أساتذة الجامعات السودانية دخلوا في إضراب شامل ومفتوح، أدى إلى شلل شبه كامل في الجامعات الحكومية، في ظل أزمات سياسية وأمنية متفاقمة تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب قبل نحو ثلاث سنوات.
وتحوّلت ردهات الجامعات إلى ساحات احتجاج، وسط أزمة ثقة عميقة بين النخبة الأكاديمية والسلطات التنفيذية، التي تواجه اتهامات بالتنصل من التزامات مالية وقانونية أُقرت سابقاً تحت ضغط الحراك النقابي.
وأعلنت لجنة أساتذة الجامعات السودانية استمرار الإضراب حتى تحقيق المطالب، مشيرة إلى أن نسبة الالتزام ارتفعت من نحو 95% إلى 100%.
وشارك ما لا يقل عن 167 ألفاً و743 أستاذاً في 35 جامعة في الوقفات الاحتجاجية، التي نُظمت داخل الحرم الجامعي وأمام البوابات الرئيسية، رافعين لافتات تعبّر عن مطالبهم.
ومن أبرز الجامعات التي توقفت فيها الدراسة كلياً: جامعة الخرطوم، وجامعة السودان، وجامعة النيلين، وجامعة أم درمان الإسلامية، إلى جانب جامعات أخرى في مختلف الولايات.
وفي سياق متصل، يجري التحضير لإضراب جديد يشمل العاملين في مؤسسات التعليم العالي من غير أعضاء هيئة التدريس، بدءاً من 5 أبريل، للمطالبة بالحقوق ذاتها المتعلقة بالأجور وشروط الخدمة،كما شكّلت لجنة المعلمين السودانيين لجنة عليا لتصعيد الحراك، في خطوة تعكس اتساع رقعة الاحتجاجات النقابية.
ويأتي التصعيد على خلفية تدهور الأوضاع الوظيفية وضعف الرواتب، إلى جانب مطالب بإقرار هيكل راتبي مستقل ولائحة شروط خدمة خاصة بأساتذة الجامعات، وهي مطالب يقول المحتجون إنها مستندة إلى القوانين المحلية والمواثيق الدولية.
وبدأت الأزمة مع استبعاد الأساتذة من مظلة لائحة الخدمة المدنية، وعدم اعتماد هيكل وظيفي مستقل لهم، رغم تضمينه في الوثيقة الدستورية لعام 2018، حيث يؤكد الأساتذة أن اللائحة استوفت مراحل الإجازة الفنية ولم يتبق سوى اعتمادها رسميًا.
وفي المقابل، تواصل الأزمة الاقتصادية التفاقم، مع تراجع غير مسبوق في قيمة الأجور نتيجة انخفاض قيمة العملة المحلية منذ اندلاع النزاع في 2023، وعجز الحكومة عن تنفيذ إصلاحات اقتصادية في ظل استمرار الحرب.
وأفادت لجنة أساتذة الجامعات السودانية باعتقال 11 أستاذًا من جامعة كردفان على خلفية مشاركتهم في وقفة احتجاجية، معتبرة أن ما جرى يمثل انتهاكاً لحق التعبير السلمي، وشملت الاعتقالات أساتذة أُوقفوا من داخل الكلية وآخرين تم استدعاؤهم بسبب دعمهم للإضراب.
وتتزايد المخاوف من تفاقم هجرة الكفاءات الأكاديمية في حال استمرار الأزمة دون حلول، في ظل بحث الأساتذة عن فرص عمل خارج البلاد توفر لهم الاستقرار المعيشي والتقدير المهني، خاصة في دول الجوار والخليج.
ويرى مختصون أن هذه الهجرة تمثل خسارة كبيرة للسودان، نظراً لصعوبة تعويض الخبرات المتراكمة، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على جودة التعليم والبحث العلمي، مع تحميل كوادر شابة أعباء تدريسية تفوق خبراتها.
وتأتي هذه التطورات في سياق حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، خلّفت آلاف الضحايا ونحو 15 مليون نازح، وتسببت في دمار واسع للبنية التحتية، بما في ذلك الجامعات التي تحولت بعض مرافقها إلى ملاجئ أو مواقع عسكرية، فيما توقفت رواتب العاملين لفترات طويلة، لتغدو أزمة الإضراب انعكاساً مباشراً لانهيار مؤسسات الدولة في واحدة من أعنف أزماتها المعاصرة.
على هامش القمة الإيطالية-الإفريقية.. الدبيبة يبحث مع وزير الخارجية التشادي ملفات القارة السمراء الشائكة
