31 يناير 2026

تشهد مدن غرب ليبيا، خاصة طرابلس ومصراتة، احتجاجات متصاعدة تطالب برحيل حكومة الدبيبة المنتهية الولاية وإجراء انتخابات فورية، وتجمع الاحتجاجات بين مطالب معيشية بسبب تدهور الخدمات ومطالب سياسية بإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة، مما يعكس تراجع الثقة في المؤسسات الحالية.

تشهد مدينتا طرابلس ومصراتة، بالإضافة إلى مناطق أخرى في غرب ليبيا، موجة احتجاجات شعبية متصاعدة. وتندرج هذه التحركات على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية والخدمية، واستمرار حالة الجمود السياسي، وسط مطالب واضحة برحيل الحكومة الوطنية المؤقتة المنتهية ولايتها برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والتعجيل بإجراء انتخابات عامة تُنهي المسار الانتقالي الطويل.

وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق سياسي معقد تعيشه البلاد منذ تعثر الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر 2021، وهو ما أدى إلى استمرار العمل بالمؤسسات التنفيذية والتشريعية الحالية دون تفويض انتخابي مباشر، مما زاد من منسوب الاحتقان لدى قطاعات واسعة من الليبيين.

ورغم أن الدافع المباشر للاحتجاجات ارتبط بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلا أن الشعارات التي رُفعت في الساحات والشوارع عبّرت بوضوح عن انتقال الغضب الشعبي من الإطار الخدمي إلى المطالبة بتغيير سياسي.

فقد طالب المحتجون برحيل حكومة الدبيبة، معتبرين أنها أخفقت في الوفاء بتعهداتها الأساسية المتمثلة في إجراء الانتخابات وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

ويُرى أن هذا التداخل بين المطالب المعيشية والسياسية يعكس حالة إرهاق عامة من إدارة المرحلة الانتقالية الطويلة، حيث بات المواطن يربط بشكل مباشر بين الأزمات اليومية وطبيعة الحكم المؤقت، وغياب المساءلة، واستمرار الفساد، وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة.

ويمنح خروج الاحتجاجات من مدن كبرى في غرب البلاد، كانت تُعدّ حتى وقت قريب ضمن الحاضنة الاجتماعية الرئيسية للحكومة، دلالة سياسية كبيرة.

فهذه التحركات لا تُقرأ كموجة عابرة، بل كمؤشر واضح على تراجع الرصيد الشعبي الذي استندت إليه الحكومة عند تشكيلها، عندما قُدّمت كسلطة انتقالية مهمتها توحيد المؤسسات وتهيئة البلاد للاستحقاق الانتخابي.

ومع مرور الوقت وتكرار الإخفاقات، تحول هذا الرصيد إلى عبء سياسي، خاصة في ظل غياب أفق واضح لإنهاء المرحلة الانتقالية، واستمرار الأزمات الخدمية، وتنامي الشعور بعدم العدالة في توزيع الموارد.

تطرح الاحتجاجات الجارية تساؤلات جوهرية حول شرعية استمرار حكومة منتهية الولاية دون تفويض شعبي متجدد، وهو ما أصبح محل رفض متزايد.

ويُحلل أن فشل الحكومة في تنفيذ تعهدها الرئيسي بإجراء الانتخابات أسهم بشكل مباشر في تآكل الثقة بينها وبين الشارع، وفقدانها القدرة على تبرير بقائها كضرورة مرحلية.

ولا يقتصر هذا الرفض على الحكومة وحدها، بل يمتد ليشمل المؤسسات السياسية الأخرى، مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، اللذين يُحمّلهما المحتجون مسؤولية التعطيل المتبادل وعدم التوصل إلى توافق يفتح الطريق أمام الانتخابات.

أصبحت الدعوة لإجراء الانتخابات العامة (البرلمانية والرئاسية) عنواناً جامعاً لمطالب المحتجين، باعتبارها المدخل الوحيد لإنهاء حالة السيولة السياسية.

ولم يعد هذا المطلب شعاراً نخبوياً فحسب، بل تحول إلى مطلب شعبي واسع، يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الوضع الراهن يعني إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.

ويُشير مراقبون إلى أن تعثر المسار الانتخابي عمّق الفجوة بين المواطن والنخب الحاكمة، ورسّخ قناعة بأن هذه النخب تستفيد من إطالة أمد المرحلة الانتقالية على حساب الاستقرار السياسي والاقتصادي.

سياسياً، تُضعف الاحتجاجات المتصاعدة موقع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، وتضعه أمام أزمة ثقة حقيقية.

ويُتوقع أن يؤدي استمرار الاحتجاجات واتساع نطاقها إلى فرض معادلات جديدة، سواء عبر تصعيد الشارع أو من خلال ضغوط سياسية داخلية وخارجية لإعادة ترتيب المشهد التنفيذي.

في خضم هذه التطورات، عاد الحديث عن احتمال إجراء تعديل وزاري، يُنظر إليه من قبل كثيرين كمحاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وإلقاء المسؤولية على بعض الوزراء دون معالجة جوهر الأزمة المتمثل في غياب خارطة طريق واضحة نحو الانتخابات.

ويرى معارضو الحكومة أن أي تعديل لا يرافقه التزام بجدول زمني واضح للانتخابات سيبقى إجراءً شكلياً يهدف لكسب الوقت، وليس استجابة حقيقية لمطالب الشارع.

تعكس الاحتجاجات الجارية في طرابلس ومصراتة ومناطق الغرب حالة تململ شعبي متصاعد من الواقع السياسي القائم، ورفضاً صريحاً لسياسات الحكومة واستمرار المؤسسات الحالية دون تفويض.

وبينما يبقى المشهد السياسي مفتوحاً على عدة احتمالات، فإن الثابت هو أن الشارع الليبي بات أكثر جرأة في التعبير عن مطالبه، وأكثر وضوحاً في رفضه إدامة الوضع الراهن.

العلاقة بين بلجيكا وليبيا: صراع على أموال من عهد القذافي

اقرأ المزيد