12 مارس 2026

لم ينتهِ لقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة بعدد من قادة الزاوية ووجهائها على مأدبة إفطار رمضانية في طرابلس إلى مشهد يمكن إدراجه ضمن “المصالحة الوطنية”، كما حاولت وسائل الإعلام الموالية للحكومة تقديمه، بل إلى فضيحة سياسية مكتملة الأركان.

بين الخطاب الرسمي الذي تحدث عن “تعزيز وحدة الصف” و”توحيد الكلمة” و”ترسيخ التوافق الوطني”، والوقائع التي كشفتها الصور والتصريحات اللاحقة، برزت حقيقة مغايرة، فما جرى محاولة مكشوفة لإعادة ترتيب التحالفات المسلحة في غرب ليبيا تحت غطاء اجتماعي فضفاض.

البيان الحكومي تحدث عن لقاء مع “أعيان وعمداء وقيادات مدينة الزاوية”، لكن ما ظهر على الأرض هو حضور عدد من قادة التشكيلات المسلحة المعروفة في الزاوية ومحيطها، ما نسف منذ البداية الرواية الرسمية التي حاولت تسويق الحدث بصفته منصة للتقارب الوطني، وبينما كانت الحكومة ترفع شعارات الاستقرار والتلاحم، عكسست القاعة نفسها عودة واضحة إلى منطق إدارة السلطة عبر التفاهم مع أصحاب السلاح لا عبر مؤسسات الدولة.

من حضروا اللقاء؟ أعيان أم قادة تشكيلات مسلحة؟

أول ما أطاح بسردية “المصالحة” هو هوية الحاضرين، فالمعطيات الواردة حول اللقاء أكدت حضور أسماء بارزة في المشهد المسلح داخل الزاوية، من بينها عثمان اللهب، آمر “الكتيبة 103” المعروفة باسم “السلعة”، ومحمود بن رجب، آمر “اللواء 52 مشاة”، وحسن أبوزريبة، رئيس جهاز دعم الاستقرار، ورمزي القمودي، قائد “كتيبة أمن المطار”، إضافة إلى ممثلين عن محمد السيفاو، آمر قوة المساندة لوحدة المعلومات والتحري، عن محمد القصب المعروف دولياً بوصفه قائد “كتيبة شهداء النصر في الزاوية.

وهنا لا يعود الحديث عن “أعيان” و”وجهاء”، بل عن شخصيات ترتبط مباشرة ببنية القوة المسلحة التي تهيمن على المدينة ومحيطها، وبعض الأسماء الحاضرة أو الممثلة في اللقاء ليست مجرد شخصيات مثيرة للجدل سياسياً، بل ارتبطت علناً بملفات تهريب وانتهاكات وعلاقات معقدة مع اقتصاد الجريمة في غرب ليبيا.

ويبرز هنا اسم محمد الأمين العربي كشلاف، المعروف بـ”القصب”، بوصفه الحالة الأكثر دلالة، فهذا الاسم مدرج على قوائم العقوبات الدولية، وارتبط بتقارير أممية تتعلق بتهريب البشر واستغلال المهاجرين والسيطرة على شبكات إجرامية في الزاوية، ومجرد تمثيل هذا الاسم داخل لقاء يسوق رسمياً بصفته جهداً لتعزيز “المصالحة الوطنية” يكشف إلى أي حد بات الخطاب الحكومي منفصلا ًعن أبسط مقتضيات الشرعية القانونية والسياسية.

المصالحة الغائبة: استبعاد “الفار” يكشف حقيقة الاجتماع

الركن الثاني الذي يكشف زيف الحديث عن “المصالحة” يتمثل في غياب محمد بحرون، المعروف بـ”الفار”، عن اللقاء، بل ورفض مشاركته وفق المعطيات المتداولة، وهذه النقطة جوهرية لأن أي لقاء يراد له أن يقدم بوصفه محاولة لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء داخل الزاوية كان ينبغي، منطقياً وسياسياً، أن يشمل الأطراف الأكثر خلافاً وتأثيراً، لا أن يستبعدها.

استبعاد “الفار” يوضح أن الاجتماع لم يكن مصمماً لتسوية انقسام داخلي، بل لترتيب توازنات مع أطراف بعينها، ومنح شرعية سياسية وانتقائية لمن اختارهم الدبيبة شركاء في هذه اللحظة، فلم يكن الهدف جمع المتنازعين، بل تكريس خريطة ولاء جديدة داخل الزاوية، أو على الأقل التعامل مع المدينة من خلال مراكز القوة الأكثر قابلية للتفاهم مع الحكومة.

مفهوم “المصالحة” استُخدم هنا لا بوصفه مشروعاً لاحتواء الانقسام، بل بوصفه غطاء لغوياً لعملية فرز سياسي؛ من يدخل إلى القاعة ومن يبقى خارجها، ومن يعاد استيعابه ومن يترك في الهامش، ومن يمنح صفة “شريك” ومن يحرم حتى من الظهور.

تصريح ينسف الرواية الرسمية

الضربة الأقوى للسردية الحكومية جاءت من داخل اللقاء نفسه، وتحديداً من تصريح عثمان اللهب عقب مشاركته، فبدل أن يتحدث عن ضرورة التهدئة أو رأب الصدع أو تغليب الصالح الوطني، خرج الرجل بلهجة حادة ومباشرة ليؤكد أن وجوده في العاصمة جاء “رداً على من كان يتهم الساحل الغربي بالإجرام”، مضيفاً أن الساحل الغربي “أكبر من شخص نصب نفسه وزيراً للداخلية ويثرثر بالكلام”، في إشارة واضحة إلى وزير الداخلية عماد الطرابلسي.

هذا التصريح لا يمكن اعتباره مجرد انفعال شخصي عابر، بل هو مفتاح لفهم المعنى الحقيقي للاجتماع، فحين يعلن أحد أبرز المشاركين أن حضوره جاء رداً على وزير داخلية الحكومة نفسها، فإن اللقاء يفقد تلقائياً أي مظهر من مظاهر “المصالحة الوطنية” ويصبح جزءاً من صراع داخل معسكر السلطة ذاتها، ومحاولة لتوجيه رسالة سياسية إلى الطرابلسي أكثر من كونه مبادرة وفاق بين المكونات الليبية.

عملياً لم يكن الإفطار مساحة لخفض التوتر، بل منصة لإظهاره بصيغة أكثر ترتيباً، ولم يكن مناسبة لتجاوز الانقسام، بل مناسبة لاستخدام رمزية الاجتماع في تصفية حسابات سياسية وأمنية بين مراكز النفوذ داخل الغرب الليبي.

الدبيبة بين خطاب الدولة وحسابات البقاء

ما يكشفه هذا اللقاء، في بعد آخر، هو التناقض المستمر في سلوك عبد الحميد الدبيبة نفسه، فالرجل الذي سبق أن رفع شعار “إنهاء زمن الميليشيات” و”بسط سلطة الدولة” و”تفكيك التشكيلات المسلحة” عاد ليجلس مع أبرز وجوه هذه التشكيلات، أو مع ممثليها، في مشهد لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تراجعاً سياسياً واضحاً عن خطاب الدولة لحساب براغماتية البقاء.

لكن حتى وصف الأمر بالبراغماتية لا يكفي، فما جرى لا يدل فقط على اضطرار سياسي، بل على إعادة إنتاج العلاقة نفسها بين السلطة التنفيذية والجماعات المسلحة، حيث الدولة لا تواجه هذه القوى ولا تعمل على تفكيكها، بل تفاوضها، وتسترضيها، وتعيد ترتيب مواضعها داخل شبكة النفوذ، فيتحول خطاب “السيادة” إلى مجرد أداة ظرفية تستحضر حين تخدم اللحظة السياسية، ثم يجري تعليقها عندما تفرض موازين القوة غير ذلك.

وفي ظل الجدل الذي أثاره التعديل الوزاري، والتوترات المتنامية في معسكر الغرب الليبي، يبدو أن الدبيبة أراد من هذا اللقاء أن يوجه أكثر من رسالة في آن واحد، فهو لا يزال قادراً على جمع قوى ميدانية حوله، وأن الزاوية لم تخرج كلياً من دائرة تأثيره، وأنه مستعد لاستيعاب الجماعات المسلحة حين تتطلب مصلحته ذلك. غير أن هذه الرسائل، بدل أن تُظهره رجل تسويات، كشفت مجدداً حدود سلطته الفعلية وارتهانها لشبكات السلاح.

لا مصالحة هنا… بل إعادة تموضع

المشكلة الأساسية في هذا اللقاء لا تكمن فقط في حضور شخصيات مسلحة أو مثيرة للجدل، بل في الإصرار على تسويقه بلغة أخلاقية ووطنية لا صلة لها بمضمونه الحقيقي، فالمصالحة ليست صورة جماعية على مائدة إفطار، ولا كلمات بروتوكولية عن “وحدة الصف”، ولا جمع شخصيات نافذة في قاعة واحدة، بل تقتضي اعترافاً بالأزمة، وتمثيلاً متوازناً للأطراف، وإرادة فعلية لخفض النزاع، ومظلة قانونية تضع السلاح خارج السياسة لا في قلبها.

أما الذي حدث في طرابلس، فكان مختلفاً، فهو إعادة تموضع سياسية في لحظة ارتباك، واستعراضاً للقدرة على استدعاء القوى المسلحة أو استرضائها، ورسالة إلى الخصوم داخل الحكومة وخارجها، أكثر من كونه مشروعاًً لتضميد الجراح أو لمّ الشمل.

سقوط القناع

لقاء الدبيبة مع قادة الزاوية انتهى إلى فضيحة لا إلى مصالحة، لأن الحاضرين لم يكونوا مجرد أعيان وفاعلين اجتماعيين، بل ضموا قادة وممثلين عن جماعات مسلحة، من بينهم شخصيات ارتبطت بملفات خطيرة على المستوى المحلي والدولي، ولأن طرفا أساسياً أيضاً مثل “الفار” بقي خارج المشهد، ما يؤكد أن لا أحد كان ينوي مصالحة الجميع أصلاً، ولأن الرسالة الأوضح التي خرجت من اللقاء لم تكن دعوة إلى الوفاق، بل هجوماً مباشراً على وزير الداخلية من أحد المشاركين.

الإفطار كان لحظة انكشاف سياسي، أظهرت ضعف الخطاب الرسمي أمام قوة الوقائع، وعجز الحكومة عن الارتقاء من منطق إدارة التوازنات المسلحة إلى منطق الدولة، فـ”المصالحة الوطنية” ليست سوى لافتة جاهزة ترفع كلما أرادت السلطة تغليف صفقات النفوذ بلغة أقل فجاجة.

بقلم: نضال الخضري

الشركات الصينية تؤكد جاهزيتها لتطوير البنية التحتية الليبية

اقرأ المزيد