كاستثناء، بل كجزء من قواعد اللعبة.
بقلم نضال الخضري
إيطاليا تتعهد بتمويل كامل لمشروع طريق استراتيجي في ليبيا
